تصعيد الأطماع الإسرائيلية.. بين الأساطير التوراتية وقواعد القانون الدولى

الإثنين 2 مارس 2026 - 12:25 ص

فى مقابلته الأخيرة التى أثارت استياءً بالغًا فى جميع أنحاء العالم، لم يُفرِّق السفير الأمريكى لدى إسرائيل بين رأيه الشخصى ووضعه كموظف رسمى بدرجة سفير للولايات المتحدة، بتصريحه بأن لليهود وعدًا إلهيًّا فى الأرض من النيل إلى الفرات، مضيفًا بالنص: «وسيكون جيدًا إذا تحقق هذا الوعد الإلهى».

السفير مايك هاكابى، الذى تبيَّن أنه لا يدرك حدود مهامه السياسية والدبلوماسية، أغفل حقيقة أنه يتعين عليه الالتزام بما تحدده السياسة الأمريكية بشأن القضايا الدولية، لا سيما أن تصريحاته جاءت متناقضة بصورة أساسية مع رؤية الرئيس ترامب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء حرب غزة ومؤتمر مجلس السلام المنعقد فى واشنطن منذ أيام.

مايك هاكابى هو فى الأصل سياسى محلى أمريكى وقسيس مسيحى صهيونى، وحاكم سابق لولاية أركنساس، وأحد المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 عن الحزب الجمهورى. سبق له أن صرَّح بأنه لا يوجد شىء اسمه فلسطين، ولا يوجد شىء اسمه الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة» الإسرائيلية، كما عُرف عنه تأييده الكامل لبناء المستعمرات الصهيونية فى الضفة الغربية رغم مخالفتها للقانون الدولى وتدميرها لفرص قيام الدولة الفلسطينية.

• • •

ولو تماشينا جدلًا مع تصريحات مايك هاكابى المغلوطة بأن التاريخ التوراتى لا يتضمن ذكرًا للفلسطينيين ولا وجود لهم، فهذا مردود عليه بإجابة واضحة قاطعة؛ إذ إنه قبل اختراع وتدوين الأسفار التوراتية الخمسة، كانت أرض فلسطين هى «أرض كنعان»، وهى أرض شامية عربية لا جدال فى ذلك، قبل قدوم العبرانيين الدخيلين عليها بمئات وآلاف السنين.

أما الوعد التوراتى المزعوم الذى جاء نصه فى سفر التكوين: «تُسمَّى من اليوم إبراهيم، وإلى نسلك وذريتك أعطى هذه الأرض، من نهر الفرات إلى النهر الكبير، نهر مصر»، فلو ناقشناه فسنجد أن العرب والعبرانيين هم نسل وذرية إبراهيم، وهم موجودون بالفعل إلى اليوم فى تلك الأرض، لكن المطامع الصهيونية تفسر ذلك النص وبقية النصوص التوراتية بما يخدم العدوان الإسرائيلى على الفلسطينيين واحتلال أراضيهم واجتثاثهم منها، بل والتوسع إلى الدول المجاورة.

• • •

حالة مايك هاكابى يمكن تتبع جذورها إلى عدة قرون، وتحديدًا إلى فترة استعمار العالم الجديد وهجرة بعض فئات الأوروبيين الأوائل من البروتستانت والبيوريتانيين إلى القارة الأمريكية، حيث كان هؤلاء فى أوروبا يعيشون تحت وطأة الفقر الشديد والاضطهاد الدينى، فاعتبروا أنهم بمغادرتهم أوروبا قد وصلوا إلى أرض كنعان الجديدة، وأن مدينتهم الأولى فى أمريكا هى أورشليم الجديدة، وشبَّهوا الملك الإنجليزى جيمس الأول بفرعون الظالم، وشبَّهوا أنفسهم بأنهم العبرانيون الذين فروا من ظلمه إلى أرض الميعاد.

كما وجد هؤلاء فى حكايات سفر الخروج مصدرًا لاستحضار التشبيه لرحلتهم وهجرتهم إلى العالم الجديد؛ فهم قد تعرضوا للاضطهاد فى أوروبا واضطروا للخروج منها، واعتبروا رحلة الهجرة إلى أمريكا بمثابة تيه اليهود فى الصحراء، وأن وصولهم إلى أمريكا هو الوصول إلى أرض الميعاد، وحتى قتالهم للسكان الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) وتشريدهم واحتلال أراضيهم وإبادتهم والقضاء عليهم شبَّهُوه بما قام به العبرانيون نحو الكنعانيين فى فلسطين.

• • •

الكنيسة الأنجليكانية الأمريكية التى ينتمى إليها مايك هاكابى تُعد من أعمدة حركة المسيحية الصهيونية، وتقوم على الإيمان بالنبوءات التوراتية التلمودية، ومحورها أنه حتى يتحقق الوعد ويعود المسيح المخلِّص، فلا بد من قيام إسرائيل، ولا بد أن تمتد رقعتها من الفرات إلى النيل وفق الحق التوراتى.

ودأبت تلك الكنيسة طوال تاريخها على دعوة أتباعها لمناصرة إسرائيل بدعوى أن الرب سيبارك من يبارك أبناء إبراهيم، وسيلعن من يلعن أبناءه، وهو تفسير تنكره كل الكنائس الأخرى، موضحةً أن الرب تحدث عن كل المؤمنين وليس عن سلالة إبراهيم فقط، كما تطلب من أتباعها استحضار النزول الثانى للمسيح ببذل كل طاقتهم فى التحضير لنزوله بمساندة إسرائيل.

وتدريجيًّا، عامًا بعد عام، أخذ هذا الاتجاه فى الحصول على الدعم والمساندة من أصحاب الأعمال وكبار الماليين ورجال الأعمال اليهود باعتباره يتوافق مع رؤيتهم الدينية، ولاحقًا تم دعمه ومساندته باعتباره يتوافق مع رؤيتهم السياسية عندما بدأت تُرسم الخطوط الأولى للمشروع الصهيونى فى فلسطين، فانتعشت بموجب ذلك المسيحية الصهيونية، ودعمتها الآلة الإعلامية الجبارة من التليفزيون والصحف التى سيطرت ووجَّهت مسار الثقافة والحياة الأمريكية طوال القرن العشرين.

• • •

الحديث الذى أدلى به مايك هاكابى يُصنَّف بأنه حديث غير مسئول، ويمثل تمهيدًا بشكل ما لأى عدوان يمكن أن تقوم به إسرائيل، ويعطيها ذريعة دينية مصطنعة ومفصلة خصيصًا لها لتنفيذ سياساتها التوسعية العدوانية، وهو يُعد بمثابة انتهاك مبدئى للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، وخرقًا للأعراف الدبلوماسية، وسابقةً خطيرة لصدوره من مسئول أمريكى يشغل مركزًا دقيقًا فى منطقة معقدة سياسيًّا بالكامل وشديدة الحساسية لأى شىء، حتى لو كانت كلمة قيلت بقصد أو عن غير قصد.

هذا الطرح المتطرف يُنبئ بعواقب وخيمة ويهدد الأمن والسلم العالميين، وينذر باشتعال منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنه يعطى ذريعة لإسرائيل لمواصلة سياساتها العدوانية والتوسعية على حساب الشعب الفلسطينى وأرضه ومقدراته ومستقبله، وآخرها سقوط قرابة 70 ألف شهيد فى غزة وحدها خلال العامين الماضيين.

كما يمس هذا الحديث الخطير دولًا عربية باتت تنزف يوميًّا من العدوان الإسرائيلى، مثل سوريا التى استولت إسرائيل منها على جبل الشيخ وهضبة الجولان، ولبنان الذى ما زالت إسرائيل تحتل من أراضيه عدة آلاف من الكيلومترات، ولا نستبعد أن تجتاحه إسرائيل لتجعل حدودها معه هى نهر الليطانى تنفيذًا لمطامعها فى الأراضى الخصبة وموارد المياه.

مصر أدانت تصريحات هاكابى باعتبارها تمثل خروجًا سافرًا على مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وأكدت بصفة قاطعة أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضى العربية، مشددة على رفضها القاطع لأى محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية فى الأرض الفلسطينية المحتلة.

وعلى أية حال، فقبل تصريحات هاكابى أو حتى بعدها، بات العالم أجمع، بما فيه الشعب الأمريكى، يدرك حقيقة كفاح الشعب الفلسطينى والثمن الفادح الذى يدفعه الفلسطينيون من أجل حق تقرير مصيرهم وقيام دولتهم المستقلة، ويدرك فى الوقت ذاته الجرائم الإسرائيلية البشعة فى حق الشعب الفلسطينى وفى حق كل الشعوب التى تدفع ثمنًا باهظًا لممارسات إسرائيل العدوانية الإجرامية.

أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة