نشر موقع «Psyche» مقالا للكاتب مارك تشين، يؤكد فيه عدم وجود «كتالوج» موحد للمشاعر الإنسانية يصنف طرق التعامل مع الانفعالات إلى قوائم بيضاء وسوداء، بل يختلف هذا التصنيف من دولة إلى أخرى، فمثلا ما نعتبره «صحيًا» فى نيويورك قد لا يكون كذلك فى طوكيو أو موسكو. فى ضوء ما سبق، تناول تشين دراسة عالمية ضخمة تضم 150 ألف مشارك، ليثبت أن استراتيجياتنا النفسية ليست مجرد خيارات فردية، بل هى صدى للثقافة التى نشأنا فيها.. نعرض من المقال ما يلى:
لعقود من الزمن، حدد علم النفس قائمة طويلة من استراتيجيات التعامل مع العواطف وقسمها إلى قائمة «جيدة» وأخرى «سيئة». فعلى سبيل المثال، تعتبر استراتيجية «إعادة التقييم» للموقف ــ كأن يفكر الشخص بأن هذه الانتكاسة قد تكون فرصة جيدة له ــ مفيدة بشكل عام، بينما يُنظر إلى «كبت المشاعر» عادةً على أنه ضار.
لكن الأبحاث أظهرت أن هذه الاستراتيجيات ليست فعّالة على نحوٍ ثابت؛ فقد تنجح فى موقفٍ ما وتأتى بنتائج عكسية فى موقفٍ آخر. فى المقابل، شدّد علماء النفس على محورية «السياق» ــ وهو يشمل الموقف الذى يواجهه الفرد وصولًا إلى الإطار الثقافى الذى يعيش فيه خبرته الاجتماعية ــ دون تقديم تفسيرٍ واضح لسبب هذه الأهمية. وحتى عندما يتناول الباحثون الفروق الثقافية فى تجربة العاطفة، فإنهم غالبًا ما يكتفون بالمقارنة بين «الغرب والشرق»، أو بتصنيف الثقافات وفق ثنائية «الفردية والجماعية»، وهى تبسيطات لا تخلو من الاختزال.
فى هذا الصدد، يسرد كاتب المقال مارك تشين محاولته البحثية بالاشتراك مع زملاؤه للتحقق مما إذا كانت استراتيجيات «المواجهة» مع المشاعر، المصنفة بأنها مفيدة وأحيانًا ضارة، تؤدى الدور نفسه فى مختلف البيئات، أم أن جدواها تتحدد تبعا للسياق الثقافى.
قام الفريق البحثى بتجميع نتائج أبحاث ذات صلة من 37 دولة ومنطقة مختلفة، استنادًا إلى بيانات أكثر من 150 ألف مشارك. وسمح ذلك بفحص كيفية ارتباط «إعادة التقييم» و«الكبت» ــ وهما استراتيجيتان خضعتا لدراسات واسعة ــ بنتائج الصحة العقلية حول العالم.
لتعريف هذه الاستراتيجيات بشكل أفضل، يشير «إعادة التقييم المعرفى» إلى تغيير طريقة تفكيرك فى موقف ما لتغيير تأثيره العاطفى، مثل إعادة صياغة الفشل كفرصة للتعلم. أما الاستراتيجية الأخرى، وهى «الكبت التعبيرى»، فتعنى كبح التعبيرات العاطفية، مثل إخفاء إحباطك فى العمل. فى العالم الغربى، اعتُبرت إعادة التقييم دائما «تكيفية» للصحة العقلية، والكبت «غير تكيفى». لكن يشير تشين إلى أن فريقه البحثى استطاع الوصول إلى نتائج مغايرة.
أولًا، منهج البحث: استخدم الباحثون نموذج طوره عالم النفس الاجتماعى الهولندى «جيرت هوفستيد»، ويقوم نموذج هوفستيد للثقافات الوطنية بقياسها بناءً على عدة أبعاد؛ منها:
تجنب اليقين: فى اليابان، التى تسجل درجة عالية فى هذا البُعد، يفضل الناس القواعد التفصيلية والروتين المنظم لتقليل المفاجآت.
التوجه القصير مقابل الطويل الأمد: فى الصين، يميل الناس إلى ادخار المال والاستثمار فى التعليم من أجل المستقبل.
الانغماس مقابل الضبط: فى الثقافات الأكثر انضباطًا مثل روسيا، يركز الناس بشدة على الواجب والتحكم فى النفس، حتى لو كان ذلك يعنى التخلى عن الاستمتاع الشخصى.
ثانيًا، النتيجة: طبقًا لبيانات البحث، استنتج تشين وزملاؤه أن الثقافات التى تميل إلى «عدم اليقين» (مثل الولايات المتحدة والصين)، تشجع استراتيجية «إعادة التقييم المعرفى». ففى هذه الثقافات، ارتبط ميل الناس لاستخدامهم استراتيجية «إعادة التقييم» بصحة عقلية أفضل وشعور أكبر بالرضا عن الحياة.
لا نستطيع الجزم بالسبب، لكن يمكن طرح تفسير محتمل. تخيّل أن قطارك تأخر وأنت فى طريقك إلى اجتماع عمل مهم. فى ثقافة تُعلى من شأن «اليقين»، يميل الناس إلى محاولة استعادة السيطرة فورًا؛ كإعادة الجدولة أو متابعة التأخير بقلق، دون فسحة لإعادة تفسير الموقف. أما فى ثقافة أكثر تقبّلاً لـ «عدم اليقين»، فقد يُنظر إلى التأخير كعقبة يومية عادية، ما يتيح لاستراتيجية «إعادة التقييم» أن تخفف من حدة التوتر.
معلومة إضافية، يختلف مستوى ضرر «الكبت العاطفى» من بلد إلى أخرى طبقًا لثقافتها. بمعنى أوضح، أظهرت نتائج الدراسة البحثية ارتباط الكبت العاطفى بتدهور الصحة النفسية فقط فى الثقافات «المنفتحة» التى تشجّع إشباع الرغبات والتعبير العاطفى. أما فى الثقافات التى تقدّر «الضبط» والتحكم، يعد الكبت أقل ضررًا؛ لأن كبح المشاعر يُفسَّر كدليل على النضج أو الاحترام.
تشير هذه الأنماط مجتمعة إلى حقيقة أساسية: تنظيم العواطف ليس حلاً موحدًا للجميع. إنه نتاج تفاعل مستمر بين الفرد وسياقه الاجتماعى. لذلك، فإن الدعوة إلى «إعادة التقييم» أو التحذير من «الكبت» لا تكون مفيدة دائمًا؛ فبالنسبة لبعض الأشخاص قد يبدو طلب «تغيير طريقة النظر» إلى الأمور بعيدًا عن واقعهم الاجتماعى، بينما قد يعكس «الكبت» لدى آخرين قوةً وانسجامًا ثقافيًا لا انسحابًا عاطفيًا.
بإيجاز، عندما تسمع نصائح مثل «لا تكتم مشاعرك» أو «انظر إلى الجانب المشرق»، تذكر أن هذه التوجيهات تنطلق من افتراضات ثقافية معينة. نحن نعيش ضمن عوالم عاطفية متعددة، وليس هناك طريق واحد صحيح للشعور، ولا أسلوب واحد صحيح للتعامل مع المشاعر.
فى النهاية، يؤكد مارك تشين على أن مرونة الفرد النفسية تعتمد على فهم ثقافة مجتمعه قبل اختيار طريقة التعامل مع المشاعر. علما بأن الصحة النفسية هى عملية توازن دقيقة بين احتياجات الفرد وتوقعات مجتمعه. فثقافة المجتمع هى من تحدد إذا كان كتم الغضب طوق نجاة أم عبئًا إضافيًا.
إعداد وتحرير: وفاء هانى عمر
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/eydbv87n