القمة الأمريكية الصينية.. إدارة التنافس وليس حسمه

الثلاثاء 5 مايو 2026 - 6:55 م

نشر موقع 180 مقالا للكاتب سعيد عيسى يحلل فيه طبيعة العلاقات الدولية الراهنة من خلال عدسة القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وشى جين بينج (يومى 14، و15 مايو)، مع التركيز بشكل خاص على كيفية انعكاس هذا التنافس «المنضبط» بين واشنطن وبكين على ملفات الشرق الأوسط، وتحديدًا إيران.. نعرض من المقال ما يلى:

مع بدء العد العكسى للقاء القمة المرتقب بين دونالد ترامب وشى جين بينج فى بكين، تبدو التوقعات أعلى من الوقائع، والرهانات أكبر من المؤشرات المتاحة. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هكذا قمة يكشف عن لحظة دولية حسّاسة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى فوق خرائط ملتهبة، من شرق أوروبا إلى غرب آسيا، مرورا بالعقدة الأكثر تعقيدا: إيران.

ليس من الدقة التعامل مع هذه القمة بوصفها «قمة حسم»، كما توحى بعض القراءات المتسرعة. فالعلاقات بين الولايات المتحدة والصين لم تعد قابلة للاختزال فى صفقات كبرى تُنهى الخلافات دفعة واحدة. نحن أمام نمط جديد من التنافس، تنافس مُدار، يتجنب الانفجار، لكنه لا يسعى إلى التسوية الشاملة.

وفى هذا السياق، يصبح كل لقاء رفيع المستوى بين الجانبين جزءًا من عملية مستمرة لضبط الإيقاع، لا لإعادة كتابة النوتة بالكامل. ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط يظل ساحة مركزية فى هذا التفاعل. ليس لأنه أولوية استراتيجية مطلقة للطرفين، بل لأنه يمثل نقطة تقاطع حيوية لمصالحهما، الطاقة، الممرات التجارية، والاستقرار الهش الذى قد يتحول فى أى لحظة إلى مصدر اضطراب عالمى.

بالنسبة إلى الصين، التى تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فإن أى تهديد لتدفق النفط عبر الممرات البحرية يشكل خطرًا مباشرًا على اقتصادها. أما الولايات المتحدة، وبرغم محاولات تقليص انخراطها، ما تزال ترى فى المنطقة جزءًا من توازنات أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والتحالفات والنفوذ.

• • •

فى هذا الإطار، تبرز إيران كعنصر لا يمكن تجاوزه. لكنها ليست، كما يُصوَّر أحيانًا، مجرد ورقة فى يد هذا الطرف أو ذاك. إيران فاعل إقليمى معقد، يمتلك أدواته الخاصة، ويتحرك وفق حسابات تجمع بين البراجماتية والاعتبارات الأيديولوجية.

صحيح أنها تواجه ضغوطًا اقتصادية وعقوبات مستمرة، وحربًا ضروسًا، لكنها طوّرت فى المقابل استراتيجيات للتكيف، من تنويع شركائها إلى تعزيز نفوذها غير المباشر فى محيطها. من هنا، فإن أى رهان على قدرة الصين على «ضبط» السلوك الإيرانى بشكل كامل يبدو مبالغًا فيه.

العلاقة بين بكين وطهران قائمة على المصالح، لا على التبعية. الصين تحتاج إلى النفط الإيرانى، وإيران تحتاج إلى السوق الصينية، لكن هذا التبادل لا يمنح أى طرف القدرة على فرض إرادته بالكامل على الآخر. ما يمكن أن تفعله بكين، على الأرجح، هو المساهمة فى إدارة التوتر، لا حله؛ تقليل احتمالات التصعيد، لا إنهاء أسبابه. زدْ على ذلك خصوصية العلاقة الصينية الباكستانية التى تعطى إسلام آباد رصيدًا لا يتوفر لغيرها من العواصم، فضلًا عن العلاقة المييزة التى تربط الرئيس ترامب بقائد الجيش الباكستانى المشير عاصم منير.

على الجانب الأمريكى، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يوحى به الخطاب السياسى. فبينما يميل دونالد ترامب إلى تقديم السياسة الخارجية بلغة الصفقات، فإن بنية القرار فى واشنطن أكثر تشعبًا. هناك مؤسسات أمنية وعسكرية، وتحالفات إقليمية، وضغوط داخلية، كلها تلعب دورًا فى تحديد حدود أى تحرك.

لذلك، فإن الحديث عن «انسحاب أمريكى» من الشرق الأوسط يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. قد يكون هناك إعادة تموضع، أو تقليص لبعض الأعباء، لكن التخلى الكامل عن النفوذ يبدو خيارًا غير واقعى فى المدى المنظور.

• • •

فى ظل هذه التعقيدات، تظهر فكرة «المقايضة الكبرى» كتصور نظرى أكثر منها خطة قابلة للتنفيذ. هل يُمكن لواشنطن أن تقبل بدور صينى أكبر فى ضمان استقرار المنطقة مقابل تنازلات فى ملفات أخرى؟ ربما، لكن ضمن حدود ضيقة ومشروطة. فالتنافس بين القوتين لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل يمتد إلى تعريف قواعد النظام الدولى نفسه. وأى تنازل فى ساحة ما يُقرأ غالبًا فى سياق أوسع من ميزان القوة.

ما يميز المقاربة الصينية، فى هذا السياق، هو تركيزها على البعد الاقتصادى. فمن خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق»، تسعى بكين إلى ربط مناطق مختلفة بشبكات من البنية التحتية والتجارة، على أمل أن يؤدى تشابك المصالح إلى تقليل النزاعات.

هذه الرؤية، التى تتقاطع مع مفاهيم فى الأنثروبولوجيا الاقتصادية، تفترض أن الاقتصاد يمكن أن يصبح بديلًا تدريجيًا عن الصراع. فى هذا السياق، تُشكل إيران أحد أهم الممرات البرية فى مشروع «الحزام والطريق»، لما توفره من وصل جغرافى مباشر بين شرق آسيا وأوروبا، من دون أن تكون المسار الوحيد أو الإلزامى ضمن شبكة الطرق المتعددة التى تعتمدها الصين، برًا وبحرًا.

ومن زاوية أخرى، لا تنفصل المواجهة الأمريكية مع إيران عن معادلة الطاقة العالمية، حيث يشكّل ضبط ممرّاتها ومصادرها إحدى أدوات التأثير الاستراتيجى، فى سياق أوسع يتقاطع مع إدارة صعود الصين، وهذا ينطبق على معادلتى النفط الفنزويلى والإيرانى.

بهذا المعنى، يُمكن أن تتحول الممرات التجارية إلى نقاط تنافس، والاستثمارات إلى أدوات نفوذ، والاعتماد المتبادل إلى مصدر قلق بقدر ما هو مصدر استقرار. بمعنى آخر، «خرائط التجارة» لا تحل محل «خرائط القوة»، بل تتداخل معها فى شبكة معقدة من المصالح والتوازنات.

فى هذا السياق، يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالممرات البرية التى تربط آسيا بأوروبا، مرورًا بإيران وتركيا. هذه الممرات تمثل، بالنسبة إلى الصين، بديلًا جزئيًا للمسارات البحرية التى قد تكون عرضة للاضطراب. لكنها فى الوقت نفسه تمر عبر مناطق تعانى من هشاشة سياسية وأمنية، ما يجعلها رهانات طويلة الأمد أكثر منها حلولًا فورية.

أما بالنسبة لإيران، فإن الانخراط فى مثل هذه المشاريع يحمل فرصًا وتحديات فى آن واحد. من جهة، يوفر لها متنفسًا اقتصاديًا وفرصة لتقليل تأثير العقوبات. ومن جهة أخرى، يفرض عليها التكيف مع شبكة معقدة من المصالح التى قد تحد من هامش حركتها. لكن من غير المرجح أن يؤدى ذلك إلى تغيير جذرى فى سلوكها الاستراتيجى، على الأقل فى المدى القريب.

• • •

فى النهاية، ربما يكون الخطأ الأكبر هو البحث عن «لحظة حسم» فى عالم لم يعد يعترف بمثل هذه اللحظات. النظام الدولى اليوم أقرب إلى حالة تشكّل مستمر، حيث تتغير التوازنات تدريجيًا، وتتشكل التحالفات بشكل مرن، وتبقى النتائج مفتوحة على احتمالات متعددة. إذا عُقد لقاء القمة بين واشنطن وبكين (ولم يُؤجل كما حصل سابقًا)، من المرجح أن يسفر عن تفاهمات محدودة، أو إشارات تهدئة، أو ربما اتفاقات جزئية فى ملفات محددة. لكنه لن يكون نقطة تحول جذرية تعيد رسم ملامح العالم دفعة واحدة. فالقوى الكبرى، رغم تنافسها، تدرك حدود قدرتها على فرض إرادتها، وتفضل، على الأقل فى هذه المرحلة، إدارة الخلاف بدلًا من حسمه.

فى هذا المشهد، لا تبدو بكين كمن «يوزع أوراق اللعب»، ولا واشنطن كمن «يفقد السيطرة»، ولا طهران كمن «ينتظر الخلاص». بل نحن أمام توازن دقيق، حيث يتحرك كل طرف ضمن هامش محسوب، مدفوعًا بمصالحه، ومقيدًا بقيود الواقع.

وربما هذا هو الدرس الأهم، العالم لا يُدار من خلال صفقات كبرى بقدر ما يُشكَّل عبر سلسلة من التفاهمات الصغيرة، التى لا تُنهى الصراع، لكنها تمنعه من الانفجار. فى هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُكتب السياسة الدولية اليوم، ببطء، وبحذر، وبقدر كبير من الشك.

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/5y9hh2h5

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة