«جاءنا بكرة» يا هانى.. مع السلامة!

الثلاثاء 5 مايو 2026 - 6:55 م

لم يكن خبر رحيل هانى شاكر صادمًا بالمعنى المباشر. كنا نتابع مرضه، ونتلقى أخبارًا متضاربة بل ونسمع شائعات عن رحيله بين حين وآخر. كنا نعرف، فى مكان ما داخلنا، أن النهاية تقترب. لكن المعرفة لا تُخفف وطأة اللحظة حين تأتى.. هناك دائمًا شىء فى الداخل يرفض التصديق، أو يؤجل الحزن، حتى يقع الفقد فعلًا.

وحين وقع، لم يترك فراغًا صاخبًا بل صمتًا ثقيلًا. هذا النوع من الغياب لا يلفت النظر بقدر ما يتسلل بهدوء، ثم نكتشف أثره لاحقًا، حين نفتقده فى تفاصيل صغيرة.. فى جملة موسيقية مألوفة فى أغانيه، فى طريقة أداء لم يعد أحد يتقنها، فى ذلك الإحساس القديم بالأناقة التى لا تحتاج إلى إعلان.

لم يكن هانى شاكر مجرد امتداد لجيل بل كان جسرًا حقيقيًا عبرت فوقه الأغنية العربية من زمنها الطويل، حيث أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم، إلى زمن أقصر وأسرع، دون أن يفقد هذا العبور احترام الكلمة أو رهافة اللحن. لم ينجرف مع الإيقاع الجديد، ولم يقف ضده، بل صاغ لنفسه منطقة خاصة، ظل فيها وفيًا لفكرة أن الغناء ليس مجرد أداء بل صورة أيضًا وهيبة ومسئولية أمام الجمهور.

• • •

أنا، ومن هم فى مثل عمرى، أبناء منتصف السبعينيات، كنا أبناء هذه المنطقة بالضبط. لم نعاصر العمالقة، لكننا كبرنا فى ظلهم، وتأثرنا بهم عبر أجيال سبقتنا. وفى الوقت نفسه، لم نجد أنفسنا بالكامل فى ما عرف بالأغنية الشبابية، رغم حضور عمرو دياب وتأثيره الواسع. كنا نقف على تخوم زمنين، نبحث عن صوت يشبهنا، فوجدناه فى تلك المساحة التى كان هانى شاكر أحد أبرز نجومها.

لم يكن وحده بالطبع. كانت هناك أصوات رافقت هذه المنطقة مثل ميادة الحناوى، مع تقدير خاص لمدرسة كاملة تمثلها وردة وشادية وفايزة ونجاة الصغيرة. لكن هانى شاكر ظل الأقرب، ربما لأنه حافظ على هذا التوازن الصعب بين الرقة والانضباط، بين العاطفة والوقار.

رافقنا صوته فى مراحل العمر المختلفة. فى سنوات التكوين، فى بدايات الوعى، فى لحظات الفرح والحزن، فى المنعطفات والمنحنيات التى عاشتها قلوبنا المرهفة.. دون أن يفرض نفسه، بل كان حاضرًا كخلفية دائمة، كصوت يعرف مكانه تمامًا، فلا يعلو على اللحظة، ولا يختفى منها.

حزنت عليه كما حزنت من قبل على أحمد زكى ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز، وعلى جيل كامل من نجوم السينما الذين بدأوا فى السبعينيات وبلغوا ذروة مجدهم فى الثمانينيات، خصوصًا مع المخرج اللامع عاطف الطيب. كان ذلك جيلًا يحمل قدرًا من الصدق والبساطة، ويعرف كيف يترك أثرًا دون ضجيج.

• • •

ونحن نرثيك لا يمكن إلا أن نقول: «نسيانك صعب أكيد»، و«بحبك أنا»، و«اتمدت الإيدين»، وحتما «انكسر جوانا شىء» برحيلك، و«حكاية كل عاشق»، هى حكايتك يا هانى.

أكتب هذه الكلمات وصوتك ينساب فى الخلفية، شجيًا، حنونًا، يعرف طريقه إلى أعماق الوجدان، بهذا المقطع من أغنية «من غير ليه» التى أحبها بصوتك: «خايف لبكرة يجينا.. تاخدنا من ليالينا سكة عذاب.. تاه فيها أحباب.. أحباب كتير قبلينا». لم تكن مجرد أغنية، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن خوف قديم نسكنه جميعًا.

تسيل دمعة، ربما ليس فقط لوداع فنان كان رفيقًا للدرب، بل لأن الحياة نفسها تفقد شيئًا من بريقها مع كل رحيل من هذا النوع. كلما سقط رفيق من رفاق الرحلة، بدا الطريق أطول، وأكثر صمتًا ووحشة.

وداعًا هانى شاكر.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة