حينما تنشر أو تسرب أجهزة الاستخبارات الأمريكية تقريرًا معلوماتيًا عن قضية محددة، فى حين يعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب معلومات مختلفة تمامًا عن نفس المشكلة، فمن يفترض بنا أن نصدق؟!
وإذا كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية كاذبة أو غير دقيقة، فالسؤال البديهى هو: من أين يستقى ترامب معلوماته؟!
فى يوم ٧ مايو الجارى نشرت صحيفة الواشنطن بوست تفاصيل تقرير للمخابرات الأمريكية تم رفعه إلى إدارة الرئيس ترامب يقول فيه بوضوح أن إيران تمكنت من امتصاص الصدمة العسكرية الأولى، والحفاظ على قدرتها الردعية.
طبقًا لأحد المصادر الذى استند إليه تقرير الصحيفة فإن إيران ما تزال تحتفظ بـ ٧٥٪ من منصات الإطلاق المتحركة و٧٠٪ من إجمالى مخزونها الصاروخى الذى كانت تمتلكه قبل بداية الحرب.
ووفقًا لتحليلات خبراء الاستخبارات الأمريكية فإن الفرق الفنية الإيرانية تمكنت من الوصول إلى الترسانات المخزنة فى منشآت تحت الأرض وهى التى تضررت أو طُمرت بفعل القصف الصاروخى الأمريكى والإسرائيلى.
كما يضيف التقرير أن إيران نجحت فى ترميم عدد من الصواريخ المتضررة، بل وشرعت فى تشغيل خطوط إنتاج جديدة لتعويض الخسائر.
تقديرات الواشنطن بوست أن إيران كانت تمتلك قبل الحرب ٢٥٠٠ صاروخ باليستى وآلاف الطائرات المسيرة.
وخلافًا لتقرير الواشنطن بوست فإن الـ BBC نقلت عن مسئول أمريكى ومسئولين آخرين أن إيران استغلت الهدنة وبدأت فى استخراج الذخائر وبقية المعدات العسكرية فى المنشآت التى تعرضت للقصف. إضافة إلى إعادة تأهيل الطائرات بدون طيار وكذلك الصواريخ.
قبل تقرير الواشنطن بوست فإن صحيفة النيويورك تايمز قالت إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أبلغت ترامب بأن طهران استعادت السيطرة على ٩٠٪ من منشآتها الصاروخية تحت الأرض. وأن ٩٠٪ من مرافق التخزين والإطلاق تحت الأرض تم استعادة تشغيلها، كما استعادت الوصول التشغيلى إلى ٣٠ من ٣٣ موقعا صاروخيا مطلا على مضيق هرمز.
وبحسب مصادر النيويورك تايمز فإن القوات الإيرانية صارت تملك القدرة على نقل الصواريخ عبر منصات متحركة.
فى المقابل يكرر ترامب كل يوم أن حرب بلاده على إيران دمرت كل أو معظم ما تملكه من أسلحة ومعدات ومنشآت، بل إنه يكرر بثقة متناهية إنه تم تدمير كل سلاح الجو والبحرية الإيرانية تماما. وآخر هذه التصريحات ما قاله يوم الجمعة الماضى عقب نهاية زيارته لبكين مع الرئيس الصينى شى جين بينج. بأن التقارير التى تفيد بأن إيران حافظت على قدراتها الصاروخية غير صحيحة وأنه تم القضاء على ٨٠٪ منها.
وقبل نفى ترامب الأخير وفى مارس الماضى. قال إن صواريخ إيران تبعثرت وتقلصت، ولم يتبقَ لها أى شىء بالمعنى العسكرى.
ترامب يكرر دائمًا بأن الإيحاء بأن الجيش الإيرانى فى وضع جيد هو بمثابة خيانة فعلية تقريبا.
وعلى منوال رئيسه فإن وزير الحرب بيت هيجسيث قال إن الحرب أبادت جيش إيران وجعلته غير فعال قتاليًا لسنوات مقبلة.
أما القائم بأعمال المتحدث باسم البنتاجون جويل فالديز، فقد وصف تغطية لنيويورك تايمز بأنها شائنة واتهمها بممارسة دور وكلاء علاقات عامة للنظام الإيرانى لتقويض ما وصفه بأنه إنجاز تاريخى لعملية الغضب الملحمى.
ما سبق هو روايات صحف عالمية كبرى نقلا عن المخابرات الأمريكية، ولدينا فى المقابل وجهة نظر متعارضة تماما للرئيس ترامب وكبار مساعديه والسؤال أين هى الحقيقة؟
ببساطة المفترض أن ترامب يستقى معلوماته من أجهزة مخابراته، وليس من تصوراته أو تمنياته، وهو لا يخبر الناس كيف صار متأكدًا مثلا من أن الجيش الإيرانى قد تم تدميره بالكامل؟
ربما يكون درس ما حدث فى يونيو الماضى كافيا للوصول إلى الحقيقة.
نتذكر أنه عندما شاركت القوات الأمريكية فى العدوان الإسرائيلى على إيران فى يونيو الماضى خرج ترامب ليقول إنه تم القضاء على القدرات الإيرانية تماما وتم تفكيكها وتدميرها.
وقتها سربت وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاجون تقريرًا داخليًا يقول إن هجوم يونيو لم يدمر البرنامج النووى الإيرانى، بل أدى إلى تأخيره لشهور فقط. ووقتها فإن تولسى جابارد مديرة الاستخبارات الوطنية أيدت نفس الرأى، ولكن بعد هجوم ترامب عليها غيرت رأيها!!!.
السؤال ببساطة إذا كان هجوم يونيو الماضى قد دمر البرنامج النووى الإيرانى بالكامل، فلماذا عادت أمريكا وإسرائيل للهجوم مرة أخرى فى ٢٨ فبراير الماضى، بل والادعاء أن إيران فى طريقها لامتلاك القنبلة النووية خلال أسابيع.
صحيح «الكذب ليس له قدمين»!! و«إذا كنت كذوبًا فكن ذكورًا».