x قد يعجبك أيضا

العيب في «الذات العوضية»

الأحد 17 مايو 2026 - 10:22 م

بعد نشر مقال الأسبوع الماضى «كرامات الطعزى وطيبات العوضى»، فوجئت بحجم ردود الفعل الغاضبة التى تبارت فى الدفاع عن الطبيب الراحل ضياء العوضى ونظامه الغذائى، وكأن مجرد نقد أفكاره يمثل اعتداءً على عقيدة لا تحتمل النقاش.

بعض التعليقات لم تناقش ما طرحه المقال، بل تعاملت مع الرجل باعتباره صاحب «رسالة مقدسة» لا ينكرها إلا جاحد، بينما رأى آخرون أن الهجوم عليه جزء من مؤامرة تقودها «مافيا شركات الدواء» التى ستتأثر أرباحها من العلاج البسيط المجانى الذى قدمه العوضى للناس.

لا ينكر أحد أن صناعة الدواء العالمية تحكمها مصالح وشركات عملاقة تحقق أرباحًا هائلة من أوجاع الناس وآلامهم، كما أن المؤسسات الطبية ليست معصومة من الأخطاء؛ لكن الاعتراف بذلك لا يعنى التسليم بأى نظرية علاجية لمجرد أنها تبدو مريحة أو تمنح الناس الأمل فى «الخلاص السريع».

العلم لا يعمل بهذه الطريقة؛ فأى دواء أو نظام علاجى حقيقى لا يصبح معتمدًا بمجرد اقتناع صاحبه به أو رواية بعض المرضى عن تجربتهم الإيجابية معه، بل يمر بسلسلة طويلة من الاختبارات الدقيقة، تبدأ فى المعامل، قبل الانتقال إلى التجارب السريرية، وصولا إلى مراجعات علمية صارمة تضمن السلامة والفاعلية وترصد الآثار الجانبية المحتملة.

لهذا استوقفنى نظام «الطيبات» الذى روَّج له العوضى باعتباره ثورة علاجية قادرة على التعامل مع أمراض مزمنة ومعقدة.

قبل كتابة المقال السابق، راجعت عشرات المقاطع المصورة للرجل، واستمعت إلى آراء أطباء باطنة وخبراء تغذية فيما يقدمه؛ وكان رأى أغلبهم أن بعض ما طرحه بشأن تأثير أنواع معينة من الغذاء على بعض الحالات المرضية ليس جديدًا، فالعلاقة بين الطعام والصحة مسألة معروفة ومحل دراسة منذ سنوات طويلة.

لكن المشكلة ــ كما قالوا ــ تبدأ حين يتحول الأمر من نصائح غذائية قابلة للنقاش إلى «نظرية شاملة» تصلح لكل الناس، وحين يجرى الترويج لها باعتبارها بديلا عن العلاج الطبى، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة مثل السكرى.

بعض الأطباء أكدوا أن أخطر ما فى هذه النوعية من الخطابات هو دفع المرضى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى التخلى عن العلاج العلمى أملا فى «الخلاص السريع»، وهو ما قد يؤدى إلى مضاعفات خطيرة وربما قاتلة، خصوصا فى الحالات التى تتطلب علاجًا مستمرًا مثل مرضى السكرى المعتمدين على الإنسولين.

المؤسف أن أكثر التعليقات حدة لم تأتِ من بسطاء، بل من متعلمين ومثقفين؛ أحدهم شبَّه ما تعرض له العوضى بما تعرض له الأنبياء من تكذيب، وكأن الرجل لم يعد صاحب نظرية قابلة للنقد، بل صاحب «يقين مقدس».

ما هالنى لم يكن الدفاع عن الرجل أو نظامه الغذائى، بل ذلك الخلط المربك بين ما هو مقدس وما هو قابل للنقد، بين رسالة العلم وشطحات بعض المنتسبين إليها.

بعضهم تعامل مع أى نقد لنظام «الطيبات» باعتباره طعنا فيما وصل إليه من يقين، مكَّنه من القفز على هواجس المرض وفقدان الثقة فيما هو معتمد من المؤسسات المعنية.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ فالقضية لم تعد مجرد نظام غذائى، بل أزمة ثقة عميقة دفعت كثيرين إلى الشك فى كل شىء؛ الأطباء، والمؤسسات الأكاديمية والعلمية، ووزارة الصحة، وشركات الدواء المحلية والدولية.

ورغم البيانات التى صدرت عن الجامعات ونقابة الأطباء ووزارة الصحة للتحذير من تعميم هذا النظام أو اعتباره بديلا للعلاج، انتشر «الطيبات» كالنار فى الهشيم، وساعدت منصات التواصل والإعلام الباحثة عن ركوب «الترند» فى تحويله من مجرد وصفات غذائية إلى حالة وجدانية تمسك بها مرضى أنهكهم الألم وضيق ذات اليد وفقدوا الثقة فى كل من حولهم.

ما أخشاه حقا ليس الجدل المثار ولا الهجوم على ناقدى نظام العوضى الغذائى، بل أن يكتشف المؤمنون به، بعد فوات الأوان، أنهم كانوا يتمسكون بوهم أكثر من تمسكهم بعلاج.

فى المقال السابق استدعيت شخصية «مستطاع الطعزى» من فيلم «البيضة والحجر»، مدرس الفلسفة الذى تحوَّل إلى دجال و«صاحب كرامات» بعدما أدرك أن الناس لا تبحث دائما عن الحقيقة، بل عن «الخلاص» الذى يخفف خوفها وقلقها، وهو نموذج قريب الشبه من شخصية العوضى.

ورغم تطور وسائل المعرفة، لا تزال الأزمة قائمة؛ فبعض الناس فقدت الثقة فى المؤسسات، وصارت أكثر استعدادًا لتصديق أى خطاب يقدم لها حلولًا سريعة وسهلة، حتى لو كان ذلك على حساب الدليل العلمى.

الناس فى حاجة إلى يقين حقيقى، وإلى استعادة الثقة، لا إلى «كرامات الطعزى» ولا «طيبات العوضى».

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة