x قد يعجبك أيضا

حروب الجوع

السبت 30 أغسطس 2025 - 6:50 م

آكل فى غرفتى مطوقة بالجدران. جدران خرساء صماء. وأتخيل طفلا من غزة وهو يأكل قطعة خبز يابسة ويقنع نفسه أنها لحم مشوى ببطء على نار هادئة. صار من الصعب أن تتناول طعامك أمام التليفزيون فى ظل حرب التجويع الدائرة منذ شهور فى فلسطين، فالإحساس بالعجز والغضب قد جاوز المدى، بل تحول تدريجيًا إلى شعور بالذنب. من نجوا من الموت أصبحوا أشبه بالأشباح. كدت أرى شبحًا يخاف ولا يخيف، وأنا جالسة مكانى. أرى ملامح الجوع وآثاره على الوجوه التى تمر مرور الكرام على الشاشة. أجساد هزيلة برزت عظامها وعيون تحدق فيك شاخصة وقد اتسعت مقلاتها. ألاحظ تدهور هيئة من بقى من الصحفيين على قيد الحياة، وترِنُ فى أذنى أمنية البعض ألا يتم وضع أشلائهم فى أكياس... أمنيتهم أن يتم دفنهم فى قبر، بعد أن تحولت المدينة كلها إلى قبر كبير، أما فى السابق فكانت دائما ما يتم وصفها بالسجن الكبير، فالعدو ظل يحاصرها لسنوات حصار العازم على إفنائها.

لست وحدى فيما أرى، فنحن نتابع جميعا تطورات التحول من الجوع إلى التجويع والمجاعة. نشهد من خلال صور البث المباشر كيف يبدأ الموضوع بانخفاض طاقة الجسم وضعفه، ثم يلجأ هذا الأخير إلى تعويض ما حُرِم منه عبر مخزن الدهون تحت الجلد وحول الأعضاء الداخلية، ثم ينخر فى العضلات بحثًا عن حاجته من الغذاء، وأخيرا تخور قواه وأجهزته الحيوية، وتوافيه المنية بعد حوالى 60 إلى 70 يومًا، مهما كان بصحة جيدة فى الأساس. ومهما صرخ المسئولون الأمميون ونددوا باستخدام سلاح الجوع فى الحرب، بما يخالف القوانين والأعراف الدولية، يستمر الجنرالات وجنودهم فى دحر خصومهم، حتى لا يبقى غيرهم على وجه الأرض المحتلة.

• • •

فى هذه الأثناء تتباهى بعض الدول بزيادة إنتاجيتها الزراعية بسبب استخدام التكنولوجيا الحديثة وتطوير المحاصيل عبر الهندسة الوراثية، ونعيش نحن فى مجتمعات استهلاكية تعيد تسمية أكلاتها الشعبية لكى تتناسب مع ثقافة فئات بعينها فيطلق على الفلافل «البرجر الأخضر» بالإنجليزية فى مطاعم الساحل الشمالى بمصر، ويصبح «الجبن الأبيض والبطيخ» هناك «تريند» يتماشى مع نمط الاستهلاك الاستعراضى السائد.

حجم التضاد بين الوضعين مخيف، ويشير إلى مدى قسوة العالم. ترِنُ فى أذنى كلمات أغنية زياد الرحبانى الذى رحل الشهر الماضى عن هذا العالم القبيح: «أنا مش كافر، بس الجوع كافر، أنا مش كافر، بس المرض كافر، والذل كافر. أنا مش كافر، لكن شو بعملك إذا اجتمعوا فييَ كل الإشيا الكافرين». يكفر الناس الذين تُرِكوا لمصيرهم المؤسف بأخلاقيات البشر والدول على حد سواء، خاصة حين نغوص فى دفاتر التاريخ ونتأكد أن من يتواطأ مع إسرائيل اليوم سبق وأن ارتكب أعمالا مماثلة لتحقيق مصالحه الشخصية، فحتى سنة 1863 كان مشروعًا استخدام التجويع كسلاح بين الخصوم أثناء الحروب، بل اعتبره قانون «ليبر» الذى أقره الرئيس الأمريكى أبراهام لينكولن فى العام نفسه وسيلة فعالة لإخضاع العدو، وهو القانون العسكرى الذى يحكم سلوك القوات الاتحادية الأمريكية وينظم سلوك الجنود ويحدد مسئوليات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد أثر على القواعد الدولية لاحقًا مثل اتفاقيات لاهاى وجنيف. وخلال القرن التاسع عشر أيضًا، قام الأمريكيون بإبادة 800 ألف هندى أحمر، ووضعوا خمسين ألفًا فى محميات بعد أن قلصوا مساحة أراضيهم بهدف التوسع غربا. كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بمحاصرة اليابان عام 1945 وفرضت عليها ما سمى بـ«عملية التجويع» للتعجيل باستسلام طوكيو خلال الحرب العالمية الثانية. استخدمت بريطانيا العظمى بعدها المنطق والتسمية نفسهما للتغلب على تمرد الاشتراكيين فى ماليزيا خلال الخمسينيات. كما أدت سياسة رئيس الوزراء الإنجليزى، ونستون تشرشل، إلى تجويع ثلاثة ملايين مسلم فى بلاد البنغال التى كانت تحت سيطرته عام 1943، فبنجلاديش حاليًا كانت جزءًا من الهند البريطانية، وقال تشرشل بدم بارد: «إن تجويع البنغاليين الجياع أصلًا ليس بخطورة تجويع اليونانيين الأصحاء، فهذه كارثة طبيعية يجب أن تحدث». لكن فى حقيقة الأمر شُح المواد الغذائية آنذاك كان نتيجة استحواذ الإنجليز عليها وتصديرها إلى بلادهم وإلى جبهات الحرب المختلفة، وتطبيقهم لسياسة الأرض المحروقة فى المناطق الساحلية من البنغال خشية اجتياح اليابان، فقام الجيش بمصادرة القوارب التى يستخدمها السكان فى الصيد وأحرقوا مخزون الأرز فى القرى. الألمان والفرنسيون أيضا مارسوا حرب التجويع فى مراحل من تاريخهم لحماية مآربهم الاستعمارية فى الجزائر وإفريقيا السوداء، أما الروس فقد تسببوا فى موت بين سبعة وعشرة ملايين فرد فى أوكرانيا بين عامى 1931 و1933، فيما عرف بـ«وباء الجوع» أو «القتل بالتجويع» (هولودومور بالأوكرانية). وهذه المجاعة السوفييتية كانت أحد أسوأ معالم فترة حكم ستالين، رغم اختلاف المؤرخين حول أسبابها وظروفها ومحاولة البعض التعتيم عليها واعتبارها مؤامرة وحملة تشويه.

• • •

لم تتغير كثيرًا استراتيجيات حروب التجويع والإبادة التى يرجع تاريخ بعضها لأيام الرومان حين أرادوا تدمير قرطاج عام 146 قبل الميلاد، فكلها كانت تعمد إلى فرض الحصار على الشعوب المستهدفة وحرمانها من المياه ووصول الغذاء وحرق أو تدمير الأراضى الزراعية، إلى ما غير ذلك. والمشترك بين هذه الحروب عبر العصور أيضًا هو تعمد إذلال الضحايا وشيطنتهم وتجريدهم من إنسانيتهم والنظر إليهم كحيوانات بشرية والكيل بمكيالين، كما يظهر من كلمات تشرشل المذكورة أعلاه، فعقلية الاستعمارى المحتل ذاتها لا تتبدل على اختلاف الزمان والمكان. لذا أشعر بأن من أتمنى قتلهم لا يحصى عددهم، وأفضل أن أعصب عيناى بقماش أسود وأنام. أذرف الدموع لأغسل وجهى وأنظفه.

فى السودان أيضًا الوضع مأسوى ولكن قليلا ما نتحدث عنه، مع أن هناك حوالى 18 مليون فرد يعانون من التجويع ونقص المؤونات، من بينهم أربعة ملايين طفل، بحسب تقارير برنامج الغذاء العالمى. أضع نفسى محل طفل ضمن هؤلاء ينظر إلى الغيوم التى تملأ السماء، بسبب الرطوبة العالية ويتخيلها قطعة كبيرة من الجبن الأبيض وتصلح لأن يأكلها مع الخبز الأسود.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة