لا تبدأ رحلة تعاطي المخدرات دائما بحثا عن الإدمان، بل قد تبدأ بدافع الفضول أو الهروب من ضغوط الحياة أو تجربة يظن صاحبها أنها لن تتكرر.
لكن مع انتشار المخدرات المخلقة، أصبحت العواقب أكثر قسوة وأسرع ظهورا، إذ قد يتحول التعاطي في وقت قصير إلى هلاوس واضطرابات نفسية وسلوكيات عنيفة، لتجد الأسرة نفسها أمام مريض يحتاج إلى علاج ورعاية مستمرة، في رحلة لا تتوقف عند مواجهة الإدمان فقط، بل تمتد إلى تحديات الحصول على العلاج وتحمل تكلفته.
-المخدرات المخلقة.. تحول سريع وانفصال عن الواقع
"كل يوم بيعدي كان بيخوف أكتر من اللي قبله"، وفقًا لما قاله مقربون من عادل "اسم مستعار"، شاب في العشرينات، في البداية كانت التغيرات خفيفة في السلوك ومزاج متغير سريعا لكن خلال وقت قصير بدأ التحول الصادم، بعدما أصبحت تصرفاته غير مفهومة، مع اضطراب ملحوظ في النوم.
ويضيف المقربون: "الحالة تطورت بسرعة، وكان بيخرج للشارع في أوقات مختلفة، أحيانًا تلاقيه تايه مغيب مش معانا، وأحيانًا يقعد على الرصيف فترات طويلة وكأنه منفصل تمامًا عن الواقع، مش حاسس باللي حواليه وبيردد كلام مش مفهوم، وبقى بينام لفترات طويلة تتخللها لحظات توتر، وده اللي خلى التعامل معاه أصعب."
-بين شقي رحى الوصمة المجتمعية والعلاج
ومع تدهور الحالة، لم يكن القلق الأكبر مرتبطًا بالمرض وحده، بل بما هو أبعد من ذلك، فالأكثر ما كان يرهق المقربين بخلاف نظرة المجتمع، والخوف من الوصمة المجتمعية مرضى الإدمان أو الاضطرابات النفسية، هو كيفية طلب المساعدة بشكل واضح في بعض المراحل، وأيضًا ارتفاع تكاليف العلاج التي تمثل عبئًا إضافيًا على الأسرة، ما يدفعهم إلى اللجوء للمصحات غير المرخصة ويهدد استمرارية العلاج، وحدوث انتكاسات لذويهم والعودة مرة أخرى لنقطة البداية.
-ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الحكومية يهدد الأسر والمرضى
"كان بيصحى بالليل يدور على إخواته ويتخانق معاهم وبدأ يعمل مشاكل مع الجيران ويرفع عليهم سلاح أبيض"... بهذه الكلمات يروي والد الشاب "م.ع" مريض ذهان عقاقيري معاناته اليومية مع مرض ابنه، والهلاوس التي تراوده، تعيش آثارها الأسرة بأكملها ما دفعها للبحث عن علاج يحميه ويحمي من حوله، لكن رحلة العلاج اصطدمت بعقبة جديدة بعد ارتفاع تكلفة الإقامة في مستشفيات الصحة النفسية الحكومية، ما وضع كثيرًا من الأسر أمام خيارين أحلاهما مر وهو الاستمرار في العلاج بتكاليف تفوق قدرتهم، أو إخراج المريض قبل استقرار حالته.
وجاءت الأزمة بعد قرار رفع رسوم الإقامة بأقسام الطب النفسي في المستشفيات الحكومية، ومنها مستشفى المعمورة للطب النفسي خلال أغسطس الماضي، إذ ارتفعت تكلفة الإقامة بالقسم الاقتصادي من 300 إلى 4500 جنيه، بينما قفزت تكلفة الإقامة بالقسم المميز من 500 إلى 9000 جنيه، في زيادة أثارت مخاوف الأسر التي تعتمد على العلاج الحكومي لاستمرار رعاية مرضاها.
-معادلة استمرار العلاج وسط ارتفاع تكاليفه تضع الأسر في مأزق
ومع امتلاء الأقسام المجانية، التي لا تتجاوز مدة الإقامة فيها شهرين لإفساح المجال أمام مرضى جدد، تجد كثير من الأسر نفسها أمام معادلة صعبة بين استمرار العلاج وارتفاع تكلفته.
ومن بين هذه الأسر، يروي الحاج محمود "اسم مستعار" وزوجته مأساة ابنتهما، التي بدأت تعاطي المخدرات بعد أن دفعتها صديقاتها إلى تجربة مادة مخدرة داخل سيجارة إلكترونية، ومع الوقت تحولت التجربة إلى إدمان، لتترك منزلها وأطفالها وتدخل في دوامة من الاضطرابات النفسية، بينما لا تزال الأسرة تبحث عن سبيل لإنقاذها واستكمال علاجها.
-تكلفة العلاج ونقص الكوادر يفاقم الأزمة
ومن جانبه، علق الطبيب النفسي أحمد حسين، في تعليقات لـ"الشروق"، أن رسوم الإقامة في مستشفيات الصحة النفسية ارتفعت بشكل كبير، موضحا أن أقل درجة للعلاج أصبحت تكلف 4500 جنيه، بينما تصل أعلى درجة إلى 9000 جنيه، مضيفا أن "المبلغ الذي كان يمثل في السابق الحد الأقصى لبعض درجات الإقامة، أصبح اليوم هو الحد الأدنى"، وهو ما يزيد من صعوبة حصول المرضى على العلاج.
وأشار حسين، إلى وجود عجز في الكوادر الطبية المؤهلة لعلاج الإدمان، نتيجة ضعف التدريب والتعليم المستمر وقلة العوامل الجاذبة لتخصص الطب النفسي والإدمان، إلى جانب نقص مستشفيات الصحة النفسية في المحافظات، ما يضطر بعض المرضى إلى السفر لمسافات طويلة للحصول على العلاج.
وأضاف أن عدد أسرة علاج الإدمان المرخصة في القطاعين العام والخاص لا يتجاوز ألف سرير، بينما تحتاج مصر إلى ما لا يقل عن 3 آلاف سرير وفقا لآخر المسوحات، حسبما ذكر.
-معوقات الترخيص لمصحات علاج الإدمان تدفع الكفاءات للهجرة
وأوضح حسين، أن الإجراءات الإدارية الخاصة بترخيص مستشفيات علاج الإدمان الخاصة تمثل أحد أسباب الأزمة، لأنها تحد من زيادة الطاقة الاستيعابية وتدفع بعض الأطباء إلى الهجرة أو العمل بشكل غير قانوني، مؤكدا أن تسهيل الترخيص للجهات الملتزمة سيساعد في الحد من انتشار المصحات غير المرخصة، وجزء من حل أزمة العلاج.
-تكلفة عدم علاج الإدمان والمرض النفسي أكبر
وأكد حسين، أن النظرة إلى علاج الإدمان والمرض النفسي يجب أن تتغير، لأن عدم علاج المريض يترتب عليه خسائر اجتماعية واقتصادية وأمنية أكبر بكثير، من بينها تراجع الإنتاجية وارتفاع المشكلات الأسرية والجرائم، مشيرا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تنظر إلى علاج الإدمان باعتباره استثمارا وليس عبئا.
-المخدرات المخلقة أكثر خطورة ويجب تحديث جدولها باستمرار
وحذر "حسين" من الانتشار المتزايد للمخدرات المخلقة، موضحًا أن مصنعيها يطورون باستمرار مواد جديدة تحتوي على مركبات مهلوسة تسبب الضلالات والتهيؤات، وقد تدفع المتعاطي إلى إيذاء نفسه أو الآخرين دون إدراك لما يفعله، بخلاف بعض المخدرات التقليدية التي يكون فيها المتعاطي أكثر وعيا بسلوكه.
وعن سبب انتشارها، فسر "حسين" ذلك بسبب ارتفاع أسعار المخدرات التقليدية مثل الحشيش والترامادول، ما دفع بعض المتعاطين إلى اللجوء للمخدرات المخلقة لأنها أقل تكلفة وأسهل في الحصول عليها، لافتا إلى أن تركيباتها تتغير باستمرار، وهو ما يستلزم تحديث جداول المواد المخدرة بشكل متواصل لملاحقة الأنواع الجديدة.