بانضج يا أستاذة
الخميس 30 أبريل 2026 - 7:05 م
فى حياة كل منّا مجموعة من المواقف التى لا ينساها تحت أى ظرف من الظروف، وجزء لا بأس به من هذه المواقف يرتبط ببدايات التجارب كما فى المواقف التى تسبقها كلمة أول: مدرسة، جائزة، حب، شغل، راتب، أكل، رياضة، سفر.. إلخ وعادة ما يكون تذكّر هذا النوع من التجارب مضمونًّا لأنه على رأى الإعلان الشهير: الفرحة لما تغطّى.. يا حلاوة البدايات. ومن المفهوم أن البدايات قد لا تكون حلوة بالضرورة ومع ذلك فإننا نتذكرها لأنها تعلّم بمعنى تترك أثرًا غائرًا فى نفوسنا، أو لأنها تعلّم بمعنى أنها تقدم لنا معلومة أو خبرة أو نصيحة. وهكذا، فإنه من بين العديد من المواقف الحلوة والمُرة التى مررتُ بها فى حياتى لا يمكن أن أنسى هذا الموقف.
• • •
كنت فى حضرة أحد كبار أساتذتى وصاحب الفضل الكبير فى تكوينى الفكرى ومسيرتى الأكاديمية. وخلال نقاشنا سألنى الأستاذ سؤالًا عن رأيى فى إحدى القضايا النظرية فأجبته برأيه الذى كنت قد سمعته منه فى وقت سابق. تصوّرت أننى بتكرار كلامه سوف أسعده وأثبت له أن جهده لم يذهب سدىً وأن تلامذته سيظلون يعتزون بما يقول حتى ولو كانوا فى الخمسين من عمرهم كما كان الحال معى. لكنه بدلًا من ذلك نظر لى من تحت نظارته ممتعضًا وقال: مَن …. الذى علّمك هذا الكلام يا أستاذة؟ لم أدر بماذا أردّ فالكلام كلامه وقد نقلته عنه- لذلك ترددت لثوانٍ قليلةٍ قبل أن أقول له على استحياء: حضرتك يا دكتور. ومرة أخرى ثبت لى خطأ تصوّرى، فلقد تصوّرت أن إجابتى سوف تفاجئ أستاذى لكن ما حدث كان العكس تمامًا لأنه هو الذى فاجأنى بتعليق عبقرى وعلى وجهه نصف ابتسامة: بانضج يا أستاذة ما انضجش؟ لا لا لا طبعًا براحة حضرتك خاااالص.. تنضج زى ما تحب يا دكتور. وكعادتى وجدتُ نفسى أتذكر أحد مشاهد مسرحية "لوكاندة الفردوس" مع أن المشهد الذى استدعيته كان يتعلّق بنوع آخر تمامًا من النضج. رزق الله أمين الهنيدى أو الأستاذ عبد المتجلّى سليط بطل المسرحية الكوميدية بأربع بنات، فكان أن أطلق على أول ثلاث منهن أسماء: نبقة وعنابة وبلحة. لكن مرت الأعوام بسرعة وكبرت البنات الثلاث ولم تعد تناسبهن أسماء الفواكه صغيرة الحجم. وهنا قرّر الأستاذ عبد المتجلّى سليط أن يطلق على ابنته الرابعة اسم بطيخة لاجل ما تكبر وتاخد راحتها كما قال. فهل كان يجب أن أُطلِع أستاذى على هذا المشهد كى أخفف من شعوره بالحرج على أساس أن النضج وارد ومراجعة النفس ممكنة؟ لم أجد لذلك حاجة فلم يشعر أستاذى أصلًا بالحرج.
• • •
من هذا الموقف الطريف تعلّمت درسين مهمَين أحتفظ بهما حتى هلّق على حد قول أهل الشام. الدرس الأول هو أنه فى العِلم لا يوجد شى اسمه الرأى رأيك والشورى شورتك بالمطلق، فلابد من الاحتفاظ بمنسوب من الشك وعدم اليقين حتى فى كلام أهل العِلم ربما تظهر فى الأمور أمور وتتغيّر وجهة النظر، وهذا ما قصده أستاذى بجملة: بانضج يا أستاذة.. ما انضجش؟. هذا لا يعنى بطبيعة الحال التحوّل إلى شخصية "بعجر السخيف"- تلك الشخصية الكارتونية التى ظهرَت فى مجلة سمير فى ستينيات القرن الماضى وكانت نموذجًا للبنى آدم السخيف دائم الترزيل على الآخرين، يضع العُقدة فى المنشار ويوقف المراكب السايرة، لكنه يعنى عدم الاتكال الفكرى على الآخرين فإن قالوا رأيًا قلناه وإن عدَلُوا عنه عدَلنا.
• • •
الدرس الثانى الذى تعلمته هو أنه لا يوجد أحد كبير على التعلّم، فلقد غيّر أستاذى تفكيره فى القضية التى كنّا نتناقش فيها بكل أريحية مع أنها قضية نظرية، ومن الذى قال إن النظريات نفسها لا تتغير؟ فى مرحلة معينة قالوا لنا إن حكم الأغلبية هو أفضل أشكال الديمقراطية، وإن التاريخ وصل إلى نهايته بانتصار الأيديولوچية الليبرالية، وإن سيادة الدولة مطلقة، ثم تغيّر كل ذلك لأسبابٍ مختلفةٍ. لم يتردد الأستاذ العالِم الذى يشار له بالبنان فى الإقرار بأنه مازال ينضج رغم أن من المفترض أنه بعد كل ما درس وقرأ وجرّب وصل إلى قمة النضج الفكرى والمعرفى. وهذا النوع من السلوك هو بالضبط سلوك الكبار الذين يمتلكون من الثقة بأنفسهم ومن الاستقامة العلمية ما يجعلهم مستعدّين للمراجعة الفكرية عند الضرورة. أذكر ذات يوم أن أستاذًا آخر من نفس جيل الكبار تنبأ باستحالة أن تقوم روسيا بغزو أوكرانيا على أساس أن هذه الخطوة تنطوى على مخاطرة كبيرة. أما وقد دخلَت روسيا إلى الأراضى الأوكرانية- فلقد بادر الأستاذ الكبير بكتابة مقال أقرّ فيه بأنه كان قد بنى رأيه على معطيات معينة ثم تبيّن له عدم دقتها، وأن للقارئ عليه حق المصارحة. كان بإمكان الرجل أن يتجاهل الأمر ويواصل كتابته الأسبوعية كالمعتاد وكأن شيئًا لم يكن، لكنه امتلك شجاعة الاعتراف بأن الفكر يصحّح نفسه عند الضرورة. بعض أبناء الجيل الجديد لا يؤمنون بفكرة النضج هذه، تجد الواحد منهم يتصور أنه جمع العِلم من طرفيه، لا يترك مساحة للشك فيما يعرف، ولا يعترف حتى بأن رأيه صواب قد يحتمل الخطأ، بل عنده أن رأيه هو الصواب، نقطة ومن أول السطر. يتخرّج الشاب من دُوْل ويصدر له قرار بالتعيين فى السلك الجامعى فيتصوّر أنه قادر على أن يكفى نفسه بنفسه. يضيف لاسمه لقب دكتور قبل أن يجتاز السنة التمهيدية للماچستير، ويتصرّف على هذا الأساس. يتعالى على أسئلة الطلاب ويترفّع عن مناقشتهم. كلامه معهم فى اتجاه واحد والاختلاف معه ممنوع. أما إن أسعده الحظ وحصل على منحة دراسية فى الخارج ولو لشهور فسيرتفع منسوب غروره وينتقل من مستوى التعالى على الطلاب إلى مستوى التعالى على أقرانه الدارسين فى الداخل.
• • •
هكذا قد تهدينا الحياة أعمق الدروس بأكثر الطرق بساطةً. والحمد لله أننا عشنا فى زمن الكبار و تعلمنا منهم داخل مدرجات الجامعة وخارجها. هؤلاء الذين ساعدونا على إنضاج شخصياتنا وأفكارنا بينما هم فى نفس الوقت ينضجون.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا