x قد يعجبك أيضا

الحب خارج الكادر

الأحد 26 يوليه 2026 - 9:00 م

بدأ حديثه يتثاءب، وكأنه يعتذر: «سهرنا طويلًا فى خطوبة صديقى». ثم أكمل بحماس: «كانت مفاجأة». ضجّ الجميع: «آه… ما أجمل الرومانسية فى زمن الحروب». بل ربما ما أجمل الرومانسية نفسها، بعدما أصبحت العلاقات تُدار بالذكاء الاصطناعى، وتُقاس بالإجابات وعدد المشاهدات.

• • •

لم تكتمل فرحتنا بهذا الخبر فى زمن يفيض فيه اللون الأحمر على شاشات الأخبار، وتتبعثر فيه الأشلاء بين لحظة وأخرى. أكمل قائلًا: «فاجأها… ركع على ركبتيه، بينما رفعنا نحن ــ أصدقاءه ــ لافتة كُتب عليها: «هل تتزوجيننى؟». طبعًا ليس باللغة العربية، بل بالإنجليزية، وكأن اللغة هى الأخرى نُهبت، كما الأرض والبيوت وتفاصيل الذاكرة… وتابع بحماس أقل، بالقول إنه بعد موافقتها ولبسها خاتم الألماس، انطلق هو فوق الجِت سكى، وعادت هى إلى صديقاتها على مركب صغير، يرقصن على وقع موسيقى صاخبة احتفالًا بالمفاجأة، ولأخذ مزيد من الصور والفيديوهات. انتهت الخطوبة، وانتهت معها اللحظة الحميمية، لتتحول إلى صورة فى إطار، أو إلى مقطع قصير على وسائل التواصل، مباح ومستباح للجميع، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وما بينهما! وعند سؤاله: «لماذا لم يُكملا الاحتفال سويًا؟» قال ببعض الأسى إن كل الخطوبات والزيجات أصبحت هكذا.. لقطة تُنشر بالصوت والصورة، ثم يعود كل واحد إلى زاويته، أو إلى بقعته، أو حتى إلى فقاعته.

• • •

ربما لم تعد المشكلة أن الناس توقفت عن الحب، بل إنها توقفت عن عيشه. أصبحنا نوثق اللحظة قبل أن نحياها، وننشغل بالزاوية المناسبة للصورة أكثر من انشغالنا بالعين التى تنظر إلينا. حتى الفرح صار يخشى أن يمر من دون شاهد، وكأن وجوده لا يكتمل إلا إذا صادقت عليه الشاشة. أما الذكريات التى لا تُنشر، فتبدو، فى زمننا هذا، وكأنها لم تحدث أصلًا…

• • •

بقى هو، المهتم بالموسيقى التراثية وسواها من الفنون، يتأمل ما آلت إليه العلاقات. قال، وكأنه يحدث نفسه: «لم يعد هناك حب كما كان فى أيامكم». ثم ألقى بنظره نحو مجموعة من النساء فى عقدهن السادس، وكأنه يقول: ربما لم يهرم العشاق، بل هرمت طقوس الحب نفسها…

• • •

شىء ما تغيّر. لا نراه بوضوح، لكنه يتسلل إلى وعينا كما تتسلل الأفكار المصنوعة فى الغرف المعتمة، ثم تُوزع عبر المنصات المفتوحة تحت عناوين الأخبار، أو التكنولوجيا، أو تطبيقات المواعدة، أو حتى جلسات الأصدقاء… بعد أن رحل كثير من الأصدقاء، أو بقوا بعيدين رغم قرب المسافة.

• • •

لم تعد الحكاية تُروى، بل تُبث. ولم يعد العاشقان ينتظران سنوات ليقصّا على الأبناء أو الأحفاد كيف بدأت القصة، بل يتسابقان ليحصدا أكبر عدد من المشاهدات فى ساعاتها الأولى. حتى المشاعر أصبحت تُقاس بخوارزميات المنصات، وكأن الحب فقد حقه فى أن يكون سرًا صغيرًا بين قلبين، وأصبح مطالبًا بأن يثبت وجوده أمام جمهور لن يتذكره بعد دقائق، وهو ينتقل إلى قصة أخرى، أو حب آخر، أو وجه جديد.

• • •

جيل كامل تربّى على رسائل الحب المطوية بين أوراق الكراسات، وعلى روايات يوسف السباعى وإحسان عبد القدوس، ثم اكتشف فى قصائد نزار قبانى لغة لم يكن يجرؤ على قولها، وقرأ فى روايات كوليت خورى وغادة السمان وجوهًا أخرى للحب؛ حب لا يخلو من القلق، ولا ينفصل عن الحرية، ولا يخشى الاعتراف بضعفه. كانت الكتب يومها جزءًا من قصة الحب، لا مجرد زينة على رفوف البيوت، وكانت الرسائل تُقرأ أكثر من مرة، ثم تُخبأ فى درج خشبى، أو بين صفحات كتاب، لتبقى شاهدة على زمن لم يكن فيه الحب بحاجة إلى متفرجين وجمهور من المتابعين.

• • •

كان العاشقان يسيران فى الشوارع بخطوات متباعدة خوفًا من العيون، وتُسرق اللمسة فى عتمة السينما، بينما كانت أفلام الأبيض والأسود تزهر فى الذاكرة أكثر من كثير من الأفلام الملونة التى جاءت بعدها بكل ألوانها المبهرة وتقنياتها الحديثة جدًا…

• • •

حتى بعد مرور السنين، يبقى الجار يلتفت إلى جارته، ويظل الحبيب يرى فى حبيبته الشابة ملامحها الأولى، مهما غزت التجاعيد وجهها. تلمع العينان كلما التقيا، مصادفة أو فى موعد مسروق من زحمة العمر، وكأن الحب الحقيقى لا يشيخ، بل ينسحب بهدوء من كل المشاهد الصاخبة… ويختار أن يبقى، دائمًا، خارج الكادر أو الإطار.

كاتبة بحرينية

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة