يشهد النظام الدولي تحولاً عميقاً في موازين القوة، بالتوازي مع اتساع الفجوة بين رؤية الغرب لنفسه ونظرة قطاعات واسعة من العالم إليه. فالولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان تمتلكان قدرات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية هائلة، وتحتفظان بنفوذ واسع داخل المؤسسات الدولية والمالية والعلمية. غير أن امتلاك القوة لا يضمن بالضرورة القدرة على إقناع الآخرين بكيفية استخدامها أو على بناء توافق حول القواعد التي تحكم النظام الدولي. وهنا تبرز أهمية أطروحة المفكر والدبلوماسي السنغافوري Kishore Mahbubani، الذي يرى أن الغرب أسهم، عبر أخطائه وخياراته، في إضعاف موقعه العالمي. غير أن قيمة هذه الأطروحة لا تكمن في قبولها كما هي، بل في اختبارها أمام الوقائع: هل تراجع النفوذ الغربي نتيجة أخطاء الغرب وحدها، أم أيضاً بسبب الصعود الاقتصادي والسياسي لآسيا وتغير توزيع القوة عالمياً؟
منذ انتهاء الحرب الباردة، كشفت حروب أفغانستان والعراق وليبيا عن فجوة بين القدرة على إسقاط الأنظمة والقدرة على بناء الاستقرار بعدها حيث انتهت الحرب في أفغانستان بعودة طالبان إلى السلطة، وأنتجت حرب العراق سنوات طويلة من العنف وضعف مؤسسات الدولة، بينما تحولت ليبيا إلى دولة منقسمة، مع تداعيات إقليمية وأوروبية واسعة تتعلق بتدفقات اللاجئين . والمشكلة الأعمق ليست وقوع الأخطاء في حد ذاته، وإنما محدودية المراجعة الاستراتيجية التي أعقبتها. فقد أثبتت هذه التجارب أن التفوق العسكري يستطيع تغيير موازين القوى سريعاً، لكنه لا يوفر بالضرورة تصوراً سياسياً لليوم التالي. وحين تتكرر التدخلات من دون أهداف قابلة للتحقيق واستراتيجية واضحة للخروج، تتحول القوة من أداة لإدارة الأزمات إلى عامل قد يفاقمها وذلك علي النحو الذي تشهده الحرب علي ايران
وتصبح المشكلة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. فقد بنى الغرب جانباً مهماً من نفوذه على الدفاع عن قواعد ومبادئ قدمها باعتبارها عالمية، لكن ممارسات ما بعد هجمات 11 سبتمبر، ثم التباين في التعامل مع أزمات مختلفة، أضعفا هذه الرسالة. وتبدو غزة اليوم المثال الأكثر وضوحاً في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. فالمقارنة بين المواقف الغربية تجاه الخسائر المدنية في غزة وأوكرانيا أثارت اتهامات بازدواجية المعايير، حتى وإن اختلفت التفسيرات السياسية والقانونية لأسباب هذا التباين. والمهم هنا ليس تبني تلك الاتهامات، وإنما إدراك أن صورة الاتساق أصبحت جزءاً من القوة نفسها؛ فحين تتسع الفجوة بين المبدأ والتطبيق، تتآكل القدرة على الإقناع حتى عندما تكون المواقف الغربية مدفوعة ببعض الاعتبارات التاريخية
ولا تنفصل أزمة المصداقية الخارجية عن ضغوط داخلية متزايدة. فقد أظهرت دراسات حديثة اتساع الانقسام المجتمعي (Social Divide) في الولايات المتحدة، في ظل تركز متزايد للثروة في أيدي نسبة محدودة من السكان واستمرار تآكل الطبقة المتوسطة. ولا تعكس هذه الظاهرة مجرد تفاوت اقتصادي، وإنما تثير تساؤلات أوسع حول عدالة توزيع ثمار النمو وقدرة النظام الاقتصادي على الحفاظ على تماسك المجتمع والثقة في مؤسساته.
ومن هنا يصبح الربط بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية ضرورياً. فالحروب الطويلة والمكلفة لا تُقاس فقط بما تنفقه الخزانة، وإنما بما تحجبه من موارد واهتمام عن التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية. وقد حذر الاقتصادي Joseph Stiglitz منذ سنوات من ضخامة التكلفة الحقيقية لحرب العراق مقارنة بما كان يمكن توجيه الموارد إليه داخلياً. وهذا يجعل إدارة القوة الخارجية قضية مرتبطة أيضاً بأولويات المجتمع في الداخل.
أما الحرب الروسية ـ الأوكرانية، فقد كشفت جانباً آخر من التحول. فقد أدانت غالبية دول العالم الغزو الروسي في الأمم المتحدة، لكن كثيراً من الدول لم تنضم إلى منظومة العقوبات الغربية. وهذا لا يعني تأييد موسكو، بقدر ما يعكس ان لدى دول عديدة رغبة في الاحتفاظ باستقلالية القرار وعدم تبني الرواية الغربية كاملة بشأن الصراع. وتكشف هذه المواقف عن اتساع مساحة «الاستقلال الاستراتيجي» في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
غير أن تفسير التحول الدولي بأنه مجرد «فقدان للغرب» سيكون تبسيطاً مخلاً. فصعود الصين وقوى أخرى، وتزايد التجارة والاستثمار خارج المراكز الغربية، يمثل تغيراً في توزيع القوة لا مجرد احتجاج على سياسات الغرب خاصه وأن معظم دول العالم لا تبدو راغبة في استبدال هيمنة بأخرى، بل في توسيع هامش المناورة وبناء علاقات متعددة. لذلك فإن محاولة دفعها إلى الاختيار بين الغرب والصين قد تفشل في فهم طبيعة النظام الناشئ الجديد.
فالتحدي أمام الغرب، إذن، ليس في فقدان الثقل والمكانة، وإنما تآكل قدرته على احتكار تعريف الشرعية وصياغة قواعد النظام الدولي، في عالم تتوزع فيه مراكز القوة، ومراجعة التدخلات السياسية والعسكرية التي أخفقت، وإتاحة دور أكبر لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في صياغة القواعد
فالعالم لا يتجه بالضرورة إلى نظام مناهض للغرب، لكنه لم يعد يقبل أن يكون الغرب مركزه الوحيد. ومن هنا، فإن استعادة الثقة لن تأتي من محاولة إقناع الآخرين بأن الغرب «الأكثر فضيلة»، وإنما من مراجعة السياسات التي أضعفت هذه الثقة، والتعامل مع القوى الصاعدة كشركاء في صياغة النظام الدولي لا مجرد متلقين لقرارات تُتخذ في واشنطن أو العواصم الأوروبية. وفي عالم متعدد المراكز، لن تكون المكانة امتيازاً تاريخياً دائماً، بل نتيجة للثقة والشراكة والقدرة على الاستماع والمراجعه والتعاون المشترك.