شىء من الجهل
الأحد 25 يناير 2026 - 6:25 م
كان ذلك قبل نحو خمس وعشرين سنة، حين مررت بجوار مقياس النيل فى منطقة الروضة بحى المنيل، وقد أعجبنى تصميمه وعمارته فضلًا عن فكرته القائمة على وجود عمود رخامى مثمن الشكل وسط بئر مبطن بالحجر قمته مستطيلة، وقاعه مستدير، ووظيفة المقياس كما يتضح من اسمه هى قياس فيضان النيل، بحيث يمكن تحديد نسب الضرائب وفقًا لحساب قيمة المحاصيل وريعها السنوى على أساس الفيضان، بعدها قرأت وعرفت أن المقياس بُنى عام 861 ميلادية/ 247 هجرية بأمر من الخليفة العباسى المتوكل على الله، وهو أقدم مقياس للنيل بمصر، ومنه كان ينطلق احتفال حكام مصر بموسم الفيضان، وهو الاحتفال الذى كان يمتد لسبعة أيام، وبقى قائمًا على هذا النحو حتى أواخر القرن التاسع عشر.
لكن فى سنة 338 هجرية شهد المقياس حادثة ستبقى علامة بارزة ليس فى تاريخه وحسب، بل فى تاريخ الصراع بين الفكر والجهل فى مصر المحروسة، فما حدث فى هذه السنة أن العالم النحوى المصرى الشهير آنذاك «أبو جعفر النحاس» كان يجلس على درج المقياس، ومعه كتاب «العروض» المعنى بموازين الشعر العربى وكان يقرأ أبياتًا من الشعر ويقطعها وفقًا لعلم العروض، فسمعه أحد العوام فقال: هذا يسحر النيل حتى لا يفيض، وينقص، فتزيد الأسعار، فقرر أن يتخلص منه فدفعه فسقط فى النيل وغرق مع المد.
هكذا وفى لحظة جهل عابرة فقدت مصر واحدا من علماء اللغة الأفذاذ الذى ألف العديد من الكتب المهمة من بينها «إعراب القرآن» و«المعانى» و«الناسخ والمنسوخ» وكتاب «تفسير أبيات سيبويه»، والواقع أن تاريخنا العربى يزخر بمثل هذه القصص التى انتصر فيها الجهل على العلم، ودفع فيها أصحاب الفكر حياتهم لأن آرائهم لم ترض العوام، أو لم يقبلها الحكام، أو تعارضت مع ما اتفق عليه من ظنوا أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وإذا كان أبو جعفر النحاس قد رحل ضحية لجهل أحد العوام لأنه ظن أنه يسحر النيل فقد سبقه وتلاه من كانوا أعلامًا فى مجالاتهم سباقين فى أفكارهم، ومنهم أبو الكيمياء «جابر بن حيان» الذى قال عنه ابن خلدون: إمام المدونين الذى ينسب له علم الكيمياء حتى إنهم يقولون عن الكيمياء «علم جابر بن حيان» وعنه يقول صاحب كتاب «كيمياء العصور الوسطى» العالم الفرنسى «مارسيلان بيرتيلو: إن لجابر بن حيان فى الكيمياء ما لأرسطو فى المنطق، جابر بن حيان هذا العالم الفذ مات فى السجن بالكوفة وكان قد تجاوز التسعين من عمره، جابر بن حيان لم يشفع له علمه، ولا فضله وكبر سنه، وكان قد تعرض لهجوم المتشددين الذين هاجموه واتهموه بالزندقة لاشتغاله بالكيمياء التى لم يعمل بها نبى ولا صحابى ولا واحد من السلف الصالح «لابد من الإشارة هنا إلى ما كتبه بن تيمية فى تحريم الكيمياء واتهام علمائها بأنهم أهل غش وبهتان».
ولم يسلم فخر الحضارة العربية الشيخ الرئيس «ابن سينا» من اتهامات مماثلة وحملات مشابهة، فهو الذى قيل عنه: «أشهر من أن يذكر وفضائله أظهر من أن تسطر فقد وصفه متشددو عصره بأنه «إمام الملحدين» ولاحقته آراؤهم الفاسدة لتقلب عليه العوام وأصحاب السلطان، حتى صدرت ضده عدة أحكام بالإعدام أجبرته على الهروب عدة مرات حتى رحل سنة 427 هجرية القائمة طويلة، وتاريخ الصراع بين الجهل والخرافة من جانب، والعلم والاستنارة من جانب آخر ممتد الحلقات، «فتاريخنا كله محنة وأيامنا كلها كربلاء» على حد تعبير الشاعر نزار قبانى، والآن ونحن نعيش أجواء أحدث موجات ثورة الاتصالات علينا أن نتذكر جيدًا أن الحضارة لا يبنيها أصحاب العقول الجامدة والإجابات الجاهزة بل يصنعها القادرون على طرح الأسئلة الصعبة، الباحثون عن الإجابات الجادة
وكما قال أبو حامد الغزالى: العلم خزائن مباركة مفاتيحها الأسئلة ويضيع العلم بين الحياء والكبر، فعلينا ألا نخجل من طلب العلم، ولا نتكبر فى السعى نحو تحصيله، لأن المجتمع الذى يرفض التغيير، ويكره التفكير، ويخشى المعرفة، يحكم على نفسه بالتخلف والبقاء خارج حركة التاريخ.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا