x قد يعجبك أيضا

عالم بلا قواعد.. هذا ما يريده الملاكم ترامب!

السبت 24 يناير 2026 - 7:40 م

فى كلمته الأخيرة فى منتدى دافوس، تخلى مارك كارنى، رئيس وزراء كندا، عن لغة الدبلوماسية والمفردات الرمادية. تعمّد، عن سابق إصرار وترصّد، استخدام خطاب صادم سياسيًا وأخلاقيًا. أعلن صراحةً أن النظام الدولى ممزّق، وأن القواعد التى قُدِّمت للعالم لم تكن إلا كذبةً مؤسسةً على خطاب أخلاقى مزدوج، بينما كانت إدارة كوكب الأرض تسير بمنطق القوة والمصالح والمعايير المزدوجة.


تصريحات كارنى لم تكن مجرد موقف سياسى، بل إعلانًا رمزيًا عن نهاية السردية المؤسسة للنظام العالمى، وتعبيرًا مكثفًا عن التحول البنيوى الحاصل: الانتقال من عالم القواعد إلى عالم القوة، من شرعية المؤسسات إلى شرعية الهيمنة والإخضاع، ومن منطق النظام إلى منطق الفوضى المُدارة.


من خلال هذا السياق، تصبح عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسى العالمى ليس كاستثناء، بل كنتيجة طبيعية لانهيار النظام العالمى.


• • •
منذ عودة دونالد ترامب إلى المسرح السياسى الدولى، برز كشخصية شعبوية تتبنى شعار استعادة عظمة أمريكا (ماجا). غير أن هذا الشعار يخفى وراءه توجهًا أكثر عمقًا وخطورة؛ فترامب لا يسعى فقط إلى إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية، بل يتبنى نهجًا يهدف إلى تفكيك النظام القائم وإعادة تشكيله وفقًا لمصالح القوة الأمريكية المجردة. وكأن له ثأرًا خاصًا مع النظام العالمى الذى تأسس بعد عام 1945، والذى يقوم على مؤسسات متعددة الأطراف، كالأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، ومنظمة التجارة العالمية، وحلف الناتو، ومنظمة الصحة العالمية، إضافةً إلى اتفاقيات دولية تنظم التجارة والأمن والمناخ. فرغم ما يعترى هذا النظام من عيوب، إلا أنه منح الولايات المتحدة دور القيادة عبر القواعد والمؤسسات، وليس فقط عبر القوة العسكرية. والأهم أنه منح ترامب ذاته فرصة الصعود.


• • •
يرى دونالد ترامب أن القواعد التى صاغتها واشنطن لتأمين هيمنتها لم تعد مكسبًا، بل أصبحت عبئًا، وبخاصة مع صعود قوى جديدة مثل الصين، وعودة روسيا، وتماسك قوى إقليمية كبرى. وفى ظل ازدحام القمة الدولية، يعتقد ترامب أن محاولة البقاء فى الصدارة ضمن هذا النظام مكلفة ومليئة بالقيود، ويفضّل تحطيم الطاولة بدل الجلوس حولها؛ أى إنه يرى أن تكلفة هدم النظام أقل بكثير من تكلفة الصعود إلى قمته من جديد.


تتجلى هذه الاستراتيجية فى انسحابه من اتفاق باريس للمناخ، وتهديده لحلف الناتو، وتشكيكه فى منظمة الصحة العالمية، ثم فرضه تعريفات جمركية أحادية على الحلفاء وغير الحلفاء، وهجومه على منظمة التجارة العالمية، واحتقاره للعمل الدبلوماسى الجماعى. سلوكيات ليست عشوائية، بل تمثل استراتيجية تهدف إلى كسر القيود، وإضعاف المؤسسات الدولية، وتفريغ القواعد الناظمة من معناها.


• • •
لا يؤمن ترامب بالعلاقات المتعددة الأطراف؛ فهى وسيلة تفاوضية وليست غاية سياسية. يرى العالم ساحة صراع ثنائية: أمريكا مقابل كل دولة على حدة. يعتقد أن العلاقات الثنائية تمنح واشنطن قدرة أكبر على فرض شروطها، بينما يعتبر التحالفات والعلاقات الأكثر اتساعًا مجرد قيود تضعف اليد الأمريكية. لهذا يفضّل التفاوض المباشر مع الصين والمكسيك وأوروبا، وحتى مع إيران، من دون اللجوء إلى الأطر الجماعية.
ويُفسَّر ذلك بسيرة فريقه التفاوضى القادم من خارج الدولة التقليدية، فهو يرى أن سرعة صناعة القرار تحدد نتيجته بين النجاح أو الإخفاق، ولا يعتقد أن صناعة القرار عملية تعتمد على التراكم والتراتبيات، بل يجب على أمريكا التحرر من هذا كله بهدف إعادة تعويم النموذج الأمريكى القوى، اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.


ويحمل ترامب تصورًا مختلفًا جذريًا لمفهوم القوة ذاته؛ فهو لا يفهم القوة بوصفها قدرة على الردع أو الحفاظ على توازن مستقر، كما فعلت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، بل بوصفها شيئًا يجب ممارسته وإظهاره بشكل دائم. فالقوة التى لا تُستخدم تفقد هيبتها من وجهة نظره، والقواعد التى تمنع استخدام القوة تُضعف الدولة بدل أن تحميها. لذلك يميل ترامب إلى الاستعراض الاقتصادى والعسكرى، والتهديد العلنى، والعقوبات الأحادية، معتبرًا أن الفعل المباشر، حتى لو كان صداميًا، أكثر فاعلية من سياسات الردع الطويلة أو إدارة التوازنات. هذا الفهم العملى للقوة يجعل ترامب أقرب إلى قائد يرى العالم ساحة اختبار دائم لقدرة أمريكا على توظيف قوتها، لا نظامًا دوليًا يجب ضبطه وتوفير استقراره.


• • •
من خلال محاولة فهم رؤية ترامب لمفهوم القوة، نجد أن الرجل مؤمن بأن لحظة انهيار النظام الدولى ستمنح الولايات المتحدة أفضلية مطلقة لصياغة نظام جديد. فهو يتخيل فوضى منظمة تنهار معها القواعد القديمة، فتتدخل أمريكا كقوة حاسمة تفرض قواعد جديدة أكثر صرامة وأقل التزامًا بالقانون الدولى. لكن هذا الرهان يبدو محفوفًا بالمخاطر؛ إذ إن انهيار النظام قد يؤدى إلى عالم أكثر فوضى وتسليحًا وأقل استقرارًا، وقد تتكاثر الصراعات بدل أن تُدار.


مشروع ترامب لا يقوم على أيديولوجية واضحة أو سياسة طويلة الأمد، بل يتسم بمنطق الملاكمة الدولية (UFC): تراشق إعلامى على الهواء مباشرة مع استعراض للقوة، وتنظيم مباراة لا مانع من كسر القواعد فيها، وحشد للجماهير، وضربات متتابعة. قد يتحقق الفوز بالضربة القاضية، كما فى فنزويلا، أو الانتصار بالنقاط، كما يسعى مع إيران وجرينلاند. لا تراكم للنتائج، بل فقط استعراض لها.


• • •
هنا يبرز سؤال بديهى: هل تستطيع أمريكا فعلًا إدارة الفوضى التى تصنعها، أم أن كسر النظام سيؤدى إلى تراجع نفوذها؟
سياسات ترامب تُفهم على أنها استراتيجية كسر ممنهج للنظام الدولى، لا تهدف إلى تحسينه أو تحديثه. ورهان ترامب على أن الفوضى المتمادية فرصة لأمريكا لا تهديدًا لها، فى غياب تصور واضح للنظام الدولى المستقبلى، هو رهان خطير. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى التى تعاند التحول فى النظام الدولى غالبًا ما تجد نفسها ضحية للفوضى التى صنعتها بنفسها، كما حدث مع إمبراطورية روما، والسلطنة العثمانية، وبريطانيا العظمى، والاتحاد السوفييتى.


ومن الناحية التاريخية أيضًا، ليست هذه أول مرة يشهد العالم صراعًا حول قواعد النظام الدولى؛ فكما أن صلح وستفاليا عام 1648 أنهى حروب أوروبا الدينية ووضع أسس الدولة الحديثة، وكما أن مؤتمر فيينا 1815 أعاد ترتيب ميزان القوى بعد نابليون (المؤتمر الذى خرجت من رحمه عقيدة الرئيس الأمريكى مونرو، ويتم استعادته من قبل ترامب ذاته!)، فإن نظام 1945 كان محاولة لبناء عالم أكثر استقرارًا بعد حربين عالميتين. غير أن ترامب يبدو، على خلاف أسلافه، أقرب إلى قائد يريد تفكيك العقد الدولى بدل تحديثه.
من الواضح أن ترامب ليس رجل إصلاح للنظام الدولى، بل رجل صراع معه؛ هو ليس مهندسًا لعالم جديد، بل مُحطِّم لعالم قائم، وليس صاحب أيديولوجية كبرى، بل لاعب فى مباراة ملاكمة دولية مفتوحة لا أحد يعرف كيف ستنتهى.
كاتب سعودى


الاقتباس:


من الواضح أن ترامب ليس رجل إصلاح للنظام الدولى، بل رجل صراع معه؛ هو ليس مهندسًا لعالم جديد، بل مُحطِّم لعالم قائم، وليس صاحب أيديولوجية كبرى، بل لاعب فى مباراة ملاكمة دولية مفتوحة لا أحد يعرف كيف ستنتهى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة