غياب النخب المستقلة.. إدارة أزمات بدل صناعة مستقبل

الأحد 22 فبراير 2026 - 4:30 م

يمثل غياب النخب الاستراتيجية المستقلة أحد أكثر أوجه الخلل عمقًا فى بنية الدولة العربية المعاصرة، إذ لا يتعلق الأمر بندرة الكفاءات أو ضعف الإمكانات البشرية، بل بطبيعة النظام السياسى الذى لم يسمح بتشكّل عقول تخطيطية حرة وقادرة على التفكير خارج منطق الولاء. ففى بيئة سياسية تُكافئ القرب لا الكفاءة، والطاعة لا الرؤية، جرى تفريغ مفهوم النخبة من مضمونه الحقيقى، وتحويله إلى واجهة تبريرية للقرارات القائمة، لا قوة فكرية قادرة على مساءلتها أو اقتراح بدائل استراتيجية لها.
تعانى معظم الدول العربية من ضعف شديد فى مراكز الفكر والتخطيط طويل المدى، سواء على مستوى المؤسسات الرسمية أو الفضاء الأكاديمى المستقل. فمراكز الفكر، حيث وُجدت، غالبًا ما تعمل ضمن حدود مرسومة سلفًا، وتنتج أوراقًا تحليلية لا تتجاوز الخطاب المقبول سياسيًا. يغيب عنها التراكم المعرفى، وتفتقر إلى الاستقلال المالى والإدارى، ما يجعلها عاجزة عن لعب دورها الطبيعى كجسر بين المعرفة وصناعة القرار. وبدل أن تكون فضاءً للنقاش الحر وصياغة السيناريوهات المستقبلية، تتحول إلى ملحق بيروقراطى أو منصة لا تأثير فعلى لها.
هذا الضعف المؤسسى ترافق مع تهميش ممنهج للكفاءات، حيث لم يعد معيار الصعود إلى مواقع التأثير هو الخبرة أو القدرة التحليلية، بل مستوى الولاء والامتثال. فى هذا السياق، تُقصى العقول النقدية لأنها تُعدّ مصدر إزعاج، ويُنظر إلى التفكير الاستراتيجى المستقل كتهديد محتمل للاستقرار السياسى. ونتيجة لذلك، اختار كثيرًا من أصحاب الكفاءة إما الانسحاب من الشأن العام أو الهجرة، ما أدى إلى استنزاف معرفى مزمن حرم الدولة من طاقات كان يمكن أن تسهم فى رسم سياسات أكثر عقلانية واستدامة.
وحين تُختزل السياسة فى إدارة المخاطر وضبط المجتمع، تتراجع الرؤية الاستراتيجية لصالح منطق الوقاية الآنية. يصبح السؤال المركزى هو: كيف نمنع الأزمة القادمة؟ لا: كيف نصنع مستقبلًا أفضل؟ وفى ظل هذا المنطق، يُنظر إلى التخطيط طويل المدى كترف غير ضرورى، أو كمجال محفوف بالمخاطر، لأن التفكير فى المستقبل يفترض الاعتراف بالمشكلات البنيوية القائمة، وهو ما قد يفتح بابًا للمساءلة أو المطالبة بالإصلاح.
أدى هذا النمط من الحكم إلى هيمنة سياسات رد الفعل بدل السياسات الاستباقية والإنذار المبكر. تُدار الأزمات عند وقوعها، وغالبًا بأدوات مؤقتة، دون معالجة جذورها العميقة. أزمة اقتصادية تُواجَه بإجراءات تقشفية عاجلة، وأزمة اجتماعية تُحتوى بحلول أمنية، وتوتر سياسى يُطفأ بتسويات مؤقتة. ومع غياب رؤية شاملة، تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، فيما تظل الأسباب البنيوية على حالها، إن لم تتفاقم. وهكذا، تدخل الدول العربية فى حلقة مفرغة من إدارة الأزمات، دون قدرة حقيقية على الخروج منها.
كما أن غياب النخب الاستراتيجية المستقلة ينعكس سلبًا على قدرة الدولة على التفاعل مع التحولات الإقليمية والدولية. ففى عالم سريع التغير، تتطلب السياسة الناجحة قراءة دقيقة للاتجاهات الكبرى، وبناء سيناريوهات متعددة، والاستعداد لمفاجآت المستقبل. غير أن القرار السياسى العربى، فى كثير من الحالات، يظل أسير معطيات آنية وحسابات قصيرة الأجل، ما يجعله متأخرًا دائمًا خطوة أو أكثر عن مسار الأحداث. وبدل أن تكون الدولة فاعلًا مؤثرًا، تتحول إلى متلقٍ سلبى للتغيرات، يحاول التكيّف معها بعد وقوعها لا التأثير فى مسارها.
الأخطر من ذلك أن تغييب التفكير الاستراتيجى يضعف الثقة بين الدولة والمجتمع. فغياب الرؤية الواضحة يخلق شعورًا عامًا بالضبابية وعدم اليقين، ويجعل السياسات تبدو متناقضة أو مرتجلة. ومع الوقت، يفقد المواطن الإحساس بوجود مشروع وطنى جامع، ويغلب عليه الشعور بأن الدولة لا تدير سوى حاضرها المضطرب، دون تصور مقنع للمستقبل. هذا الفراغ فى الرؤية يفتح المجال لخطابات شعبوية أو هوياتية تَعِد بحلول بسيطة لمشكلات معقدة، ما يزيد من هشاشة المجال العام.
إن بناء نخب استراتيجية مستقلة لا يعنى بالضرورة معارضة سياسية دائمة، بل يعنى خلق بيئة تسمح بالتفكير الحر، والنقد المسئول، والتخطيط طويل المدى. فالدولة التى تخشى عقولها تحكم على نفسها بالبقاء فى دائرة إدارة الأزمات. أما الدولة التى تستثمر فى نخبها، وتمنحها هامش الاستقلال، فإنها تفتح الباب أمام الانتقال من سياسة الإطفاء إلى سياسة البناء. وبين هذين الخيارين، يتحدد الفارق بين نظام يكتفى بالبقاء، ودولة قادرة على صناعة مستقبلها بدل الاكتفاء بالتكيّف مع أزماتها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة