x قد يعجبك أيضا

هالة فؤاد قارئة التراث الصوفى

السبت 21 مارس 2026 - 6:10 م

(1)
خسارة فادحة مُنيت بها الحياة الفكرية والأكاديمية فى مصر والعالم العربى، برحيل الأستاذة الدكتورة هالة أحمد فؤاد، أستاذة الفلسفة والتصوف بجامعة القاهرة، التى رحلت عنا، الأسبوع الماضى، بعد صراع مضن وعنيف مع المرض الخبيث.
لم تسلك د. هالة فؤاد أبدًا الطريق المعبد الميسور لا فى البحث العلمى، ولا فى طريقة التدريس، ولا فى مجابهاتها الفكرية طوال مشوارها العلمى والفكرى والثقافى عبر ما يقرب من ثلاثين سنة. كانت أستاذة جسورة بحق، تؤمن بحقها الكامل فى ممارسة الاختلاف والنقد والمساءلة، وكانت تطبق عمليًا وحرفيًا ممارسة «النقد العقلانى» فى كل ما تعرض له من مسائل وموضوعات.. فى التدريس، وفى الكتابة العلمية، وفى المحاضرات والندوات.. إلخ.
مثلت الدكتورة هالة -رحمها الله- نموذجًا رفيعًا للأستاذ الجامعى صاحب القناعة الحرة المتأبية على الانصياع والانقياد والتسليم، والتنازل عن دور الأستاذ الحق لحساب أدوار أخرى أبعد ما تكون عن دور الأستاذية الحقة.
ولم يكن غريبًا أن تغلِّب الكيف دائمًا على الكم فى إنتاجها المنشور، فتعكف رحمها الله بدأب مدهش وإرادة لا تلين، قرابة ربع القرن أو يزيد لإنجاز كتابيها المرجعيين «التوحيدى الغفلة والانتباه» الذى يجاوز 800 صفحة تقريبًا، و«المثقف بين سندان السلطة ومطرقة العامة- نموذج أبى حيان التوحيدى» فيما يزيد على 500 صفحة. وهما الكتابان اللذان خصصتهما بالكامل لقراءة وتأويل نصوص أبى حيان التوحيدى بشقيه الروحى والدنيوى، الصوفى والسياسى والاجتماعى والثقافى؛ وهما عملان لا نظير لهما فى المكتبة العربية -على حد علمى- خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

(2)
كان من حظى أن درَّست لى الراحلة الكريمة مادة «التصوف» فى فصل دراسى كامل؛ ولم يكن كغيره أبدًا من المقررات التقليدية المكرورة القائمة على النقل والاجترار واستدعاء النصوص و«حفظها» من دون أى محاولة حقيقة للفهم والتأمل والاستبصار الدقيق فى ماهية هذه النصوص، وشروط إنتاجها، وجذورها الفلسفية والمعرفية، وتحليل السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التى كتبت فيها وعبرت عنها.. إلخ.
كانت طريقة هالة فؤاد فى مقاربة نصوص التصوف مدهشة ومفاجئة لنا نحن طلاب الفرقة الثالثة بكلية الآداب جامعة القاهرة فى الموسم الدراسى (1999-2000)، فلم تمل علينا تاريخًا ولا استعرضت تواريخ ميلاد ووفاة هذا المتصوف أو ذاك ولم تكلمنا كما كان يكلمنا غيرها كوسيط بين المتون المحفوظة فى كتب التراث وبين إلقائها على أسماعنا كما هى دون فحص أو غربلة أو قراءة أو إنارة من أى نوع!
اتخذت الطريق العكسى على طول الخط، فبدأت بطرح السؤال تلو السؤال.. والسؤال يلد سؤالًا، والبحث عن إجابة محتملة يعنى أن تذهب رأسًا إلى النصوص فى مظانها الأصلية، وتبذل جهدًا مضنيًا فى فك مغاليقها وترويض لغتها واستئناس غرابتها، وتبديد غموضها.. لم يكن لنا بذلك أى عهد أو خبرة قبل أن تواجهنا أستاذتنا بهذه الطريقة.
واكتشفنا معها -فى هذه الرحلة المضنية، الممتعة فى الآن ذاته- سيطرة المنظور الاستشراقى فى درس نصوص التصوف، بل لعله ما زال مسيطرًا لدى العديد من الباحثين العرب المسلمين فى التصوف الإسلامى حتى وقتنا هذا.
ولفتت انتبهنا إلى هيمنة ما قاله المستشرقون، وتبنى الأكثرية من الباحثين والدارسين لمقولاتهم وآرائهم، بل وحتى تصنيفاتهم وأحكامهم بصورة حصرية جامدة، ونهائية دون مناقشة أو نقد أو حتى محاولة لتأمل النصوص الصوفية من زوايا أخرى مباينة، وإعادة قراءتها وفقًا لمعايير جديدة مبتكرة.
كانت تقول إننا فى حاجة لإعادة النظر، والتأمل الهادئ المتأنى، ذلك أن مَن يمعن النظر ويفحص النصوص فحصًا دقيقًا حرًا لا يتقيد بهواجس قيمية سابقة، وافتراضات مبدئية أو مسلمات نهائية مريحة، ربما يكشف مدى مرونة وحيوية الحدود التى قد تكون فاصلة، لكنها فى الوقت نفسه واصلة بين التقسيمات التاريخية لمراحل التصوف الإسلامى.

(3)
لم نعهد هذه الجرأة الفكرية والجسارة العقلية التى تستفز ملكات التفكير وتنشِّط خلايا النظر والتأمل، وتعيد طرح الموضوعات والقضايا على مائدة النقاش والبحث.. تعلمنا معها أن طرح السؤال هو مفتاح المعرفة، وأن الجهد المبذول فى صياغته وتدقيقه أهم من تلقين الإجابات المعلبة والجاهزة والاجترار والنقل.. بالسؤال تهتك أستار الغيوب، ويفتضح الجهل والجهال، ويتبدد الضباب، وتنقشع الغيوم، وتنفتح الآفاق على تأويلات وتفسيرات لا نهائية للنصوص الفلسفية، ونصوص المتصوفة التى مثلت علامة مضيئة وكنزا من المعرفة و«العلامات» التى لم يقدر لنا حتى وقتنا هذا التعامل معها بوعى وقراءتها وفق أطر منهجية منضبطة تفيد من مكتسبات العلوم الإنسانية وإنجازاتها عبر القرون، ومن ثم إمكانية إنتاج معرفة جديدة ومتطورة بهذه النصوص.
ورغم مرور ما يزيد على ربع القرن على استماعى لهذا المحاضرات واستيعابى لها بالكلية، فإنى أُدهش الآن وبعد مرور هذه الفترة الطويلة، للأثر العميق الذى تركته هذه الأستاذة الجليلة فى نفوس طلابها، وأنا منهم، وكيف لعبت دورا عظيما فى تأهيلنا المعرفى و«النقدى» لقراءة نصوص التراث عمومًا والتراث الفلسفى والصوفى فى القلب منه.. رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة