أوهام «قفلة» القراءة والكتابة!

السبت 21 مارس 2026 - 6:05 م

تمرّ أوقات كثيرة لا تجد فيها طاقة ولا رغبة فى القراءة أو الكتابة، يفتر الحماس، وتترك السطور دون أن نكملها، تهجر الورقة والقلم والكيبورد، تفتّش فى عقلك فتجده فارغًا، وتطاردك أشباح العقم والتصحّر. يسمونها «قفلة» أو «حبسة» القراءة والكتابة.


لمن عرف لذة وبهجة المعرفة، ولمن أدمن اكتشاف السطور، وما بين السطور، ولمن اختبر فرحة أن تتحول فكرة إلى معنى، فى شكل جملة وفقرة وفصل، يبدو الابتعاد عقابًا مروّعًا، نذيرًا بالموت والأفول، وإعلانًا عن النهاية.


لا أظن أحدًا لم يجرِّب هذا الشعور، بكل تداعياته وهواجسه، وأحيانًا نعرف أسبابه: مرضًا جسديًا، همومًا عامة أو خاصة، أو ربما زخم كتابة وقراءة حد الامتلاء والتشبّع، تعقبها فترة خمود وسكون، من أثر الجهد والتعب والتُخمة. الابتعاد يولّد قلقًا، ربما يكون ذلك أكثر إيلامًا من عدم القراءة أو الكتابة. قلقٌ على الذات والموهبة والقدرة والطاقة، أى أن المضاعفات أسوأ من المرض، إذا صحّ أن نطلق على هذه الحالة وصف المرض.


يتأكد لى يومًا بعد يوم أنها ليست مرضًا، ولا تستحق هذا القلق، ولا تعنى على الإطلاق جفافًا وانتهاء. ويتأكد لى يومًا بعد يوم أن «حبسة» القراءة والكتابة ليست فى جوهرها إلا محاولة لإعادة شحن بطارية القراءة والكتابة.


لماذا نفترض أن علاقتنا بالقراءة والكتابة يجب أن تسير على نمط واحد لا يتغيّر؟ ولماذا نتوقّع أن ما تعودّناه سيكون قانونًا دائمًا بعد فترة من الزمن؟ كيف تتحوّل الحياة أصلًا إلى إدمان أى «روتين» حتى لو كان روتينًا لذيذًا ومثمرًا؟


لماذا نفترض أن القراءة والكتابة خارج ناموس الملل والإرهاق وتُخمة الامتلاء؟


أتفهّم تمامًا حزن البعد والمفارقة، كسر دفء الألفة والبهجة، وانطلاق فوضى الهواجس والظنون، كل ذلك طبيعى وصحى ومعقول، ولكن الوجه الآخر للحياة يقول إنها لو سارت على وتيرة واحدة لفسدت، وإنها من المستحيل أن تكون لونا واحدة، أو حالة ثابتة ومستمرة. هذا قانونها وعنوانها، وهو أيضًا قانون الإنسان نفسه وعنوانه.


إذا كنت أنت نفسك متقلّب الحال والمزاج والاستعداد والطاقة فى اليوم الواحد، فكيف يمكن أن تكون علاقتك بالأشياء والأفكار والعادات ثابتة؟


القلق صحى ما دام فى إطار الفهم والتقبّل، وانتظار انتهاء هذا «الفاصل الطبيعى» بين قراءتين وكتابتين، استراحة لا يتوقف فيها العقل عن التأمل والاكتشاف، ولكن بطريقةٍ أخرى، بخلاف الاكتشاف الذى توفّره له القراءة أو الكتابة.


أتحدث هنا عن اكتشاف الحياة مباشرة، وهو الأصل قبل ظهور القراءة والكتابة، بل إنهما -فى حقيقتهما- مرايا أخرى لاكتشاف الحياة، عبر الذات القارئة أو الكاتبة.


يسألنى البعض عما أفعله إذا ابتعدت عن القراءة والكتابة، فأقول ببساطة: أذهبُ إلى المقهى، أطلب القهوة، أتأمل البشر العابرين والجالسين، يكفينى ذلك لأمتلئ بالحياة، ألمسها فى وجودها المباشر، وأتأكد من جديد أن القراءة والكتابة ليستا إلا تجليّات موازية للحياة، ولكن الحياة فى ذاتها حولنا فى كل مكان، ولا تحتاج فى استقبالها إلا جهد رؤيتها، والشعور بكل نبضها.


يبدو لى أن المشكلة إذن فى أننا نرى القراءة والكتابة، من فرط العشق والاعتياد، كبديل عن الحياة، وليست عنوانا عليها، أى أن نتوهم القدرة على الاستغناء بالقراءة والكتابة عن العالم والبشر الحقيقين، وأن تنوب السطور عن طعم وألوان الحواس، وأن تكون الأفكار المجرّدة، بديلًا عن تفاصيل الدنيا الصغيرة، مع أن هذه التفاصيل هى البذور التى صنعت شجرة الأفكار والفلسفات الكبرى.


ولكننا نسينا البذرة انبهارًا بالشجرة، وهو خطأ فادح وساذج أيضًا.


ما زلت أتوقف معجبًا عند معنى بديع فى بيت لفؤاد حداد، يقول فى «المسحراتى»:
«خدتْ الثقافة على أساس
إن الثقافة كتب وناس».


لا يغنى شىء عن آخر، بل على العكس، فإن المعرفة الحقة تتطلب هذا التنوع، وذلك الثراء.


شخصيًّا عرفتُ هذا الدرس مباشرة، وقبل أن أقرأ بيت حدّاد المستبصر، فقد عشت تجربة اغتراب مبكرة، سببها انتقالى بين أكثر من مدرسة فى طفولتى، ما بين القاهرة والصعيد.


التحقتُ بالمدرسة أولًا لسنة أو ربما أقل فى مدرسة فاطمة النبوية المشتركة فى شبرا، ثم عاد أبى إلى مسقط رأسه فى الصعيد، فالتحقت فى الصفّين الثانى والثالث الإبتدائى بمدرسة الإصلاح الزراعى الإبتدائية فى نجع حمادى.


وما إن بدأت فى التكيّف مع المكان والمدرسين والمدرسات، ومع زملاء الفصل، حتى انتقل أبى ناظرا مترقيا لمدرسة ثانوية فى فرشوط، فانتقلتُ مع الأسرة إلى مكان جديد، وأصبحت تلميذًا فى مدرسة النقراشى الابتدائية.


ثلاث مدارس ابتدائية عرفتها، أورثنى الانتقال إليها اضطرابًا لازمنى طويلًا فى التكيف والتواؤم، وأظن أننى ما زلت أُروِّضه حتى اليوم، كما أورثنى ذلك قلقًا متأصلًا، وعدم ثقة فى استمرار الاستقرار.


فشلتُ فى تكوين صداقات مستمرة، فتوهّمتُ طوال فترة التكوين، والتى انتهت بالحصول على الثانوية العامة، أن الكتب بديل عن البشر، وتعويض كامل عن هذا الاغتراب.


اضطررت فى المرحلة الجامعية إلى تكوين صداقات بسبب الإقامة فى المدينة الجامعية بالقاهرة، ورغم المعاناة الشديدة فى التكيّف. زملاء من كل المحافظات، وأطياف من الطبائع والعادات واللهجات، تعلّمت منهم مباشرة أن التوازن يتحقق بالناس والكتب، ولا يمكن لأحدهما أن يحل محلّ الآخر.


أظن أيضًا أن علاقتى العميقة بالكتب، بمنطق التحاور معها وليس حفظها، قد أفادتنى جدًا فى علاقتى مع البشر. أتعامل بنفس المنطق مع الناس، فلا أفترض التطابق أبدًا، وأومن بهامش واسع من التسامح والتفهم والاكتشاف، بالضبط كما يحدث مع الكتب.


العكس أيضًا صحيح: خبرة القراءة والكتابة عن الناس أعادتنى إليهم أكثر عمقًا ومرونة وانفتاحًا. خلاصة الفكرة أن قفلة القراءة والكتابة يجب أن تعيدنا إلى الحياة، لا أن تخرجنا منها.
أراها فرصة لاكتشاف المادة الأصلية لعالم القراءة والكتابة، والعودة إليه بأفكار وطاقة، أكثر قوة وثراء وابتكارًا.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة