إنه تطهير عرقى أزرق أبيض

السبت 18 أبريل 2026 - 6:35 م

كانت ساعة صباحٍ متأخرة، وكان صبيّان يتسلقان التل صعودا ويقتربان منا؛ أحدهما عريض الجسد وطويل القامة، فى السادسة عشرة من عمره تقريبا، نبت شعر أشقر على ذقنه وخدّيه، والآخر نحيل وقصير، بدا كأنه فى الحادية عشرة، أو الثانية عشرة، أشقر أيضا؛ كلاهما كان يرتدى قبعة دينية كبيرة محبوكة، تتدلى من تحتها خصَل شعر جانبية كثيفة وطويلة، وكانت ربطات الصلاة مربوطة على الجبهة، وعلى الذراع اليسرى لكلّ منهما، وفى أيديهما عصى غليظة.


• كنا هناك على التل أربعة جنرالات (احتياط)، ورئيس سابق لجهاز «الشاباك»، وصحافى واحد. خرجنا إلى الميدان لنرى بأعيننا ما حقيقة التقارير بشأن موجة الجريمة القومية - اليهودية فى الضفة الغربية، وإلى أى مدى.


أُجريت الجولة بمبادرة من الجنرال ومنسّق أعمال الحكومة فى المناطق سابقا يعقوب (مندى) أور، ومجموعة من رجال الأمن التى تضم اليوم أكثر من مائة من كبار المسئولين السابقين فى جهاز الأمن والشرطة والاستخبارات. وتساعد منظمات حقوق الإنسان فى القيادة وتقديم المعلومات الموثقة. أُجريت الجولة فى منطقة طريق ألون على السفح الشرقى لجبال السامرة، فى اتجاه غور الأردن.


كان الماعز يرعى والكلب ينبح فى الخيمة البدوية فى الوادى أسفلنا. كنا برفقة ثلاثة إسرائيليين من ناشطى حقوق الإنسان، تطوعوا للبقاء ليلا فى مجمّع الرعاة البدو على أمل أن يؤدى وجودهم إلى ردع مثيرى الشغب اليهود، الذين هاجموا المجمّع فعلا فى إحدى الليالى فى الشهر الماضى. وهُم هناك أيضا من أجل التصوير والتوثيق حتى لا يستطيع الجيش الإسرائيلى والشرطة الادّعاء أنهم غير قادرين على العمل بسبب نقص الأدلة. روى أحد الناشطين أنه رأى فى الليل أحد الصبيّين يتجول داخل مخيم الرعاة، بل دخل إلى بعض الحظائر، كأنه صاحب المكان. الفلسطينيون لم يجرؤوا على الوقوف فى طريقه، وهم يدركون جيدا أن الأمر يتعلق باستفزاز مقصود يهدف إلى دفعهم للتهديد، أو الرد بعنف.


إن الخبرة التى اكتسبها رجال عشيرة أبو طويل ومجتمعات الرعاة الفلسطينيين الأُخرى فى الأغوار خلال العامين الأخيرين علمتهم أنه حتى دفعة صغيرة لإبعاد شاب مستفز، فضلا عن لكمة، أو رشق بحجر، تُعد ذريعة لهجوم ليلى من عشرات المستوطنين على المخيم وسكانه.


عادةً ما يصل الجيش الإسرائيلى بسرعة إلى مثل هذه الأحداث، ليلا نهارا، لكن التعامل مع الحدث يختلف من وحدة إلى أُخرى. فى الأغلب، عندما تُستدعى كتيبة احتياط عادية، يحاول قادتها كبح جماح المشاغبين، ويعتقلون بعضهم ويسلمونهم للشرطة. وفى موازاة ذلك، يعتقلون أيضا بعض الفلسطينيين الذين يستَجوبون ويُفرج عنهم بعد ساعات، فى حال لم يسقط فى الحادث مصابون بجروح خطِرة، أو قتلى.


لكن فى بعض الحالات، يكون الحديث عن أفراد احتياط يتماهون مع مثيرى الشغب أيديولوجيا؛ لذلك يقفون متفرجين، ولا يمنعونهم من التمادى، لا بل يساعدونهم أحيانا. وحتى فى الوحدات النظامية للجيش الإسرائيلى المتمركزة فى الضفة، كان هناك حالات غير قليلة تجاوز فيها قادة وجنود الأعراف والقانون الأخلاقى للجيش بدوافع دينية - قومية، إلى أن اضطر رئيس الأركان إيال زامير مؤخرا إلى سحب كتيبة احتياط من خريجى «نتساح يهودا» من النشاط العملياتى فى الضفة الغربية لكى تخضع لسلسلة تثقيفية.


• • •
فى هذه الأثناء، وقف الصبيان اللذان يرتديان ربطات الصلاة ويحملان الهراوات، بجانبنا، بدا لى هذا كأنه فرصة لمعرفة ما الذى يدفعهما من مصدر أولّى. وحسبما أخبرنا الناشطون الإسرائيليون، لقد أمضى الصبيّان الليل على التلة المنخفضة فوق المخيم البدوى، على بُعد عشرات الأمتار عنه، وما دلّ على ذلك الفرش وأكياس النوم وبقايا النار وإبريق الشاى.


«لماذا جئتما إلى هنا؟» سألت الأكبر بينهما، فنظر إلىّ وصمت؛ توجهت إلى الأصغر، فأجاب «الرب المبارك أعطانا هذه الأرض، وهى لنا»، ثم صمت. حاولت تطوير الحديث، لكننى سرعان ما يئست لأننى سمعت المضمون نفسه بصيغ مختلفة. إن الاعتماد الواثق على أمر إلهى كإجابة عن كل الأسئلة والتساؤلات الأخلاقية والعملية أثار فى شعورا مُقلقاً بأن الأمر يتعلق بنوع من الإرهاب اليهودى بدوافع دينية وقومية، يذكّر بظواهر مشابهة فى منطقتنا.


فالأوصاف التى سمعتها فى الأعوام الأخيرة من ضباط فى الجيش الإسرائيلى وصحافيين، ومن أفراد عائلة كانوا شهود عيان، تحولت إلى واقع أمام عينىّ. رأينا كيف تطوَّق قرى فلسطينية ومجتمعات رعاة، بهدف منعها من حرية الحركة وخنقها اقتصاديا. قواعد الانطلاق هذه هى مستوطنات قديمة، أو بؤر استيطانية وافقت عليها الحكومة. يخرج منها شبان، عائلة، أو اثنتان (عادةً ما تكون مع رضّع وأطفال صغار)، وأربعة، أو خمسة من العازبين - ويقيمون بؤرة استيطانية على بُعد مئات الأمتار فقط عن التجمع الفلسطينى؛ أحيانا، بعد عملية «إرهابية»، ومؤخرا، حتى من دون ذريعة أمنية، لأن نشاط الجيش خفض كثيرا مستوى «الإرهاب».


فورا تقريبا، تظهر فى البؤرة كرفانات، وخزان ماء، ومولد كهرباء، وحظيرة صغيرة يوجد فيها بضع عشرات من الأغنام والماعز؛ أمّا التمويل واللوجستيات، فتوفرّهما حركة «أمانا» - أو المجلس المحلى (الممول من أموال دافعى الضرائب).


يبلّغ الجيش الإسرائيلى البؤرة – التى أُقيمت على أرض خاصة، أو من دون تصريح حكومى – أنه سيهدمها، لكن التنفيذ يتأخر إلى أن يتمكن الجيش وحرس الحدود من حشد قوة كافية للتعامل مع عشرات الشبان الذين سيأتون لمنع الهدم. فى هذه الأثناء، ترسل قيادة المنطقة الوسطى، التى تعانى أصلا جرّاء ضغط شديد فى الموارد البشرية، قوة صغيرة لحراسة البؤرة. وبعد أيام، أو أسابيع، تُقام بالطريقة نفسها، من الجهة الأُخرى للتجمع الفلسطينى، بؤرة أُخرى تضم إليها أراضى ومناطق رعى.


وهذه ليست نهاية القصة، فمن هذه البؤر، يخرج أولئك الصبية، مثل الذين التقيناهم، ويتمركزون فى نقاط تسيطر على التجمّع الفلسطينى. وهم موجودون هناك على مدار الساعة. إن مجرد وجودهم يبثّ تهديدا للفلسطينيين، إلى جانب جولات الاستفزاز التى يقومون بها على حدود القرية، أو فى داخلها؛ أحيانا، يدخلون إلى قلب التجمّع سيرا على الأقدام، أو بسيارات دفع رباعى منحها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لسكان البؤر «من أجل تعزيز الأمن».


• • •
هناك وسيلة أُخرى هى أعلام إسرائيل التى غرسها الصبية أمام أعيننا على بُعد أمتار قليلة عن خيام مجتمع الرعاة؛ كذلك يقيمون أسلاكا شائكة لضم مساحة تبلغ 6000 دونم إلى البؤرة التى أُنشئت حديثا من دون تصريح قانونى. هذه الأسلاك تهدف أيضا إلى تقييد وتقليص مساحات الرعى للفلسطينيين بنسبة كبيرة جدا، وزيادة مساحات الرعى لليهود بالمقدار نفسه.


رأينا صفوفا طويلة من أشجار الزيتون المقطوعة فى أراضٍ خاصة بالفلسطينيين فى منطقة شهدت عملية إرهابية قاتلة. قائد المنطقة آفى بلوط أمر بإزالة بضع عشرات من الأشجار فى ذلك المكان، وحدّد موقعها على الخريطة بدقة، لكن على أرض الواقع، قُطعت المئات من أشجار الزيتون المثمرة فى عملية نفّذها مقاول نشيط حصل على أموال من ميزانية الأمن فى مقابل أعمال لم يكن من المفترض تنفيذها، على ما يبدو؛ إنه تطهير عرقى برائحة ثقيلة من روث الماعز، ودخان النيران، وأشجار الزيتون المقطوعة.
ظاهرة ذات تبعات مدمرة


لقد هزّنا ما رأيناه، تمتم الجنرالات ورئيس الشاباك السابق «يا للعار»، و«هذه ليست أخلاقا يهودية». كان من الواضح لنا ممّا رأيناه وسمعناه فى الجولة أن الأمر يتعلق بظاهرة لها تبعات عملية مدمرة للأجيال، ليس فقط على مكانة إسرائيل الدولية - بل أيضا على مستقبلنا، كشعب ودولة. لم يعُد الأمر يتعلق بعمليات «تدفيع الثمن»، وليس أيضا ردة فعل غاضبة وعفوية على عملية «إرهابية» فلسطينية، أو أعمال شغب عنيفة لشبان، بل عمليات منهجية متقنة، منظمة وممولة، والهدف الاستراتيجى البعيد المدى هو «تنظيف» معظم الضفة الغربية من الوجود الفلسطينى وضمّها إلى دولة إسرائيل.


رأينا كيف تطبَّق «خطة الحسم»، التى صاغها سموتريتش ونشرها فى سنة 2017، الآن على أرض الواقع. ووفقا لهذه الخطة، فإن الفلسطينيين الذين سيصرّون على البقاء، سيعيشون فى جيوب حكم ذاتى صغيرة حول المدن الفلسطينية الكبرى. وهذه العملية لم يضع خطوطها فحسب، بل يديرها ويموّلها بصفته المزدوجة: كوزير فى وزارة الدفاع ووزير للمالية، كما أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والوزيرين إيتمار بن غفير وأوريت ستروك شركاء كاملون فى ذلك.


عندما عدنا بالسيارة من الجولة، صدمنى الاعتراف بالحقيقة: إذا نجحت هذه المجموعة فى تنفيذ خطتها، فإن أحفادى وأحفاد أحفادى سيعيشون فى دولة شرق أوسطية ثنائية القومية نكون نحن اليهود أقلية فيها.


رون بن يشاى
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة