حينما رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خرجت العديد من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعى تسخر من القرار بالقول: «أمريكا وإسرائيل هاجمتا إيران، وإيران ردت بمهاجمة إسرائيل وبلدان الخليج، فرفعت مصر أسعار الوقود، فى حين أن إيران وإسرائيل لم يرفعا أسعار الوقود!».
هذا الكلام تم ترديده بطرق مختلفة وهو يبدو ساخرا وطريفا، لكنه بمنتهى الموضوعية، غير دقيق وربما غير صحيح تماما. ويمكن قبول مثل هذا الكلام من أصوات وجماعات مغرضة ومتربصة لأن ذلك هدفها الأصيل، و«لزوم أكل عيشها ممن يدعمها»، وقد يكون مفهوما وليس مقبولا من بعض غير المطلعين على حقائق الاقتصاد المصرى، لكن الأمر يبدو غريبا حينما يردده أو يتناقله ممن يفترض فيهم أنهم مثقفون وصحفيون ويمكنهم بسهولة التأكد من صحة ما يقومون بتناقله ومشاركته وإبداء الإعجاب به فى المواقع المختلفة.
لا يوجد هناك شك فى أن المواطن المصرى يتحمل فى السنوات الأخيرة العديد من الأعباء والصعاب نتيجة الأزمة الاقتصادية، والتى أدت لزيادة معظم أسعار السلع والخدمات.
مرة أخرى المواطن البسيط الذى لا يتابع حقيقة الأوضاع الاقتصادية فى مصر قد لا يدرك الواقع ولذلك قد يصدق فعلا أن الحكومة هى الملومة فيما حدث، وأنها تبيع له الوقود بأعلى من سعره العالمى!!
لكن ما عذر الفاهم والمثقف، وأى شخص يمكنه التأكد من حقيقة التطورات الإقليمية وانعكاسها على الاقتصاد المصرى؟!
المسألة ببساطة أنه حينما اندلعت الحرب، فإن متوسط أسعار البترول كان نحو ٦٥ دولارا للبرميل وقفز إلى متوسط ١١٠، كما قفزت أسعار الغاز الطبيعى بنحو ٥٠٪ تقريبا ثم زادت إلى 80% تقريبا قبل أيام. لماذا حدث ذلك؟!
لأن إيران شلت الحركة تقريبا فى مضيق هرمز، الذى يمر منه ٢٠٪ من بترول وغاز العالم، وإسرائيل وأمريكا وجهتا ضربات لمنشآت الطاقة الإيرانية، وطهران هاجمت منشآت الطاقة الخليجية والإسرائيلية فارتفعت أسعار البترول والغاز إلى هذه الأسعار الكبيرة، وبالتالى زادت أسعار الوقود فى معظم دول العالم بنسب مختلفة تبدأ من 15 % وتصل إلى 37% كما حدث فى أمريكا وغالبية دول أوروبا.
السؤال الذى لم يسأله الساخرون هو: حينما يرتفع سعر البترول والغاز بهذه المستويات، وحينما يدركون أن مصر تستورد أكثر من نصف احتياجاتها النفطية من الخارج، وحينما يدركون أن جزءا من الإنتاج المحلى يتم شراؤه بالسعر العالمى والدولار من الشريك الأجنبى، فلماذا لا يدركون أن رفع الأسعار فى هذه الحالة أمر منطقى جدا، وما الغرابة فى هذا الأمر؟!
أى مواطن مصرى يستطيع أن يدخل على أى موقع اقتصادى عالمى متخصص فى الطاقة، ويعرف سعر طن السولار أو البنزين عالميا كل يوم، ويضربه فى سعر الدولار داخل مصر ويقسمه على عدد اللترات فى كل طن، ووقتها سوف يعرف السعر الفعلى لكل لتر، ثم يضيف عليه نسبة النقل والتأمين وربما التحوط أثناء الأزمات الدولية الطارئة وهناك دول تضيف ضرائب على الوقود.
وفى حالة مصر يتم خصم نسبة حصة الإنتاج المحلى من هذا السعر، ووقتها يمكن معرفة السعر الحقيقى وهو فى كل الأحوال أعلى بكثير من السعر الذى يباع للمستهلك.
بل إن أحد خبراء الطاقة قال لى قبل أيام إن سعر تكلفة لتر السولار عالميا حينما كان سعر برميل البترول 100 دولار وسعر الدولار 54 جنيها يصل إلى 75 جنيها مصريا.
الذين سخروا لم يتذكروا أن مصر تستورد البترول ونسبة من الغاز، ونسوا أيضا أن أمريكا أكبر منتج للنفط والغاز ارتفع سعر الوقود فيها بنسبة أكثر من 37٪، كما ارتفع فى العديد من بلدان العالم بما فيها غالبية الدول المصدرة للنفط والغاز.
ما أقصده من كل ما سبق هو أن المعارض للحكومة المصرية يمكن أن ينتقدها فى العديد من السياسات والأخطاء الواضحة وهى كثيرة بالمناسبة.
ومن حق أى مواطن مصرى أن يشكو من ارتفاع تكاليف المعيشة الحالية، لكن فى حالة ارتفاع أسعار الوقود الأخيرة فإن الانتقاد والسخرية كانا بعيدين عن الواقع تماما.
نتمنى أن تنتهى الأزمة فى المنطقة، وتعود أسعار البترول للانخفاض، وأن تبادر الحكومة المصرية إلى تخفيض أسعار الوقود كما وعدت حتى ولو بصورة رمزية جدا، وحتى لو كانت التكلفة الفعلية ما تزال مرتفعة، فمن المهم للغاية أن تستعيد الحكومة ثقة المواطنين فى هذه القضية المحورية.