الأحوال الشخصية للمسيحيين
الثلاثاء 12 مايو 2026 - 6:55 م
عندما لاح فى الأفق قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين انطلقت نقاشات غاضبة محتقنة على وسائل التواصل الاجتماعى، قبل أن يطلع أحد على مسودة القانون، ما أعطى انطباعًا مبكرًا بصعوبة الحوار العقلانى حول قانون يمس الأسرة المسيحية. وظهرت خلال الفترة الماضية صراعات مكتومة، تحكمها مصالح معقدة، تتجاوز القانون ذاته. من تلك المظاهر: استخدام لغة خشنة فى الحوار، انطوت على تطاول من جانب البعض على قيادات دينية، ربما لتراكمات سابقة، والإشكالية ليست فى الاختلاف، لكن فى التطاول، خاصة مع غياب الحوار، وعدم وجود رغبة فى الفهم المتبادل، وطفت على السطح الاختلافات بين التيارات الفكرية داخل الكنيسة، واستدعت تصريحات قديمة فى مواجهة آراء حديثة، ليس بهدف تبادل الرأى، أو فهم أعمق للموضوع، ولكن لتأكيد الذات، وتأجيج الخلاف، خاصة مع وجود رغبة من جانب البعض فى الظهور حاملين لواء النسوية، أو العلمانية، أو مواجهة الأبوية الدينية، وجميعها، مع كامل الاحترام لها، لا تتصل بمشروع القانون الذى يجرى تداوله، بل تعبر عن آراء ثقافية أو رؤى فلسفية أو نوازع شخصية، وهو سجال لا يفيد المشرع، ولا يساعده على أداء دوره تجاه مشروع قانون يمكن أن يتطور أو يتغير جزئيًا بالحوار حوله، وتقديم مقترحات قانونية بديلة، وهو ما يعطى للنقاش معنى وغاية. وقد يقود الحوار العقلانى إلى اكتشاف أن النص المقترح جيد، أو أن هناك تعديلات يجب أن تدخل على بعض مواده، وهو أمر لا يتحقق فى أجواء السجالات الصاخبة.
وقد اطلعت على مسودة القانون، ووجدتها مليئة بالتفاصيل، بعضها يبدو جيدًا، وبعضها الآخر يحتاج إلى نقاش وإيضاح وربما تعديل، وأظن أن ذلك هو دور مجلس النواب، فى طرح مشروع القانون للنقاش المجتمعى مع جميع أطياف المجتمع، والاستماع إلى مختلف الآراء، مهما طال أمد النقاش، لا وجه للعجلة فى إصداره. وقد لاحظت أن هناك جهات مجتمعية عديدة بدأت فى تنظيم جلسات حوار مجتمعى حول مشروع القانون، وهى خطوة مهمة تؤكد المواطنة، والنظر إلى الأسرة المسيحية ليس بوصفها شأنًا خاصًا بل بوصفها شأنًا وطنيًا عامًا، وأتمنى أن يسودها حوار جاد واقعى، لا يعرف فانتازيا الآراء، ولا غضب المواقف.
فى هذا السياق هناك عدة اعتبارات ينبغى مراعاتها من وجهة نظرى لضمان نجاح أى حوار مجتمعى حقيقى.
أولًا: النقاش الدائر حاليًا ينصب على مسودة قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، وهناك مسودة قانون آخر للمسلمين، ولا مجال فى اللحظة الراهنة لقانون موحد، مع تقديرى لهذا الرأى، وأى حديث بشأنه هو خارج سياق الحوار، أو من قبيل الأمنيات المستقبلية لا أكثر.
ثانيًا: الحديث عن الزواج المدنى حاضر دائمًا، وأرى أنه قد يكون بديلًا بالنسبة للبعض الذى يفضله، لكنه أيضًا غير مطروح فى سياق الحديث الراهن، انطلاقًا من وجود مشروع قانون، يعتبر الزواج شأنًا دينيًا، له مرجعيته الدينية، ويعتبره غالبية المسيحيين، سرًا مقدسًا، يصبح فيه الزوجان جسدًا واحدًا بفعل الطقس الدينى، وليس نتيجة التوثيق المدنى لعقد الزواج. وبالتالى فمن يريد زواجًا مدنيًا له شأنه بالطبع، ويمكن إتاحته لمن يريد، لكنه لا يعبر عن جوهر الزواج المسيحى. أما من يتصور أن تقبل الكنيسة الزواج المدنى مثلما هو الحال فى الغرب، فهذا أمر غير قابل للتحقق، لأنه يصطدم مع جوهر الاعتقاد الدينى من ناحية، فضلًا عن أن المجتمع ذاته ليس علمانيًا، وهناك حضور مؤثر للدين فى تنظيم الحياة الاجتماعية، والتشريع، والشرعية السياسية من ناحية أخرى.
ثالثًا: رغم أن الزواج المسيحى شأن دينى، وليس فقط عقدًا مدنيًا، فإن ذلك لا يعنى أن يظل المواطن العادى (خلاف رجال الدين) خارج سياق النقاش، بل يتعين أن يكون حاضرًا بآرائه واقتراحاته وشئونه، ومنظمات المجتمع المدنى المعبرة عنه، لأنه صاحب المصلحة الحقيقية، ويمثل ذلك جوهر الحوار المجتمعى، والزواج له أبعاد نفسية، واجتماعية، وسلوكية، ينبغى أن توضع فى الاعتبار، ومن المرجو أن يتجه مجلس النواب نحو تفعيل هذا الحوار الاستيعابى آملًا فى الوصول إلى توافق، ليس فقط فى قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بل للمسلمين أيضًا.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا