سهير زكى.. تاريخ فى مواجهة الأبوية والوصم الطبقى للراقصات

الثلاثاء 12 مايو 2026 - 7:00 م

(لا يمكنكِ الاقتراب من هذا المبنى القابع على ناصية الشارع)، هكذا جاء الأمر قاطعًا من جدّتى. كنتُ فى السادسة من عمرى، وافدة جديدة إلى المنصورة، أختبر شوارعها للمرة الأولى. توقّفتْ لحظة، كأنما تمنح كلامها وزنًا إضافيًا، ثم قالت: هذا المبنى تمتلكه سهير زكى. سألتُها بدهشة طفلة: ومن هى سهير زكى؟

أجابت باقتضاب لا يحتمل مزيدا من الأسئلة: الراقصة.

بعد أيام، حين سمحت لى أمّى أن أذهب بمفردى لشراء الصحف اليومية، وجدتُ قدمى تقوداننى نحو ذلك المكان الممنوع. وما إن وصلت حتى اكتشفت أن «المبنى» لم يكن مبنى على الإطلاق، بل سورا طويلا يمتد لمائتى متر أو يزيد، يطوّق قطعة أرض فارغة تنتهى بغرفة صغيرة مغلقة، ربما لحارس لا يظهر. لم يكن هناك بشر ولا حجر، فقط فراغ. لكنه كان فراغًا ممتلئًا باسمها ــ الراقصة سهير زكى ــ الاسم الذى بدا أكبر من المكان، وأكبر من المنع، وأكبر من قدرتى على الفهم آنذاك.

فى مدينة المنصورة وُلدت سهير زكى عام 1945 داخل أسرة بسيطة من الطبقة المتوسطة، ثم انتقلت بعد وفاة والدها إلى الإسكندرية؛ حيث بدأت ملامح موهبتها الفنية تظهر فى سن مبكرة، قبل أن تنتقل إلى القاهرة فى الستينيات لتصبح واحدة من أهم راقصات العصر الحديث. وقد شكّلت نشأتها فى بيئة محافظة ثم انتقالها إلى مدن أكثر انفتاحًا خلفية مهمة لفهم مسارها الفنى الهادئ والمتزن. وبرغم صعودها السريع، ظلّت سهير زكى «ثائرة هادئة» أعادت تعريف الرقص الشرقى عبر الذكاء الحركى والترجمة الدقيقة للإيقاع الموسيقى، وكسرها للتابو التاريخى بالرقص على ألحان أم كلثوم، وهو ما منحها اعترافًا فنيًا غير مسبوق حين قالت لها كوكب الشرق: «كنت أسمع الأغنية بأذنى، والآن أراها بعينى».

• • •

لكن فهم مكانة سهير لا يكتمل دون فهم السياق الاجتماعى الذى أحاط بالراقصات فى مصر؛ فالمجتمع المصرى تاريخيًا يعيش تناقضًا عميقًا بين استهلاك الفن ورفض صاحبته، وهو إرث ممتد من زمن العوالم والغوازى؛ حيث كانت الراقصة مطلوبة اجتماعيًا ومرفوضة أخلاقيًا فى آن واحد. هذا التناقض البنيوى، كما توثّق الباحثة كاثلين فريزر، ارتبط أيضًا بالطبقة؛ إذ كانت أغلب الراقصات ينتمين إلى شرائح فقيرة أو مهمّشة، ما جعل النظرة إليهن مشبعة بتعالٍ طبقى سبق حركة الاستشراق.

ثم جاءت الحمولة الاستشراقية لتُضخّم هذا الوصم وتعيد صياغته فى شكل أكثر حدّة. فقد اختزل الرحالة الأوروبيون الراقصة المصرية إلى جسد شرقى مثير، كما يظهر فى رسائل الفرنسى جوستاف فلوبير خلال رحلته إلى مصر عام 1849 حين كتب عن كوتشوك هانم: «كانت ترقص أمامى كأن جسدها لا يعرف القيود، جسدٌ خُلق للمتعة». ومع عودة هذه الصور إلى الداخل عبر الكتب والرسومات ثم السينما، بدأ المجتمع المصرى ينظر إلى الراقصة من خلال عين الآخر، فى ما يمكن تسميته بـ «الاستشراق الداخلى»؛ حيث تداخلت النظرة الطبقية مع الأخلاقية ومع الخيال الغربى حول «الشرق المثير».

وقد عمّقت السينما المصرية هذا الاختزال حين قدّمت الراقصة غالبًا كرمز للإغراء أو كعنصر مرتبط بالليل والفساد، لا كفنانة تمتلك مهارات موسيقية وجمالية. ومع تحوّل الرقص فى الفنادق والنوادى الليلية إلى استعراض سياحى يخاطب خيال السائح الغربى، ترسّخت صورة الراقصة كسلعة لا كفنانة، وتضخمت الفجوة بين «المرأة المحترمة» و«الراقصة»، فانعكس ذلك فى اللغة اليومية التى تستخدم كلمة «رقاصة» كإهانة، وفى الإعلام الذى يركز على الفضائح، وفى غياب الحماية القانونية والنقابية للمهنة.

• • •

وسط هذا السياق القاسى، برزت سهير زكى كنموذج ثورى هادئ قاوم الأبوية من داخل المهنة نفسها؛ فقد أعادت تعريف الرقص الشرقى عبر الذكاء الحركى والترجمة الدقيقة للإيقاع، وحوّلت الجسد من موضوع للمتعة إلى أداة موسيقية راقية. وبفضل ثباتها وابتعادها عن الابتذال، استطاعت أن تُفكك الصورة النمطية التى صنعها الاستشراق وعمّقتها الطبقة والذكورية، وأن تفرض احترامًا جديدًا للمهنة، لتصبح مثالًا على مقاومة صامتة لكنها عميقة، مكنتها من فتح ثغرة فى جدار الوصم الاجتماعى الذى حاصر الراقصات لعقود طويلة.

غير أن إرث سهير زكى لم يتوقف عند حدود جيلها؛ فقد تركت وراءها أثرًا ممتدًا أعاد تشكيل علاقة النساء بالرقص، وفتح الباب أمام تحولات جديدة فى العقدين الأخيرين، حين بدأت فئات اجتماعية مختلفة -خصوصًا من الطبقة الوسطى والعليا ــ فى إعادة امتلاك هذا الفن من موقع جديد تمامًا.

ففى السنوات الأخيرة، ظهرت نساء تعلّمن الرقص فى مدارس خاصة أو عبر منصات رقمية، وقدّمنه باعتباره فنًا مشروعًا وحقًا للنساء فى التعبير الجسدى، لا مهنة مرتبطة بالوصم أو الهامش. وقد بدا المجتمع ــ أو جزء منه على الأقل ــ أكثر تقبّلًا لهن، سواء عبر متابعة عروضهن على وسائل التواصل الاجتماعى أو عبر حضورهن فى الفعاليات الفنية. لكن هذا القبول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تغيّر المجتمع فعلًا فى نظرته إلى الراقصة؟ أم أن الانتماء الطبقى هو الذى خفّف من حدّة الوصم، بحيث يُسمح لنساء الطبقة الوسطى بما لا يُسمح لنساء الطبقات الفقيرة تاريخيًا؟ إن هذا التحوّل يكشف أن الوصم لم يكن أخلاقيًا فقط، بل كان ــ وما يزال ــ طبقيًا فى جوهره، وأن ما يبدو «تقبّلًا» قد يكون فى الحقيقة إعادة إنتاج لنفس البنية القديمة، ولكن بوجوه جديدة ومواقع اجتماعية مختلفة.

حياة سهير زكى التى رحلت قبل أيام ليست مجرد سيرة فنانة، بل مرآة تكشف تاريخًا طويلًا من التوتر بين الجسد والسلطة، بين الفن والوصم، بين المرأة والنظام الأبوى. لقد قاومت سهير بتصميم مثابر، بمواجهة بلا صخب أو تصريحات رنانة، واستطاعت أن تعيد تعريف ما يمكن أن يفعله الجسد حين يتحرر من نظرة السوق والاستشراق والطبقة. وربما لهذا السبب تحديدًا، ظل اسمها ــ مثل ذلك السور الفارغ فى طفولتى ــ أكبر من المكان، وأكبر من المنع، وأكبر من كل محاولات إسكات الجمال حين يأتى من امرأة ترقص.

باحثة بمركز جنيف للدراسات

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة