آفات التفكير والوجدان
الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:30 م
هناك ثلاث آفات فكرية ونفسية وإنسانية على الأقل فى المجتمع المصرى تشكل عائقًا أمام التقدم الإنسانى، والشعور بالإنصاف والأمان النفسى، وهى، ليست جديدة، لكنها قديمة متوارثة، مستقرة فى الذهن الشعبى، وقد ازدادت وضوحًا فى السوشيال ميديا التى ينشط عليها العوام. تلك الآفات لا تتغذى فقط على النسيج الاجتماعى، لكنها تفسد سياسات الدولة نفسها التى تتخذها فى سبيل تطوير ممارسات المواطنة وحقوق الإنسان.
أخطر تلك الآفات تبرير أخطاء وخطايا الجانى إذا كان رجلًا، ولوم وإدانة الضحية إذا كانت سيدة أو فتاه. تتكرر هذه الظاهرة فى أحداث كثيرة شغلت الرأى العام. عندما قُتلت الطالبة نيرة أشرف أمام سور جامعة المنصورة، وجدنا من يبرر ويدافع عن الجانى. وفى قضايا أخرى مثل التحرش وملاحقة فتيات فى الطريق العام، يظهر دعاة الفضيلة الذائفة الذين يبررون سلوك الجناة بالإحالة إلى ملابس الفتيات غير اللائقة فى نظرهم، أو ارتياد الفتيات أماكن عامة فى ساعة متأخرة، وكأن ذلك مبرر لاستهدافهن، والنيل من حقوقهن، وكرامتهن، وهو تبرير ذكورى مريض، وكاذب أيضا، لأن هناك سيدات محجبات ومنتقبات يشكين أيضا من التحرش بهن، وهناك حالات تحرش واعتداءات طالت فتيات وسيدات برفقة أشقائهن وأزواجهن. ومن حسن الحظ أن القانون يطبق دون مراعاة لتلك الثقافة المريضة.
الآفة الثانية هى الخوف من ثقافة العار وليس من ثقافة الذنب. يعنى ذلك أن المجتمع لا يخشى الرذيلة، لكنه يخشى الفضيحة، أى لا ينزعج من ممارسة الخطأ، لكن يضطرب حين يفتضح أمره. فلا يتردد البعض فى التهرب الضريبى، أو السرقة، أو التحرش أو حتى كسر إشارة المرور طالما يفعل ذلك فى الخفاء، ولا تطوله يد العدالة. فى المجتمعات التى نالت قسطًا من التقدم يعد الكذب خطيئة كبرى، يترتب عليها عزلة اجتماعية، ولومًا عامًا، وإبعاد من المناصب العامة، إلى هذا الحد تصر تلك المجتمعات أن يكون باطنها مثل ظاهرها. بالتأكيد أفرادها ليسوا ملائكة، لكن يكشفون أخطاءهم، ويسعون لإصلاحها.
أما الآفة الثالثة، فهى التبجح فى الادعاء، من الطبيعى أن يسعى الناس لإبراز أحسن ما فيهم، ولكن المدعين ينسبون لأنفسهم ما ليس فيهم، أو يسرقون تعب وجهد الآخرين. المثال الدرامى على ذلك هو الإصرار على لقب «دكتور» من جانب البعض غير الحاصلين على درجة الدكتوراة، حالة مستشرية فى المجتمع العام، ليس فقط فى الأحاديث الشفهية، ولكن أيضًا فى إصدارات ومكاتبات. ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم؟ وكان أحرى بهم حين يناديهم أحد بلقب دكتور أن يرفضوا ذلك علنًا، مثلما فعلت الأديبة الكبيرة سلوى بكر فى ندوة عقدت مؤخرًا، وأوقفت المتحدث الذى لقبها بالدكتورة، ورفضت أن تنادى بلقب علمى لم تحصل عليه.
قس على هذا السرقات العلمية، وادعاء النسب العائلى للمشاهير، وغيرها، مما أوضحها الأديب العالمى نجيب محفوظ فى إحدى قصصه القصيرة، التى تحمل عنوان الزيف، وقد ادعى فيها الموظف التافه المتحرش على أفندى جبر البطولة، والتصق بالمشاهير مستغلًا الشبه بينه وبين الشاعر الكبير نور الدين.
ثلاث آفات إنسانية، واجتماعية، وثقافية يجب أن يتخلص الناس الراغبة فى التقدم منها، وإلا سوف نظل نحيا غير متسقين مع أنفسنا، وهو أخطر ما نعانى منه لأن النمو الإيجابى فى الحياة من نصيب المتسقين مع أنفسهم، وعلى حد قول الأديب العالمى جبرييل جارسيا ماركيز، «الصدق والصراحة، قد لا تكسبك الكثير من الناس، لكن ستوفر لك أفضلهم رغم قلتهم».
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا