x قد يعجبك أيضا

يوم جعل جابر عصفور ورفاقه من القاهرة المستعادة عاصمة للثقافة العربية (١ من ٣)

الخميس 7 مايو 2026 - 7:30 م

كان ذلك فى زمن اختلط فيه كل شىء عربى بكل شىء؛ ولم يعد ثمة ما يضبط الغرائز والأحقاد والمطامع والتطلعات العربية المتبادلة. فى زمن راح كل واحد من الزعماء العرب يتنفس الصعداء، وقد خُيّل إليه أن تأليبًا ما ضد مصر والقاهرة سوف يسلّمه قيادة الأمة العربية ويمحو دور مصر. باختصار: فى زمن أقل ما يمكننا أن نقول عنه اليوم إنه كان القاعدة البائسة التى منها انطلقت لعبة الانهيارات الكبرى التى نعيش اليوم واحدة من أسوأ وأقبح محطاتها.

كان ذلك فى زمن خُيّل فيه لعدد من البلدان العربية الغارقة فى حكم أيديولوجى متهاوٍ أن مصر قد انتهت، انطلاقًا من محاصرتهم لها ردًا على ما فعله رئيسها أنور السادات، فى حين أن ما فعله السادات كان، فى ذلك الحين وفى رأيه على الأقل، وسيلته الوحيدة لاستعادة أرض مصر وكرامتها، بعد سنوات من هزيمة يونيو المدوية، والتى كانوا هم أنفسهم جزءًا من مسبباتها، طواعية أو غباء، لا فرق!

المهم؛ فى ذلك الوقت، وهو النصف الثانى من سنوات الثمانين، وكانت مصر لم تبرأ بعد من الارتباك الذى سادها إثر اغتيال أنور السادات، وعدد كبير من أبناء مصر يضطرون لسلوك دروب المهاجر بحثًا عن الرزق، يسير فى ركابهم عدد من كبار مثقفى المحروسة، من الذين، ويا لغرابة الأمر، آثروا أن يلتجئوا إلى حماية دكتاتوريات البعث وما هو أسوأ من البعث، هربًا من بلدهم، فى البداية لدوافع سياسية، ولكن بعد ذلك وبالتدريج لمبررات معيشية تمثلت، ويا للأسف، فى مؤلفات وصحف راحوا يصدرونها، أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها عانت من غياب العقل المصرى الحقيقى، الذى غاب كذلك عن القاهرة، وراح مؤلفون مصريون، غير مصريين، يتبارون فى تمجيد صدام حسين أو القذافى، حافظ الأسد أو حتى زين العابدين بن على… نكاية بالسادات وبمن حل بعد السادات، طالما ظلت الصناديق تُفتح والأموال تُغدق.

لقد أسفر ذلك عن انهيار ثقافى لا يضاهيه أىٌّ من الانهيارات السياسية أو العسكرية التى سبقت ذلك. وفى هذا المضمار وقف، بين شرفاء آخرين – وكانوا قلة على أية حال – مثقفٌ نظر إلى ذلك المشهد المحزن الذى مثلته مصر، وقد خلت من العرب الذين كانوا يعتبرونها مرجعهم ووطنهم من قبل، وربما طوال القرن العشرين، ونظر بأسى إلى رفاقه وزملائه وقد انتشروا فى مشارق العواصم العربية ومغاربها، التى راحت تتناهشهم لمجرد أن تنال من وطنهم وهيبته.

هذا الرجل كان جابر عصفور.

لقد سأل جابر عصفور نفسه عمّا يمكن فعله أمام ذلك المشهد المصرى المريع. فكان الجواب الأول الذى خطر فى باله هو أن ما يجب، وليس فقط ما يمكن فعله، هو عودة العرب إلى مصر، وبالتالى عودة مصر إلى العرب. كان يعرف أن الأمرين يتسمان بقدر هائل من الصعوبات، وفى أولها الصعوبات المالية، إلى جانب الصعوبات السياسية والحصار الخانق الذى تتعرض له مصر. فالعواصم البعثية وشبيهاتها تدفع وتدفع كثيرًا من أموال الشعوب ثمنًا لاجتذاب "المثقفين"، وبخاصة المصريين منهم، وتحويل مراكز الثقل فى الحراك الثقافى العربى – الذى هو حراك سياسى أولًا وأخيرًا – من القاهرة إلى مدن لم تنكر القاهرة يومًا شراكتها لها فى النهضة الثقافية العربية الحقيقية، لكن تلك أنكرت على مصر ذلك. أنكرته لإيمانها بأن استيقاظ القاهرة من غفوتها يعنى سقوط مشاريعها هى، التى تقوم على إبقاء القاهرة غافية.

بالنسبة إلى جابر عصفور، كانت العملية، رغم صعوباتها، مشروعة وممكنة. ومن هنا، حين رصد فى بلاده آفاق انفتاح تُبديها السلطات الجديدة، تمسك بالأمل. صحيح أنه لم يكن وحده، ولم يرد أن يكون وحده، لكنه هو عرف كيف يقود حملة داخل بلاده، أوصل تفاصيلها إلى أعلى مستويات السلطة، إلى الرئيس حسنى مبارك والمحيطين به. وتفاصيلها كانت تختصر بعبارة واحدة: يجب أن تستعيد القاهرة دورها الثقافى فى العالم العربى.

ولقيت الحملة ذلك التجاوب الذى نعرف، ليشتغل جابر عصفور من خلال المجلس الأعلى للثقافة على مشروع ربما يكون الأخطر فى تاريخ الثقافة المصرية الحديث: مشروع إعادة الثقافة العربية إلى مصر، واستعادة اهتمام مصر بالثقافة العربية.

وطبعا لا يتسع المجال هنا للدخول فى تفاصيل ما فعله جابر عصفور خلال سنوات قليلة، منذ تمكن من أن يضم صوت القصر الجمهورى إلى صوته، معبرًا ليس فقط عن جهوده الشخصية، بل عن جهود عدد من مثقفين كبار آخرين شاركوه همه، ولكن أيضًا معبرًا معهم عن جهود وزير استثنائى للثقافة هو فاروق حسنى، الذى وجدوا فيه، كما فى زوجة الرئيس السيدة سوزان مبارك، خير داعمين لمشروع العودة والاستعادة، ولكن أيضًا لعدد من مشاريع أخرى، كلها – فيما يهمنا هنا – ثقافية، تشتغل على خطين: من ناحية إعادة المثقفين المهاجرين إلى وطنهم، ومن ناحية ثانية استعادة الدور العربى لمصر فى الميدان الثقافى، بالطبع فى انتظار عودتها السياسية التى كانت تبدو أكثر صعوبة.

ولئن كنا نفضل أن نترك لغيرنا هنا الجانب السياسى من الموضوع، فإن المهم بالنسبة إلينا هنا هو الناحية الأولى. فإذا استثنينا بعض الذين أصروا على ديمومة ارتباطاتهم بالدكتاتوريات العربية لأنها، فى رأيهم، أكثر إقناعًا لهم أو أكثر مردودًا، لاحظنا طوال تلك المرحلة عدة أمور قد لا يكون لبعضها علاقة بنشاطات جابر عصفور المباشرة، حيث أُسندت عمليات إصدار أو إعادة إصدار المطبوعات الثقافية الممولة من مؤسسات الدولة إلى كثر ممن كان مغضوبًا عليهم من قبل، وصدرت مطبوعات جديدة استفادت من خبرات اكتسبها مصدروها فى الخارج، وذلك فى وقت نهض فيه مشروع "مكتبة الأسرة" تحت رعاية السيدة الأولى فى ذلك الحين، والتى بذلت جهودًا كى تدفع الأثرياء ورجال الأعمال إلى تمويل ملايين النسخ من أمهات الكتب المصرية النافدة من الأسواق أو الممنوعة من النشر، وإدخالها بقروش زهيدة إلى كل بيت مصرى، وكذلك إلى بيوت غير مصرية، ما خلق إحدى ديناميات كبرى للتداول الشعبى للكتب فى العالم العربى.

فى إطار ذلك النشاط الذى أذهلنا جميعًا بديناميته وانفتاحه وسرعة تحوله من المشروع النظرى إلى الفعل العملى، لعب جابر عصفور دورًا أساسيًا، وذلك بالتحديد من خلال ما كان ألزمه على نفسه بأن يجعل من القاهرة، ومن جديد، عاصمة للثقافة العربية المتقدمة والمتحركة، والتى تجارى العصر وتطلعات الفئات الأكثر تنورًا من الطبقات المثقفة، والتى لا يمكن المماراة فى كونها تزداد فى مصر اتساعًا وتطلبًا، والتصاقًا بالطبقات الشعبية.

ولا يمكن للمرء أن ينكر فى هذا السياق أن إبداع جابر عصفور عرف كيف يستفيد من حماسة الفنان، الذى كانه فاروق حسنى كوزير للثقافة، كما من ديناميكية معظم أولئك الذين سلّمهم هذا الأخير مقدرات حركة النشر وهيئات السينما ودور الكتب والمكتبات العامة وشئون المسرح وحتى الرقابة، وما إلى ذلك من أمور تتعلق بالثقافة والثقافة الجماهيرية، ليحوّل تلك الفسحة الهائلة التى تُعرف اليوم بالأوبرا إلى فضاء مدهش، صار مع الوقت أشبه بجمهورية ثقافية عربية حقيقية، لعل فى وسعنا أن نفترض أنها تمكنت فى سنوات قليلة من أن تحل حتى محل باريس، العاصمة الفرنسية التى كانت، خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، قد شغلت مكانًا أساسيًا فى عالم الثقافة العربية، ولا سيما مستفيدة فى ذلك من غياب القاهرة.

وهذا ما سوف نطل عليه فى المقال المقبل بالتأكيد.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة