x قد يعجبك أيضا

حكاية شغف.. «الإرهابى» الذى نشر «نابليون» كوبريك وأعمال زها حديد الكاملة

الخميس 5 مارس 2026 - 7:15 م

فى مقالنا السابق فى هذه الزاوية، أشرنا إلى الكيفية التى جعل بها الناشر الألمانى «طاشن» من هوسه بغرائب الكتب وبالفنون عموما مدخلاً مكّنه من تحويل المشروع السينمائى الأخير للمخرج ستانلى كوبريك، وهو مشروع عن نابليون الذى لم يتمكن من تحقيقه أبداً، إلى مغامرة مدهشة فى عالم النشر، إذ خصّ ما أعده كوبريك للفيلم العتيد من أوراق ورسوم ونصوص ورسائل بكتاب ضمن إطار منشوراته، أسفر فى نهاية الأمر عن واحد من أهم وأجمل الكتب فى عالم المنشورات السينمائية.


والحقيقة، وكما ألمحنا فى ذلك المقال، أن ما من شىء كان يساند بنديكت طاشن فى تحقيقه لمشروع الكتاب سوى هوسه بالكتب وحبه للفنون. وهما الهوس والحب اللذان جعلاه، قبل عقود من الآن، وفى وقت يتراجع فيه الكتاب بصورة عامة، يسير عكس التيار فيؤسس تلك المنشورات التى شغلت عالم المهنة والهواة فى زمن كان كل شىء ينبئ بأن المغامرة فاشلة لا محالة. غير أن لهذا كله حكاية جديرة بأن تُروى، وتحديدا لأنها إنما بدأت مع فتى بالكاد خرج من سن المراهقة ليجد نفسه فى زنزانة، سوف يخرج منها بعد شهور غير دارٍ بما سيعمل ويكون عليه مصيره.


اسم الفتى بنديكت طاشن. وهو لم يكن مسجونا لجرم عادى، بل لكونه قد اعتُقل قبل ذلك بسنوات كعضو فى التنظيم الإرهابى المعروف باسم «بادر ماينهوف»، الذى تمكنت منه السلطات الأمنية فى ألمانيا بعد مجموعة عمليات قاتلة اقترفها فى زمن النشاطات المتطرفة. ونعرف طبعا أن زعيمة وزعيم التنظيم قد انتحرا فى السجن، كما حال أعضاء آخرين، بينما واصل الباقون سنوات أحكامهم ضائعين وربما نادمين على ما فعلوا. والحقيقة أن تلك لم تكن حال بنديكت، أولا لأنه ابن عائلة موسرة فى مدينة كولن، وثانيا لأنه كان الأصغر سنا بين «الإرهابيين»، ولا تكبله أية مسئوليات حقيقية. كل ما فى الأمر أن باله انشغل فى آخر أيامه قبل إطلاق سراحه المشروط بالكيفية التى سيدبر بها حياته، وهو يعرف أنه لم يُتح له، لا فى السجن ولا فى الحياة العامة قبله، أن يتعلم مهنة، كما أنه لا يريد الاتكال على والديه... كان المستقبل غامضا بالنسبة إليه.


المهم أنه خرج من السجن فى الوقت المحدد، واتجه من فوره إلى البيت العائلى. وفى البيت العائلى ما لبث أن نزل إلى القبو الذى كان يشغله وحده قبل ذلك. ومن فوره راح يقلب فى ألوف كتب الشرائط المصورة التى كان جمعها وقراءتها يشكلان جزءا كبيرا من حياته وشغفه قبل انضمامه إلى المجموعة الإرهابية. لقد غرق بنديكت بين كتبه الزاهية الألوان وذات الحكايات والصور الممتعة. لكنه، وبعد أسبوع أو أسبوعين من التقليب فى مجموعاته، تبين له أنه يملك نحو عشرة آلاف كتاب فى ذلك المجال نفسه، لكنه لم يعد يشعر بأن لذلك كله أهمية فى حياته، هو الذى فى مكتبة السجن كان يهتم أكثر ما يهتم بكتب الفن والتاريخ. أما الآن فها هى فكرة جديدة تطارده، وما إن تبلورت لديه حتى ابتسم لنفسه صارخا: «وجدتها!».


صحيح أن كل الذين فاتحهم بالأمر نصحوه بالتراجع، لكنه أدرك أنه يقبض الآن على ما خُيّل إليه أنه مستقبله الجامع بين إمكانية العيش والشغف الذى بات يستبد به. لقد قرر أن يؤسس دارا للنشر تنتج كتبا بديعة الألوان والإخراج، تهتم بشتى أنواع الفنون بأناقة زهيدة الكلفة إلى حد يجعلها من الكتب الأكثر مبيعا، فى الفن التشكيلى والعمران والسينما وحكايات المدن والسير، وكل ما كان كل الذين يفاتحهم فى الأمر يؤكدون له أن ليس لها زبائن. أما هو فقال لنفسه: «فى الوقت الذى سأخلق فيه الكتب عبر سلاسل مغرية إلى أبعد حدود الإغراء، سوف أخلق جمهورا جديدا للكتاب، وسنرى بعد ذلك ما يحدث!». ولكن السؤال الأصعب كان: من أين سآتى بالمال اللازم للانطلاق؟


كان من غريب الصدف أن هذا السؤال خطر له وهو جالس مهموما فى قبوه وسط خزائن ورفوف تحتوى على مجموعاته من كتب الشرائط المصورة. وكان لا يتوقف خلال تلك المرحلة عن التساؤل عما يمكنه أن يفعل بعشرة آلاف ألبوم؟ «حسنا، قال بشىء من التردد، سأبيعها، فما حاجتى بها أنا الذى أحفظها عن ظهر قلب؟ ستكون هى رأسمالى، فإن أخفق مشروعى أكون قد تخلصت من عبء بات ثقيلا على حياتي!". وانتهى الأمر به إلى بيع المجموعة واستخدام القبو الفارغ لإنتاج أول مجموعة من الكتب، كانت عبارة عن «ألبومات» تتعلق بأعمال وحياة أعظم الفنانين التشكيليين.


وأذكر أنا من ناحيتى أننى اشتريت أول إصدار فى هذه السلسلة وأنا أدرس فى لندن أواخر سنوات السبعين، فعشقت النص واللوحات. ولعل الكتاب كان «مونوغرافيا» عن فنسنت فان غوخ. وكان ثمن النسخة لا يزيد على ثمن سندويتش «فيش أند شيبس». وأذكر أننى كنت أحمل تلك النسخة فيما كنت مع الصديق الراحل تريم عمران، الذى كنت خلال دراستى النقد والسيناريو فى معهد الفيلم البريطانى أكتب مقالات لصحيفة «الخليج»، التى كانت تصدر وتطبع فى الكويت رغم أنها صحيفة من الشارقة.


أحب تريم الكتاب، وإذ توجهنا معا فى اليوم التالى لنشترى نسخة له من مكتبة قريبة، فوجئنا بأن ثمة أربعة كتب أخرى صدرت من السلسلة نفسها، فاشترينا من جديد وانطلقنا فى مغامرة طريفة: تريم فى الشارقة وأنا فى لندن، نتابع كل ما يصدر من تلك الكتب الرائعة الجمال والزهيدة الثمن، دون أن يخطر فى بالى أو فى بال تريم الحكاية التى تختبئ وصاحبها خلف تلك الكتب الممتعة.


لقد تابع بنديكت مغامرته وشغفه بالكتب، فيما انشغل تريم بمئات الانشغالات الأخرى وغاب عن نظرى. لكنى أنا لم أتوقف عن اقتناء ما هو زهيد الكلفة من إصداراته. وإصدارات «طاشن»، لئن كانت أول الأمر تصدر فى كولن الألمانية، المركز الرئيسى لدار النشر، فإنها سرعان ما باتت تصدر فى الوقت نفسه وفى عدد من اللغات فى فروع للدار منتشرة بين كولن وطوكيو ولندن وباريس ونيويورك.


ولكن مع فارق لا يُستهان به: إذا كانت منشورات «طاشن» قد اقتصرت أول الأمر على إصدار كتبها الشعبية، والشعبية رغم أناقتها المفرطة وغالبا بسعر الكلفة، فإن أمور الكتب تطورت بحيث إن الدار نفسها ستصدر، قبل سنوات قليلة من الآن، كتابا حول تاريخ سيارة «فيرارى» الإيطالية، أو حول الدالاى لاما، أو محمد على كلاى – ومنذ فترة عن الرسام الإنجليزى ديفيد هوكنى – بأسعار لا تقل عن 25 ألف دولار مقابل نسخة لكتاب «الفيرارى» أو ذاك الذى يروى حكايات الدالاى لاما، وبـ10 آلاف دولار لكتاب كلاى، أو 4 آلاف دولار لكتاب هوكنى.


وهذه اللائحة تطول وتتنوع، بحيث إن فى وسع الهاوى أن يشترى كتاباً عن المعمارية العراقية الراحلة زها حديد بسبعة دولارات للنسخة الواحدة، كما فى وسعه أن يشترى كتابا آخر عنها، نُشر بعد رحيلها وأصدرته الدار نفسها، ويضم تصاميم مشاريعها، مقابل ألف دولار للنسخة وعشرة آلاف لنسخة فاخرة.


يقينا أن ذلك كله هو ما مكّن بنديكت طاشن، الذى يشرف بنفسه ومنذ الثامنة صباحا كل يوم على أن يهتم بكل كتاب تصدره داره، سواء كان ثمن نسخته عدة دولارات أو عدة ألوف منها، من أن «يغامر» بإصدار كتاب «نابليون» الذى تحدثنا عنه قبل أسبوع... بدافع الشغف ومن طريق التحدى العنيد لمن يرددون ليلا نهارًا أن الكتاب يموت.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة