إن الظهور العلنى الأول لرئيس الولايات المتحدة منذ أن بدأ الحرب مع إيران كان (الإثنين الماضى) خلال مراسم منح أوسمة فى البيت الأبيض. صحيح أنه نشر يوم السبت خطابًا مدته ثمانى دقائق فى الإنترنت، لكنه اختفى منذ ذلك الحين، وخصص فى افتتاح المراسم ست دقائق فقط للحديث عن الحرب، وبدا عليه الملل، ثم قبل أن يتجه إلى منح الأوسمة للجنود الذين أُصيبوا، أو قُتلوا فى حروب سابقة، تفرّغ الرئيس الأمريكى للحديث بإسهاب عن الموضوع الذى يهمّه حقًا.
-وحسبما يتضح، يومًا بعد يوم، دخل ترامب الحرب مع إيران من دون استراتيجية، ليس فقط للخروج منها، بل حتى للدخول فيها؛ وبحسب تحذير منافِسته فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن ترامب رجل غير جاد، لكن تبعات أفعاله جدية للغاية.
-استخدم ترامب لغة تتحدث عن التحرير وتغيير النظام فى الفيديو الذى نشره فى شبكته الاجتماعية يوم السبت، وقال: «أقول للأمة الإيرانية العظيمة والفخورة إن هذا هو وقتكم للحصول على الحرية؛ عندما ننتهى، خذوا زمام الأمور فى حكومتكم. طوال أعوام، طلبتم المساعدة الأمريكية ولم تحصلوا عليها. لا يوجد رئيس مستعد لفعل ما أفعله الليلة»، هذا الخطاب المباشر للإيرانيين فُهم أنه دعوة إلى إسقاط النظام.
-بعد يومين، عندما ظهر أمام الجنود وعائلاتهم فى البيت الأبيض، بدا ترامب مختلفًا؛ فلم يلمّح حتى إلى تغيير النظام، وبدلًا من ذلك، عرض أربعة أهداف جديدة للحرب: تدمير برنامج الصواريخ الإيرانى؛ القضاء على الأسطول البحرى؛ منع إيران من الحصول على سلاح نووى؛ وضمان ألّا يستطيع النظام الإيرانى تمويل وتشغيل منظمات وكيلة من اليمن إلى لبنان.
-قبل وقت قصير من تصريحات ترامب، عقد البنتاجون مؤتمرًا صحفيًا رسميًا أكثر، فى محاولة لتنظيم الصورة أمام الجمهور الأمريكى. لم يُطرح هناك أيضًا كثير من الأسئلة الصعبة، لأن الوزير بيت هيجسيث قام بتطهير غرفة الصحفيين فى البنتاجون واستبدلهم بمؤثرين من حركة MAGA وقال: هذه ليست حرب تغيير نظام، مثلما تسميها وسائل الإعلام، لكن لا شك فى أن النظام ربما تغيّر. وكرّس معظم حديثه لمهاجمة الصحفيين، بدلًا من مناقشة الحرب.
-لقد اختفى قليلٌ من رباطة الجأش التى نجح فى إظهارها عندما طرح أحد الصحفيين سؤالًا بديهيًا: «يريد الناس أن يعرفوا لماذا يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى الحرب، وما إذ كانت الحرب ستتوسع وتتصاعد»، فردّ هيغسيث بغضب: «ألم تستمع إليّ عندما تحدثت؟ نحن نضمن إنجاز المهمة، خلافًا لرؤساء سابقين اختاروا سياسات غبية وأدخلوا البلد فى حرب من دون أهداف واضحة».
-رفض هيجسيث تقديم معلومات أساسية، لكن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، الذى تحدث بعده، تطرّق إلى ما يعرفه معظم الأمريكيين ويفضل ترامب تجاهله: الجيش الأمريكى الضخم قادر فعلًا على إسقاط نظام هش، لكن التجربة فى العراق وأفغانستان وفيتنام تُظهر أن تغيير النظام مسألة أكثر تعقيدًا. وقال كين: «إن العمل بدأ للتو، وسيستمر»، معترفًا أمام جمهور أمريكى قلِق بالتورط فى الحرب.
-كانت مراسلة «واشنطن بوست» ناتالى أليسون، على الأرجح، أول مَن تلقى اتصالًا مفاجئًا من الرئيس فى منتجعه فى جنوب فلوريدا، يوم السبت فى الرابعة فجرًا (بتوقيت الولايات المتحدة)، بعد ساعة ونصف الساعة على إعلان الحرب فى الإنترنت. قال لها: «إن كل ما أريده هو الحرية للشعب الإيرانى؛ أنا أدعو الإيرانيين: خذوا حكومتكم. لن تُتاح لكم فرصة كهذه لأجيال».
-لكن الحماسة الأولية خفّت سريعًا. بعد ساعة تقريبًا، نشر موقع «أكسيوس» مقابلة أُخرى مع ترامب أجراها المراسل باراك رافيد، فقال ترامب: «يمكننى أن أطيل الحرب، أو أنهيها خلال يومين، أو ثلاثة، وأقول للإيرانيين: أراكم مرة أُخرى بعد بضعة أعوام، إذا بدأتم ببناء الصواريخ والنووى».
-ومنذ السبت، يبدو كأن ترامب أدرك أن اغتيال عشرات المسئولين لا يُسقط نظامًا أثبت، قبل شهر فقط، قدرته على قتل عشرات الآلاف من المعارضين إذا رفعوا رءوسهم؛ ويوم الأحد، غيّر ترامب اتجاهه مرة أخرى فى حديث مع مراسل النيويورك تايمز زولان كانو - يونجس، وقدّر أن الحرب «ستستمر أربعة، أو خمسة أسابيع»، وأضاف أنه يفكر فيمن سيقود إيران الآن، و«لدىّ ثلاثة خيارات جيدة».
- ويوم الإثنين الماضى، غرّد مراسل ABC جوناثان كارل أن ترامب تحدث معه أيضًا، لكنه كشف له، بصراحته المعهودة، كيف أربك ضباب الحرب آماله بحلّ على طريقة فنزويلا، أى إيجاد شخصية من داخل النظام. واعترف الرئيس لكارل بأن المرشحين الإيرانيين الثلاثة الذين لم تُكشف هوياتهم لم يعودوا متاحين لتولّى المنصب. وقال: «كانت ضربتنا ناجحة إلى درجة أنها قضت أيضًا على مرشحينا "القائد الإيرانى المقبل"، ولا يمكن أن يكون أيًا ممن فكرنا فيهم، لأنهم قُتلوا جميعًا، حتى إن المرشحين الثانى والثالث قُتلا».
نتنائيل شلوموفيتس
هآارتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية