حكايات طائرة
الخميس 5 مارس 2026 - 7:16 م
الخوف من ركوب الطائرات ظاهرة معروفة، وكان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب من أشهر الذين عُرف عنهم خوفهم الشديد من استخدام الطائرات، لكنه بالتأكيد ليس وحده. التقيتُ بأصدقاء ومعارف لديهم خوف مَرَضى من الطيران، وهكذا فما أن تُقلع بهم الطائرة حتى يلتصقوا بمقاعدهم يتلون آيات القرآن أو الإنجيل،لا يقدرون على النوم ولا يغمض لهم جفن مهما طال السفر. وعلى المستوى الشخصى لا أشعر بالخوف من ركوب الطائرات، مع أن فى طفولتى فقدنا أحد الأقارب فى حادث طائرة بعد أن قرّر فجأة تغيير موعد رحلته واختار رحلة الطائرة التى سقطَت.
أما الشعور الذى يلازمنى عادةً فهو الشعور بالملل، ومع أننى أتسلّح عادةّ بكتاب أو رواية فى الرحلات الطويلة، إلا أننى لا أستريح لفكرة أن أنام وأصحو وأقرأ وآكل فى داخل صندوق مغلق غير متجدّد الهواء. وأثناء انتشار وباء كورونا كنّا نضطر لوضع أقنعة على وجوهنا أثناء السفر، وبالتالى كان يضاف إلى التبرّم من طول المسافة الشعور الفظيع بالاختناق. وعندما كانت تتاح لى فرصة لمشاهدة فيلم على الطائرة فإننى لم أكن أتردد فى اختيار الأفلام باللونين الأبيض والأسود، ولذلك ففى رحلتى الأخيرة إلى كندا ظللتُ أتنقّل بين عناوين الأفلام لممثلين جدد أعرف القليل منهم، إلى أن توقّفت عند أحد أفلامى القديمة المحبّبة الذى شاهدته ما لايقّل عن خمسين مرة :"فيلم الرجل الثاني". وبسرعة نشطَت ذاكرتى السينمائية ورحتُ أستعيد الجُمَل الحوارية المأثورة لأبطال الفيلم من أول: وحياة طنط كيما اللى ما احلف بيها كدب أبدّا لعصمت كاظم أو رشدى أباظة، وحتى: الجنيه المصرى الذى تغيّره الراقصة سمرا أو سامية جمال باتنين دولار ونص مع قُبلة لأحد السائحين الأجانب. هذه الأيقونات لن يعرفها إلا محبّو الفيلم وأبطاله. لكن هذا كله لم ينجح فى تبديد الشعور بالملل، وسوف تكون مفاجأة لطيفة لو تمكّن الذكاء الاصطناعى من اختراع طريقة نصل بها إلى وجهة سفرنا فى نفس اللحظة التى نقطع فيها تذكرة السفر.
• • •
توجد ذكريات طريفة فى ذهنى عن السفر جوّا، أختار منها ثلاثّا. الأولى عن زيارتى الوحيدة لإيران فى نهاية التسعينيات، وبحكم أنه لا يوجد خط مباشر بين القاهرة وطهران كان السفر يتم عن طريق الدوحة. انتهت الندوة التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت بالتعاون مع معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، واتخذ الوفد العربى طريقه للمطار. جاء دورى فإذا بمسئول الجوازات يخبرنى بأنه ليست لى تذكرة من طهران للدوحة على هذه الرحلة لكن تذكرتى من الدوحة للقاهرة موجودة.. نننننعم؟ ما هذا الكلام العجيب وأين ذهبَت تذكرة للدوحة؟. حاولتُ بكل الطرق إقناع المسؤول بأننى مستعدة للسفر مع زملائى على نفس الرحلة بأى طريقة.. ولو حتى وقوفًا وكنت طبعًا أبالغ، لكن لا حياة لمن تنادى. وفى الأثناء كانت لأحد أعضاء الوفد العربى مشكلة أخرى، إذ كان عليه أن يدفع ضريبة جمركية مرتفعة على شحنة كتب كبيرة كان قد أخبرنا أنه اشتراها بحرّ ماله حبا فى الثقافة والاطلاع، وأثار سخاؤه إعجابنا فى حينه. أما وقد اكتشف زميلنا ذو السمعة العلمية الرفيعة جدًا أن الكتب باهظة التكلفة فإنه اضطرّ للتصريح بأنها هدية من آية الله فلان الفلانى أخذها من باب أن النبى قَبِل الهدية. كانت مشكلة هذا الزميل على غرابتها تشعرنى بنوع من الراحة، والنفس البشرية أمّارة بالسوء، فكلانا لن يصعد الطائرة وإن اختلفَت الأسباب، وبالتالى لن أتخلّف وحدى وسأجد بعض الوَنَس. لكن المفاجأة أن مشكلته حُلّت بطريقةٍ ما، وظلّت مشكلتى أنا معلّقة حتى ما قبل إغلاق باب الطائرة بربع ساعة تقريبًا. دبّروا لى تذكرة سفر للقاهرة ولم أصدق أننى نجوت. أخذتُ شادورى فى أسنانى وانطلقتُ كما ينطلق السهم على الممر الطويل المفضى إلى الطائرة. وبينما أنا أهرول لاهثة نبهنى أحد حرّاس الأمن إلى وجوب التمهّل لأن كعب حذائى يدّق على الأرض، وهذا غير مقبول. بَرطَمت بالعامية المصرية وكتمتُ غيظى وواصلتُ الجرى.
• • •
والثانية تخصّ رحلة الطائرة التونسية المغادرة إلى القاهرة بعد ندوة حاشدة عن المشاركة السياسية للمرأة العربية. كانت هذه الرحلة فى صحبة أستاذة جامعية مصرية مرموقة تشغل منصبًا أكاديميًا كبيرًا، وبالمصادفة وبدون تنسيق بيننا اشترينا ترابيزتين صغيرتين عليهما قِشرة رقيقة من الفضة وفى المنتصف يوجد قرص زجاجى سميك. ترددنا فى وضع الترابزتين فى مخزن الطائرة خوفًا عليهما من الكسر، فقررنا الصعود بهما للطائرة. أثار منظرنا غضب مدير المحطة الذى جاء ليتفقّد الرحلة ويتأكد أن كله تمام، وبعد أن كان قد اعتزم إرسالهما لمخزن الطائرة عدل عن رأيه مشترطًا أن نجلس على آخر مقعدين فشكرناه بشّدة وقلنا سمعًا وطاعة. تغاضينا عن التكشيرة التى علت وجهه واتخذنا طريقنا بهدوء إلى حيث أشار لنا بسبابته. شاءت الظروف أن تكون الرحلة مليئة بالمطبّات الهوائية وهذا متوقع فى شهر يناير. أما وجه الطرافة فهو أنه فى كل مرة كانت تمّر فيها الطائرة بمطّب هوائي- كانت الترابيزتان تنزلقان وتندفعان إلى الأمام فنجرى لنطاردهما فيما بين المقاعد وقد اختلطَت ضحكاتنا بمشاعر الإحراج. وعندما نزلنا إلى مطار القاهرة مدججتين بالترابيزتين الثمينتين لفتتنا دهشة زوجينا إلى أن هناك شيئًا ربما كان يستدعى الدهشة وما كنا قد التفتنا إليه.
• • •
الثالثة تخصّ رحلة إلى دولة الإمارات وهى رحلة اعتدت عليها وعلى تفاصيلها من عدة سنوات حتى حفظتها عن ظهر قلب، لكن رحلة ذلك اليوم كانت مختلفة. صعدنا إلى الطائرة وبدأنا فى الاستعداد للإقلاع، ثم علمنا أن هناك عطلّا فنيّا فى الطائرة جارى التعامل معه، وهو ما يعنى وجود تأخير لمدة تقرب من الساعة. تفهّمت الاعتذار المهذّب لطاقم الطائرة، ولم يساورنى القلق، فإما إصلاح العطل الفنى ونطير وإما تغيير الطائرة.
ونطير أيضًا. لكن هذا لم يكن هو حال الراكبة فى المقعد المجاور لى، بدأَت تتوتّر وتبسمل وتحوقل وتستفسر وتتصل. فكرتُ للحظة أن أمازحها فى موضوع العطل الفنى هذا، بأن أحكى لها حكاية مشهد لطيف جدًا، من فيلم"إسماعيل يس فى الطيران"، لكنى خفت أن أزيد الطين بلّة وبالتأكيد كنتُ سأفعل. ففى الفيلم حاول البطل إسماعيل الذى كان يعمل كدوبلير سينمائى إصلاح عطل فنى فى إحدى الطائرات بدلًا من أخيه التوأم حسين مهندس الطيران- فإذا به يتخلّص من أجزاء الطائرة جزءًا جزءًا على أساس أنه لا لزوم له، حتى ترك الطائرة فى النهاية تبدو كمثل البطة العرجاء. لم أحكِ عن المشهد لجارتى فى المقعد كى لا أستفّزها، لكن مجرد تذكّره رسم ابتسامة على وجهى، لست أعرف كيف فسّرتها هى بالضبط، فلا شئ كان يدعو للابتسام فى رأيها. أما أنا فكان ظنّى أن لطف الله حاضر فى كل وقت، وبالفعل أقلَعَت الطائرة بعد ساعة بالضبط ووصلنا بالسلامة.
• • •
كثيرًا ما تمنّى الأدباء والشعراء أن تنبت لهم أجنحة يحلّقون بها ويطيرون. وهذه أمنية لطيفة جدًا لا يحتاج معها الطيران لتدبير تذكرة سفر من طهران للدوحة، كما أن احتمال العطل الفنّى ونحن متجهون إلى دبى غير وارد، فالأجنحة الربّانية لا تعطب. فقط تبقى مشكلة ترابيزة تونس فكيف كان السبيل إلى حلها لو لم تصعد معنا إلى الطائرة؟
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا