x قد يعجبك أيضا

التفكك العربى وغياب الثقة.. حين تُضعف الفردية المصير المشترك

الخميس 5 فبراير 2026 - 6:40 م

لم يكن التفكك العربى حدثًا طارئًا ولا نتيجة لحظة سياسية عابرة، بل هو مسار تراكمى تشكّل عبر عقود من الإخفاقات المتتالية، وسوء إدارة الخلاف، وغياب الثقة بين الدول العربية.
بدلا من بناء العلاقات العربية – العربية على أسس الشراكة والمصير المشترك، ظلت أسيرة الشكوك المتبادلة والهواجس الأمنية، حتى باتت فكرة العمل العربى الجماعى أقرب إلى الشعار منها إلى الممارسة الفعلية. وفى ظل عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القوية، وجد العرب أنفسهم متفرقين، كل دولة منشغلة بذاتها، تحاول النجاة منفردة ولو على حساب الإطار العربى الأوسع.
ويمثل إرث الصراعات العربية – العربية أحد أكثر العوامل إيلامًا فى تفسير هذا التفكك. فمنذ الاستقلالات الوطنية، دخلت الدول العربية فى نزاعات سياسية وأيديولوجية حادة، تارة باسم القومية، وتارة باسم الشرعية، وتارة أخرى بدعوى حماية الأمن القومى. وتحولت الخلافات الطبيعية بين الدول إلى خصومات مزمنة، غذّتها الانقلابات، والحروب الإعلامية، والتدخلات المتبادلة فى الشئون الداخلية.
مع مرور الوقت، ترسّخ هذا الإرث فى الذاكرة السياسية العربية، فأصبح الماضى الثقيل حاضرًا دائمًا يعطل أى محاولة لبناء ثقة جديدة أو فتح صفحة مختلفة.
وتعمّق هذا الواقع أكثر مع اختلاف الرؤى حول مفهومى «العدو» و«الحليف». ففى حين يفترض منطق العمل الجماعى وجود تصور مشترك للتهديدات والتحديات، عجز النظام العربى عن بلورة تعريف موحد لمصادر الخطر، فهناك دولة ترى فى طرف إقليمى تهديدًا وجوديًا، وأخرى تعتبره شريكًا أو وسيطًا ضروريًا، وثالثة تفضل النأى بنفسها عن الصراعات. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف فى وجهات النظر، بل تحول إلى سياسات متناقضة أربكت الموقف العربى وأضعفت قدرته على التفاوض أو الردع. والأسوأ أن بعض الدول العربية باتت تستقوى بتحالفات خارج الإطار العربى، ما زاد من هشاشة الثقة المتبادلة وعمق الانقسام.
وقد شكلت المصالح الاقتصادية والأمنية بدورها ساحة صدام صامتة ولكنها مؤثرة. فبدل أن تكون الموارد العربية الهائلة عامل توحيد وتكامل، تحولت فى كثير من الأحيان إلى مصدر تنافس وريبة.
كما اختلفت أولويات التنمية، وتباينت نماذج الاقتصاد، وتعارضت السياسات النفطية والتجارية، دون وجود آليات فاعلة لإدارة هذا التناقض.
وعلى المستوى الأمنى، غلبت المقاربات القطرية الضيقة، فصارت كل دولة تنظر إلى أمنها بمعزل عن أمن جيرانها، غير مدركة أن الخلل فى أى جزء من الجسد العربى سرعان ما ينتقل إلى الأجزاء الأخرى.
فى هذا السياق، برز نمط خطير من السلوك السياسى، يتمثل فى تصرف كل دولة منفردة وفق حساباتها الخاصة، اعتقادًا منها أن الانكفاء على الذات أو التحالفات الثنائية يضمن لها الاستقرار. غير أن التجربة أثبتت أن هذا النهج لا يؤدى إلا إلى إضعاف الجميع. فالدولة التى تعزل نفسها عن محيطها العربى تفقد عمقها الاستراتيجى، وتصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية. والدولة التى تراهن على تفكك الآخرين لتحقيق مكاسب آنية، تكتشف لاحقًا أن الفوضى لا تعترف بالحدود، وأن تداعيات الانهيار تمتد لتطال الجميع بلا استثناء.
فإن غياب الثقة المتبادلة هو فى جوهره نتيجة وسبب فى آن واحد. نتيجة لتراكمات من الصراعات والخيبات، وسبب لاستمرار العجز عن بناء منظومة عربية متماسكة.
فالدول التى لا تثق ببعضها لا يمكن أن تتقاسم معلوماتها الأمنية بصدق، ولا أن تنسّق سياساتها الاقتصادية بفاعلية، ولا أن تتبنى مواقف سياسية مشتركة فى القضايا المصيرية.
لذا دخل النظام العربى فى حلقة مفرغة وهى انعدام الثقة الذى أدى إلى التفكك، والتفكك عمق انعدام الثقة.
ومع ذلك، فإن إدراك حجم الأزمة لا يعنى الاستسلام لها. فالتاريخ، رغم قسوته، يعلّم أن المصالح المشتركة قادرة على فرض نفسها حين تتوفر الإرادة السياسية والرؤية بعيدة المدى.
ومن ثم فإن إعادة بناء الثقة العربية لا تبدأ بالشعارات، بل بخطوات عملية تعترف بالاختلاف وتديره بدل أن تنكره، وتقدّم منطق التعاون على منطق الغلبة، وتؤمن بأن قوة الدولة العربية الحقيقية لا تنبع من عزلتها، بل من قدرتها على العمل ضمن إطار عربى متماسك.
فإما أن يدرك العرب أن التفكك يضعف الجميع، أو يستمروا فى دفع ثمن التشرذم فى عالم لا يرحم الضعفاء.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة