قد يبدو غريبًا فى هذا الزمان أن يقترن الحديث عن التنمية بحديثٍ عن الروح وعن الأخلاق. فنحن فى عصرٍ مضطرب يحكمه نظامٌ دولى مهترئ، قد جعل كلماتٍ كالشرف والأخلاق والقيم الروحية تقترن فى أذهاننا بحفريات التاريخ وكتب المطالعة وأحاديث جدّتى، إن لم يجرِ وصمها بالتزمت والرجعية والهروب الرومانسى إلى الماضى. بينما أصبحت مفردات مستجدة كالتنمية والتحديث والتطور الفكرى والتقدم العلمى والتكنولوجى تقودنا إلى إحساسٍ دافق بالحركة المتحررة من كل قيدٍ أخلاقى، وبإمكانية «الخلاص الدنيوى من سجن الوجود الإنسانى الناقص والمحدود. كما تُذكّرنا بمشروعية الاندفاع الفاوستى (نسبةً إلى فاوست بطل مسرحية جوته الشهيرة عن الغطرسة البشرية والصراع بين الروح والمادة) وراء الإشباع المستحيل لكل أحلام الإنسان وشهواته الحسية والعقلية، ورغبته المحمومة فى المعرفة الكاملة بهدف التحكم والسيطرة على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان.ولكننا نودّ أن نعود مرةً أخرى إلى الأصول، فنؤكد أن الإنسان صانع الحضارة وخالق التنمية هو فى جوهره ظاهرة روحية أخلاقية، وذلك قبل أن يُغرّر بنا علماء الاقتصاد والاجتماع الغربيون بمقولاتهم الأكاديمية البارعة التى تقرر لنا فى أدنى فروضها أن الإنسان سلعة مادية إنتاجية، وفى أرقى تلك الفروض أنه حيوانٌ اجتماعى. فقطعان النمل والنحل، مع احترامنا المؤكد لها كمخلوقات الله وشركاء الإنسان، تستطيع أن تمارس بعض الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية المتميزة، كما تتمتع بدرجةٍ أو أخرى من الحياة الجماعية المنظمة ومن تقسيم العمل الاجتماعى. ولكن يظل الوجود الروحى/الأخلاقى وتجلياته المتعددة يمثل أهم السمات التى خصّ بها الله الإنسان وميّزه بها عن سائر الكائنات الحيوانية.فالإنسان لا يكشف عن جوهره الإنسانى الحقيقى وإمكاناته الروحية والأخلاقية الفريدة وهو يندفع محمومًا وراء إشباع حاجاته الحسية والاستهلاكية، التى تمثل فى عصرنا الحديث الدافع الرئيسى للتنمية فى إطارها المادى التراكمى. وهو لا يتصل بمنابع حياته «الجوانية» الثرية وهو يتدافع فى طوابير الجمعيات، ويتسابق على أكداس البضائع المستوردة فى ردهات السوبر ماركت، أو وهو يتزاحم ويتنابز فى مباريات الكرة، أو يستلقى فى نهاية يومه مخدَّر العقل، مستنزف البدن، مسمّرًا أمام مسلسلات التليفزيون وأحداثها الميلودرامية الزاعقة، أو وهو يتابع آخر الأخبار المثيرة على مواقع التواصل الاجتماعى.• • •هو لا يكشف عن ذلك الجوهر وتلك الإمكانية بصورةٍ أفضل فى عصرنا الحالى وفى سياق أرقى المجتمعات الصناعية الغربية، فحيث تبرز التنمية للمرة الأولى فى التاريخ الحديث بوجهها المادى التراكمى، يتغضن وجه الإنسان. وهو مشتبكٌ فى تروس خط الإنتاج العصرى، يلهث وراء إيقاعه الحديدى الرتيب، بينما يُسلب المعنى الروحى الداخلى لعلاقته الوجدانية بقوة عمله وقدرته الإبداعية، وتنكمش مادته الإنسانية الحية خضوعًا لمتطلبات الإيقاع الصارم للعملية الإنتاجية الحديثة؛ تلك العملية المادية التى لا تعترف إلا بقانون المادة الفيزيائية «الميتة» الخاضعة لفعل التحكم والسيطرة، وحركتها الصمّاء فى خدمة آليات التراكم الرأسمالى المستدام وصفقات النهب الاستعمارى الفجّ لموارد الضعفاء (راجع ما يحدث حاليًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا).وهو ليس بأفضل حالًا داخل هذه المجتمعات الغربية المتقدمة وهو يُشبع شهوته العقلية فى التراكم المعرفى الذى لا يهدأ، بهدف تحقيق التحكم والسيطرة على كافة مظاهر الحياة من حوله. فهو لا يكشف عن أى من جوانب ذلك الجوهر الإنسانى وهو محاصرٌ داخل جدران معمله البيولوجى الحديث، أحد أهم الإنجازات التى يفاخر بها العلم الغربى المعاصر، يسعى مطاردًا لعناصر الخلية البشرية «الحية»، محاولًا إخضاعها لآليات التفتيت والتجزئة والهندسة الجينية، لتنضوى بدورها تحت هيمنة نفس قانون التحكم والسيطرة السائد فى النظام الرأسمالى المعاصر. وفى هذا السياق يتحول العلم من مشروعٍ أخلاقى يمجّد الإنسان ويحرره، إلى آلة إنتاجية عمياء تستعبد الإنسان وتُسخّر المعرفة فى خدمة مصالح ورؤى القلة الحاكمة. ويتحول العالم الفرد من إنسانٍ مبدع يصوغ مشروعه الوجودى ويطوره ويدافع عنه بما يعكس اختياراته الأخلاقية والقيمية، إلى مجرد ترسٍ أبكم، مشتبك ومساق جبرًا فى دهاليز تلك الآلة الحديدية الصمّاء.بل تكشف الظاهرة الإنسانية الحية عن جوهرها على مستوى الفرد أو المجتمع فى لحظات الاختيار الأخلاقى الحاسم، الذى يرتقى بالإنسان من مستوى الوجود البيولوجى المقيَّد بالغريزة إلى مستوى الوجود الروحى الأخلاقى النازع نحو الكمال. قد يكون ذلك فى صورة شعبٍ فيتنامى يختار أن يعبّئ قدراته التنظيمية وإمكاناته المادية المتواضعة وقيمه الروحية المتجذرة فى ثقافته الآسيوية «الحية» والمتجددة، ليواجه بشجاعة آلة الحرب الأمريكية بكل إمكاناتها التكنولوجية المرعبة وينتصر عليها. وربما يتجلى ذلك فى صورة عالمٍ إيطالى من رواد عصر النهضة يختار أن يدافع عن الحقيقة كما يراها فى مواجهة سلطة دينية معادية للتقدم، أو ثائرٍ أيرلندى فى العصر الحديث يختار أن يُضرب عن الطعام حتى الموت لينتزع اعترافًا بعدالة قضيته، أو راهبةٍ بلجيكية تترك حياة التنعم فى بلدها المتقدم لتضع ذاتها وخبرتها التربوية وهويتها الروحية فى خدمة جامعى القمامة المصريين، فتعيش فى وسطهم فى واحدٍ من أكواخهم المتهالكة لتقدم لهم صورة المسيح المصلوب من أجلهم. أو مؤخرًا فى صورة شعبٍ فلسطينى لم يكفّ عن التشبث بهويته وأرضه وحقه فى إقامة دولته العتيدة، رغم كل الحروب والنكبات والممارسات الإسرائيلية الغاشمة التى تنتهك كافة المواثيق الدولية وتدوسها فى احتقار.• • •«التنمية» التى ابتذلنا معانيها فى سيلٍ من التعريفات الغامضة والصياغات اللغوية الملتبسة، هى على وجه التحديد ليست سوى هذه الإمكانية الروحية الأخلاقية التى تقبع داخل الإنسان وتنتظر لحظة التفجير المواتية فى صورة قرارٍ وجودى حاسم بقبول التحدى وتبنى المخاطرة فى مواجهة موقفٍ قاهر أو معوِّق؛ موقفٍ يكبّله روحيًا وماديًا، ويضغط عليه ويشوّه إنسانيته، فيجسد من خلال انتصاره على هذا التحدى الوجودى قدرته البشرية على التجاوز والتجدد الجوانى والتحقق الأخلاقى، فارضًا قيمه الروحية/الجوانية على ذلك الواقع «البرّانى» المشوِّه لإنسانيته.وهى تلك الإمكانية الفريدة التى طمسها المفهوم الاختزالى ذو البعد الواحد الذى تراهن عليه الحضارة الغربية المعاصرة وتلقنه لنا. ففى مواجهة ذلك المفهوم الذى يختزل التنمية إلى معدل زيادة الناتج المحلى الإجمالى من السلع والخدمات، والذى نجحت الحضارة الغربية المعاصرة فى غسل أذهاننا به، نحتاج إلى مراجعة جذرية لنصوغ تعريفنا الخاص لمعنى التقدم فى ضوء تجاربنا التنموية القديمة والحديثة واختياراتنا الحضارية والقيمية.ربما علينا أن نعود من جديد إلى الينابيع القديمة والمهجورة: إلى ثورة إخناتون، وإلى مثالية على بن أبى طالب، وإلى جهاد المهاتما غاندى. علينا أن ندرس التراث المصرى القديم الذى حقق المصالحة بين العقل والضمير، وبين العلم والقيم الروحية والأخلاقية. وعلينا أن ندرس تاريخ المسلمين الأوائل ونماذج الزهد وجهاد النفس والتبشير بالقيم الأخلاقية الرفيعة، وأن ندرس على وجه التحديد تاريخ الحضارة الإسلامية فى الأندلس كنموذجٍ للتلاقح الثقافى بين الحضارة العربية الإسلامية والغرب، والذى امتد لثمانية قرون. وكيف اجتمعت الديانات السماوية الثلاث فى نمطٍ راقٍ من العيش المشترك؛ حيث نجد البابا سلفستر الثانى يدرس اللغة العربية وهو راهب شاب فى جامع قرطبة الكبير، ونجد ابن رشد بشروحه لفلسفة أرسطو، وابن خلدون ومقدمته فى التاريخ وعلم الاجتماع، إلى جانب موسى بن ميمون الفيلسوف وعالم التوراة اليهودى، وصاحب كتاب «دلالة الحائرين» بالعربية، والطبيب الشخصى لصلاح الدين الأيوبى. كما يفاجئنا وجود أبى القاسم الزهراوى، أول من أسس علم الجراحة العامة وابتكر مائتى أداة جراحية، وتبهرنا مكتبة الحكم بن عبد الرحمن، خليفة قرطبة فى القرن العاشر الميلادى، بأربعمائة ألف كتاب تضم كتب الفقه والشريعة إلى جانب كتب الفلك والرياضيات والطب والفلسفة اليونانية.ويبقى أن نتذكر أن كل حضارةٍ إنسانية نجحت وتواصلت رسالتها الروحية/الأخلاقية عبر التاريخ (من الحضارة المصرية القديمة إلى حضارات الهند والصين واليابان)، قد جسدت أمام جماهيرها نموذجًا روحيًا أخلاقيًا وقيميًا جديدًا، قادرًا على إلهاب مشاعر هذه الجماهير، وعلى تفجير طاقاتها الروحية والأخلاقية والإبداعية، ثم بعد ذلك قدراتها الإنتاجية المادية. وفى هذا السياق يحق لنا، قبل أن نلهب ظهور المصريين بسياط الحديث المكرر عن ضرورة زيادة الإنتاج وعن مساوئ انخفاض الإنتاجية، أن نتوقف لنسأل أنفسنا كسياسيين وكمثقفين وقادةٍ أخلاقيين: أى النماذج الروحية/الأخلاقية قد نجحنا فى تقديمه إلى الشعب المصرى فى سياق لحظات النهوض فى التاريخ المصرى الحديث، لنفجّر طاقاته الإبداعية ونحفّز قدراته الذاتية على العمل والإنتاج، فى مشروعٍ جماعى يجسّد أحلامه من أجل الوطن؟!
مقالات اليوم حسن المستكاوي الزمالك انتصار الشباب.. ومشكلة الأهلى أمام البنك محمد المنشاوي إبستين!.. من فوكوياما «نهاية التاريخ» إلى هنتنجتون «صراع الحضارات» محمد بصل ساعات العمل الإضافية.. استثناء أم قاعدة؟ إبراهيم العريس درس فى كرامة الفنان من مخرج مصرى منسى تمامًا اليوم سماء سليمان التفكك العربى وغياب الثقة.. حين تُضعف الفردية المصير المشترك من الصحافة الإسرائيلية هجرة أدمغة أم إخفاق استراتيجى؟ البلد يخسر مستقبله
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك