لاحظ زملاؤه حملقته فى الترام القديم الذى كان يبدو معلقا فى الهواء، كلما مر أسفله بوسط المدينة متجها إلى عمله. ترتسم على وجهه ابتسامة طفولية - قد يجدها البعض بلهاء - وينير نصوعها بشرته الداكنة. لم يكن فى مقدور الآخرين فهم سر تعلقه بهذا المشهد، ولن يفهمه سوى من جلس معه وهو يراقب حركة لاعب الترابيز والأكروبات بدقة أمام شاشة التليفزيون أو الكمبيوتر. حالة من الانبهار التام. يتابع محاولات اتزانه على الأرجوحة وكيف يحقق الاستقرار عبر آليات فيزيائية وجسدية دقيقة. يشد عضلات الجذع والبطن باستمرار كى يستقيم جسمه ويثبت فى الهواء. يتمنى أن يحظى بنصف سكينة اللاعب واتزانه، يأخذ معه نفسا عميقا وكأنه هو من سيقوم بالوثبة القادمة، فالتحكم فى التنفس والهدوء الذهنى أو ما يسمى باللاتمركز يعتبر عاملا أساسيا للحفاظ على التوازن وتسهيل التحولات بين الحركات.لم يستطع يوما أن يشبه لاعب الترابيز هذا ويتعلم منه تقبل الواقع وتجاوزه، أن «يسمح بالرحيل» كما يقولون فى كتب التنمية الذاتية، ويترك الأمور تسير بطبيعتها دون أن يحاول السيطرة على كل شىء. طوله الفارع وهيئته الصارمة - رغم بشاشة ظاهرة - يعطيان الانطباع أنه مسيطر على الأمور. يملى تعليماته على من يأتون للتدرب الرياضى وتقوية العضلات بمركز اللياقة والعلاج الطبيعى الذى اشتغل فيه فور تخرجه ولم يغادره منذ ذلك الحين. كل من يتردد على المكان يعرف جيدا الكابتن جاسر الذى يصل إلى المشفى كل صباح فى العاشرة ويداوم إلى الرابعة عصرا. ينادى عليه البعض بصوت جَهورى حين يختفى فى دهاليز منطقة المسبح والجاكوزى والساونا المخصصة للنشاط البدنى والاستشفاء والاسترخاء. ممرات ملتوية تقود إلى بعضها البعض وكأنك فى متاهة أو وكر عصابة فى أفلام الأبيض والأسود، قد ينطلق منه فى أى وقت غناء ليلى مراد وهى تصدح: «يا سامعين صوتى ردوا عليا دلونى فين أراضيكم»، حين أرادت «عنبر» أن تلفت انتباه أنور وجدى لوجودها فى المخبأ. • • •الكابتن جاسر يتنقل بين الأدوات التى تشبه آلات التعذيب، فى أجواء شتوية طوال السنة نظرا لارتفاع حرارة المياه وانتشار الأبخرة التى تزيد من ضبابية الموقف. ينظر إلى من ينفذون التمرينات فى المسبح من خلال فتحات زجاجية صغيرة.. أرجل تتطاير فى المياه وأيادى تمسك بالعصا والأثقال من حيث أمرهم أن يفعلوا، وهو يرمقهم ببصره وكأنه كابتن أعالى البحار. يظن الناس أن «تحت القبة شيخ» كما يقولون وأنه يعيش كالسمك فى البحر، ولكن فى الواقع هو يخاف المياه رغم كونه سباحا ماهرا إلى حدٍ كبير. يخشى المجهول الذى يرمز إليه البحر ولا يشعر بالأمان سوى فى الأماكن التى بنى معها نوعا من الألفة بحكم العشرة والتعود. خلق لنفسه روتين حياة لا يخرج عنه ولا يترك أبدا «دائرة الراحة» التى يتحرك فيها وتوفر له شعورا بالطمأنينة، وفى الوقت نفسه تحد من قدرته على التطور والتقدم. لذا ظل فى وظيفته لم يغيرها، ولم يسافر قط إلى الخارج رغم مطالبات زوجته اللحوح. حلمت هذه الأخيرة أن يستثمر خبراته بالعمل فى بلد أجنبى مقابل راتب مجزٍ، لكن الكابتن لم يُجارِها. ملت منه وتركته وحيدا ما تبقى من العمر. واستمر هو فى مشاويره بين البيت والمشفى وإجازة المصيف التى يقضيها غالبا فى المدينة نفسها التى كان يقصدها صغيرا مع أهله. لا يحب المغامرة والنتائج غير المؤكدة. ويرفض ركوب الطائرات. كما لم يتجاوب حين عرض عليه بعض الأصدقاء مشاركتهم فى مشروعات تتعلق بمجال تخصصه، ربما كان قد جنى منها الكثير... لكنه لم يفعل «فعصفور فى اليد خير من عشرة على الشجرة».. أمه كانت تردد هذا المثل وقد حفظه وطبقه بحذافيره، واكتفى بأن يبدى إعجابه بمن لديهم شجاعة ركوب ترام معلق فى الجو وأن يعلن افتتانه بنموذج لاعب الترابيز الذى يحسب حركاته جيدا وفى لحظة يقرر ترك المقبض والتحليق فى الهواء بثقة وليونة فذة قبل أن يمسك بطرف الحبل وينطلق إلى مرحلة أخرى من اللعبة. لا يملك مثل هذه الشجاعة. الخوف من الفشل فى كل ما هو جديد أو من فقدان ما لديه بالفعل جعلاه يعد خطواته، يـتأنى، ولا يجازف... • • •استمع لأحاديث محمد عبد الوهاب الذى كان يخشى المرض وركوب الطائرات ويمشى يوميا فى منزله ويعد خطواته بهدف التريض، خاصة مع تقدمه فى العمر. هذا الرجل الذى أبدع كل هذه الألحان الجميلة والخالدة كان يخاف هو الآخر، رغم كونه مجددا فى الموسيقى. قارن الكابتن جاسر بينه وبين موسيقار الأجيال. لاحظ تناقضاتهما، هو أيضا لديه أشكال من التضاد لا نتخيل الجمع بينهم، يميل أحيانا إلى التطرف واللامنطق. يحب بلوغ النهايات سواء فى العمل أو فى الحب أو حتى فى الأكل والإنفاق، لكنه بالطبع لم يصل إلى عبقرية الفنان الذى ظل يخشى من التعرقل والوقوع على الرأس والارتطام حتى صار ما صار وتوفى إثر جلطة فى المخ بسبب اختلال توازنه وسقوطه على أرضية منزله. لاحظ الكابتن وجود عنكبوت يتحرك ببطء على جدار خزانة الحمام، وتذكر مثل فرنسى قديم كانت تردده زوجته السابقة حين ترى هذه الحشرة فى وضح النهار: «عنكبوت الصبح حزن وشئوم، وعنكبوت الليل تفاؤل وراحة». فهم منها أن رؤية العنكبوت صباحا تدل على الرطوبة والطقس الممطر المزعج، بينما تشير رؤيته مساءً إلى سكون الطقس وصفائه، ما يبعث على الراحة. سأل نفسه: هل هو مرتاح بعد كل تلك السنوات التى قضاها فى الخوف؟ ألم يحن الوقت لكى يتمرد على شعور الفزع والاستنفار الدائم الذى يجعل عقله يستحضر كل الاحتمالات السيئة ويمنعه من فعل أشياء لم يختبرها من قبل؟ تَعَبَ من «القلق التوقعى» أو النبوءات التى تحقق ذاتها حين نخاف بشدة من حدوث شىء بعينه فيقع الأمر المكروه. جرب كثيرا معنى «اللى يخاف من العفريت يطلع له»، وقد سأم من استحضار العفاريت. أمثال «عناكب الصباح والمساء»، و«عفاريت كل يوم»، و«عصافير اليد والشجرة»، لم يسبق لها أن تؤثر فيه على هذا النحو، ربما لأنه فى مرحلة من حياته يشعر خلالها بأنه معلق فى الهواء مثل لاعب الترابيز وعليه أن يتخذ قرارا مصيريا بالمجازفة وأن يعيد دراسة فقه الأولويات.
مقالات اليوم عماد الدين حسين قدم لاعب تسعد أمة الأب رفيق جريش 30 يونيو والغيرة الوطنية أحمد عبد ربه كيف نكافئ إفريقيا فى مونديال ٢٠٣٠؟ محمد علاء عبد المنعم قبل إعلان وفاة الجامعات الحكومية محمود عبد الشكور البحث عن ليلى مراد إيهاب الملاح من يتذكر «كاداريه»؟! من الصحافة الإسرائيلية ألف يوم على الحرب.. ما دام التحقيق فى الإخفاق لم يُنجَز.. فإن خطر وقوع كارثة جديدة يزداد
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك