x قد يعجبك أيضا

الحروب الأمريكية ونظرية «الخيارات الحقيقية»

الإثنين 2 مارس 2026 - 8:20 م

حين نتأمل سلوك الدول فى أزمنة الاضطراب الجيوسياسى، ونستحضر التصعيد العسكرى الأمريكى ــ الإسرائيلى الأخير ضد إيران، نجد أنفسنا إزاء مشهد عبثى متكرر، تتعثر عنده أدوات التحليل السياسى والاقتصادى معًا، فى ظل تصاعد غير مسبوق لحالة عدم اليقين، حيث تتشابك الحسابات الأمنية مع منطق الاستثمار وإدارة المخاطر على نحو يصعب فصله.

 


فى هذا السياق المأزوم، تستدعى ذاكرتى نظرية «الخيارات الحقيقية» التى ارتبطت على نحو وثيق بأعمال الاقتصادى الأمريكى «أفيناش ديكسيت»، ولا سيما كتابه الشهير «الاستثمار فى ظل عدم اليقين» (Investment Under Uncertainty) الصادر عام 1994 بالاشتراك مع «روبرت بنديك». فقد انتشرت تلك النظرية منذ تسعينيات القرن الماضى بوصفها امتدادًا لتطبيقات نظرية «الخيارات المالية» على قرارات الاستثمار الحقيقى، مؤكدة أن خيار الانتظار يكتسب قيمة متزايدة كلما ارتفع مستوى الضبابية بشأن المستقبل، وأن التعجّل فى اتخاذ قرار استراتيجى لا رجعة فيه قد يُفضى إلى التفريط فى تلك القيمة الكامنة فى المرونة، وهى قيمة لا تظهر فى الحسابات التقليدية، لكنها قد تكون حاسمة فى أزمنة الاضطراب.
تعود جذور الصراع الراهن إلى ما هو أبعد من اللحظة العسكرية الآنية. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى قبل أعوام، وتراكم العقوبات، وتوسّع طهران فى برنامجها النووى وتطويرها لمنظومات صاروخية متقدمة، تشكّل مسار من الشك المتبادل، تغذّيه حروب الوكالة فى الإقليم، واحتكاكات متكررة فى الخليج والبحر الأحمر، وضربات سيبرانية متبادلة. غير أن العام الماضى مثّل نقطة انعطاف خطيرة مع اندلاع ما عُرف إعلاميًا بـ«حرب الاثنى عشر يومًا»، وهى مواجهة محدودة زمنيًا لكنها كثيفة من حيث النيران والرسائل الاستراتيجية. فى تلك الحرب القصيرة، تبادلت الأطراف ضربات مباشرة وغير مباشرة، واستُهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية حساسة، وكادت المنطقة كلها تنزلق إلى مواجهة إقليمية شاملة، لولا تدخلات دولية وإقليمية لاحتواء الموقف.
ما جعل «حرب الاثنى عشر يومًا» علامة فارقة لم يكن فقط عدد الضربات أو حجم الخسائر، بل الرسالة التى انطوت عليها: أن خطوط الاشتباك القديمة لم تعد ثابتة، وأن قواعد الردع التقليدية دخلت مرحلة إعادة صياغة. فقد أظهرت تلك الحرب أن الضربات يمكن أن تقع فى قلب المفاوضات، وأن مسار التفاوض لا يحصّن الأطراف من العمل العسكرى، بل قد يتحول إلى غطاء زمنى لإعادة التموضع والاستعداد. وفى أعقاب تلك الحرب، عادت جولات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران بوساطات أوروبية وإقليمية، لكنها كانت مفاوضات هشة تجرى تحت ظلال الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، لا فى أجواء ثقة متبادلة.
• • •
فى السياق الاقتصادى، يصبح تكرار الضغوط والتدخلات خلال فترات التفاوض على إيران نموذجًا حيًا لتأثير عدم اليقين الجيوسياسى على القرارات الاستثمارية والإيرادات العامة. فالاضطرابات المتكررة فى المنطقة تؤدى إلى تقلب أسعار النفط والغاز، وتؤثر مباشرة على حركة التجارة البحرية، بما فى ذلك العائدات الريعية لمصر من قناة السويس، كما ترفع من تكلفة عدم اليقين لدى المستثمرين الأجانب، ما قد يبطئ تدفقات تحويلات العاملين المصريين بالخارج ويؤثر على قطاع السياحة الذى يعتمد على استقرار الأوضاع الإقليمية.
من منظور صانع القرار الاقتصادى، يصبح خيار الانتظار أكثر تعقيدًا: فبينما قد يتيح جمع معلومات إضافية وتقليل الخسائر المحتملة، فإن استمرار الاضطرابات يرفع تكاليف الشلل الاقتصادى، ويزيد من المخاطر المرتبطة بالإيرادات الاستراتيجية للدولة. وهنا يتجلى جوهر نظرية الخيارات الحقيقية، إذ يكتسب خيار الانتظار قيمة متزايدة كلما ارتفع مستوى عدم اليقين، بينما يصبح التحرك الفورى أداة لحماية الإيرادات الحيوية وتقليل تأثير المخاطر الجيوسياسية على الاقتصاد الوطنى.
فى الأدبيات الاقتصادية، يُشبَّه القرار الاستثمارى الكبير بأداة «الخيار المالى» (من المشتقات)، التى تمنح حائزها حق التصرف دون التزام. من يمتلك الخيار يمكنه الانتظار حتى تنجلى المؤشرات قبل أن يستثمر أو ينسحب. وكلما زاد تقلّب العوائد المتوقعة وارتفع الغموض المحيط بالسوق، ازدادت قيمة هذا الخيار، لأن المعطيات الجديدة قد تغيّر اتجاه القرار جوهريًا.
غير أن هذه القيمة ليست مطلقة؛ فهى تتآكل حين يسمح الانتظار لمنافسين بدخول السوق أو تعزيز مواقعهم على نحو يصعب تعويضه لاحقًا. وفى سياق الاستثمارات الدولية، تواجه الشركات متعددة الجنسيات التى تدرس دخول أسواق ناشئة، والدول التى تخطط لمشروعات بنية تحتية عابرة للحدود، والبنوك المركزية التى توازن بين استقرار الأسعار واستقرار النظام المالى، معضلة مماثلة: الانتظار لاستجلاء الصورة، أو المخاطرة بفقدان فرصة قد لا تتكرر.
لقد أظهرت الأسواق العالمية أخيرًا، عند تصاعد التوترات الجيوسياسية، ارتفاعًا فى أسعار النفط والذهب وتذبذبًا فى أسواق الأسهم والعملات، مما يعكس انتقال المستثمرين إلى أصول أكثر أمانًا. وهذا السلوك ليس سوى تطبيق عملى لفكرة «الخيارات الحقيقية»: حين يصعب تسعير المخاطر بدقة، يصبح الاحتفاظ بالسيولة أو التحول إلى ملاذات آمنة تعبيرًا عن التمسك بخيار الانتظار. فالمستثمر الذى يؤجل ضخ أموال كبيرة فى مشروع طويل الأجل لا يتخلى عن الربح المحتمل، بل يحتفظ بحق اتخاذ القرار لحين وضوح المعطيات.
وفى المقابل، يكشف التحليل الاقتصادى أن المفاوضات التجارية أو الاستثمارية التى تجرى فى أجواء غير مستقرة قد تفقد فعاليتها، لأن عنصر الثقة ــ الركيزة الأساسية لتقليص عدم اليقين ــ يتآكل مع كل تطور مفاجئ. وحين تتراكم المتغيرات غير المتوقعة أثناء التفاوض، يتحول الانتظار من خيار عقلانى إلى مجازفة، إذ قد يُفسَّر من قبل الأطراف الأخرى على أنه تردد أو ضعف. وهنا تتعقد الحسابات: فالقيمة الاقتصادية للانتظار قد تكون مرتفعة، لكن كلفة إضاعة الفرصة قد تكون أعلى.
• • •
إن قراءة السلوك الاستثمارى من زاوية «الخيارات الحقيقية» تسلّط الضوء على البنية العقلانية التى تحكم قرارات تبدو للوهلة الأولى اندفاعية أو محافظة. فالشركات، تمامًا مثل المستثمرين الأفراد، تقارن بين تكاليف التنفيذ الفورى وتكاليف الإرجاء، وتُدخل فى حساباتها احتمالات النجاح والفشل، وتفاعلات السوق، وتأثير القرار على موقعها التنافسى على المدى الطويل.
وهكذا، فى خضم تقلبات الأسواق العالمية، تتجاوز أهمية نظرية الخيارات الحقيقية حدود الكتب الأكاديمية لتغدو أداة عملية لفهم ديناميكيات القرار الاستثمارى فى زمن الفوضى والاضطرابات الجيوسياسية المتشابكة. فتصاعد حالة عدم اليقين الناجم عن هذه الاضطرابات يترجم مباشرة إلى مزيد من صدمات العرض وموجات التضخم، التى ينعكس أثرها فى النهاية على تكلفة المعيشة بالنسبة للمستهلك العادى.
إن قيمة الانتظار فى عالم بالغ الاضطراب قد تكون كبيرة، لكنها ليست مطلقة؛ إذ ترتبط بسرعة تغير المعطيات، وتطورات السوق، وقدرة المستثمر على استثمار الوقت لصالحه. بيد أن هذه الرفاهية التحليلية ــ أى القدرة على تأجيل القرار ريثما تتضح الصورة ــ تظل حكرًا على الفاعلين الاقتصاديين الذين يملكون هامشًا من الحرية والمناورة. أما بالنسبة لدول نامية كثيرة، مثل مصر، فإن فكرة «الانتظار» تصبح ترفًا لا يمكن تحمله فى ظل واقع اقتصادى قاسٍ يتسم بتزايد أعباء خدمة الدين، وتآكل قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات الفقر. فحين تتصاعد الالتزامات المستحقة ويتقلص الحيز المتاح للسياسة المالية، يتحول «خيار الانتظار» من استراتيجية عقلانية إلى مخاطرة قد تؤدى إلى انهيار الثقة فى الاقتصاد ككل. وبين خيار التحرك الفورى وخيار الانتظار، يتحدد مسار العوائد، وتُرسَم ملامح الثروات والخسائر، بينما يظل المستهلك النهائى ــ خاصة فى الاقتصادات الهشة ــ هو الطرف الأضعف والأكثر تأثرًا بتداعيات تلك التقلبات.

 


كاتب ومحلل اقتصادى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة