من غريب الأمور فى راهننا الثقافى العربى أن السجالات، بل حتى الصراعات الثقافية والفكرية العربية، انتقلت من الجامعات والمطبوعات المحترمة إلى وسائل التواصل الاجتماعى، حيث يختلط الحابل بالنابل فى فوضى ما بعدها فوضى. وفى خضم ذلك، يبدو أن ثمة نسيانًا يطاول مرحلة، وربما جيلًا كاملًا من الحياة الفكرية العربية، بات اليوم أقرب إلى الغياب، فتبدو الأمور وكأنّ «السجالات» إنما هى وليدة الشاشات اللامتناهية فى الصغر، والأنامل التى تستخدمها، فتبدو بدورها لا متناهية فى التفاهة على خطاها.ومع هذا، قد يكون من الضرورى التذكير، بين الحين والآخر، بأن ثمة حياة ثقافية، بل وحتى إبداعية، وُلدت إبان ما كنا نطلق عليه اسم «النهضة الثانية»، تحديدًا بين ما ترتب على «هزيمة يونيو 1967» من مستتبعات غضب ووعى فكريين مدهشين، وبداية ما سماه المستعجلون المهرولون «الربيع العربى». أى طوال ما يزيد على ثلث قرن شهدت فيه الحياة الفكرية العربية، بكل توجهاتها وجغرافيتها وأصنافها، حيوية نادرة فى التاريخ العربى الحديث. ولئن كان من الصعب التوسع هنا فى الحديث عن تلك الاندفاعات، التى من المؤسف أنها لم تُؤرَّخ بما فيه الكفاية حتى اليوم، يمكننا على الأقل التمثيل عليها من حيث لا يمكن لكثيرين أن يتوقعوا، تحديدًا من خلال مبادرات بالغة الأهمية تحمل معًا اسمًا واحدًا هو جورج طرابيشى، المفكر والمترجم السورى الذى أقام فى فرنسا بعد سنواته اللبنانية، ورحل فيها مأسوفًا عليه، ولو من قِلّة من المفكرين العرب الشرفاء.لقد كان جورج طرابيشى (1939 – 2016) نشاطًا فكريًا لا يهدأ. فقد كان مترجمًا وناقدًا أدبيًا، وباحثًا ومؤرخًا للفلسفة، بل فيلولوجيًا بالمعنى التقنى للكلمة، لكنه كان، بشكل خاص وخلال الثلث الأخير من حياته، ولا سيما خلال سنواته «الفرنسية»، مؤمنًا بأن ثمة حاجة فى حياتنا الفكرية العربية إلى ما تفتقده هذه الحياة على نحو خاص، أى السجالات النقدية المثمرة، ولا سيما بعيدًا عن المجاملات أو المهاترات التى غالبًا ما طبعت ما يُسمى «سجالات» فى الفكر العربى، ولا سيما خلال النصف الثانى من القرن العشرين والربع الأول من القرن التالى. ومن هنا رأيناه ينفق أيامه ولياليه، وصولًا إلى سنوات كهولته، محاولًا إحياء هذا الفن الذى بات، ولا سيما مع دنوه الحثيث من الثقافة الفرنسية، نوعًا من فعل الإيمان لديه.وقد اعتمد فى خوضه السجالات على ثقافة كانت فى الأصل صلبة إلى حد نادر لدى المثقفين العرب، انبنت على دراسة معمقة فى الأديرة، ثم على معانقته الفكر والنتاجات الفكرية الوجودية فالماركسيات، وصولًا إلى ترجمته كُتبًا عديدة لفرويد، وفى الأثناء مجموعة إميل برهييه فى تاريخ الفلسفة، قبل خوضه ترجمة موسوعة هيجل فى «علم الجمال». ولا شك أن تلك الترجمات، حتى على تفاوت مستوياتها فى رأى البعض، شكلت بالنسبة إلى طرابيشى ترسانة فكرية دعمتها دراسته السابقة، فى صمت الأديرة المسيحية، لشتى إبداعات التراث العربى، وبخاصة فى مرحلة كان فيها قد غاص فى فكر قومى عربى، من المؤسف أنه كان فى بداياته على النمط البعثى. ونعرف، على أية حال، أن تعمقه فى الماركسية، ثم سريعًا فى الماركسية النقدية المشاغبة على الستالينية، قد أنقذه من شوفينية قومجية، فساعده خلال النصف الثانى من حياته على إدراك وعى نقدى يبدو لنا اليوم مدهشًا.وإذا كان طرابيشى قد طبق وعيه الثقافى، الذى راح يتحرر تدريجيًا من إسار ماضيه، فى بادئ الأمر على أعمال أدبية تبدأ بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، لتصل إلى أعمال أدبية أكثر حداثة وربما أكثر ظرفية، فإنه استخدم ترسانته الفكرية، ولنقل المعرفية، بشكل أفضل لاحقًا فى مجال التصدى لما كان يراه «تهافتًا» فى الثقافة العربية السائدة، ولا سيما حين أُتيح له أن يختلط أكثر بزملائه ومجايليه من المفكرين العرب عبر مؤتمرات ومناسبات مشابهة كانت تُعقد بوفرة خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، فكان طرابيشى من أبرز المدعوين للمشاركة فيها. بل إنه، فى حقبة ما، كان من المبادرين إلى الدعوة إلى مثل تلك المؤتمرات، من خلال مشاركته فى تأسيس ما اعتُبر تجديدًا هائلًا فى مسارات الفكر العربى عبر «رابطة العقلانيين العرب»، التى أخذت على عاتقها، تحت رعاية مثقف ليبى قانونى يعيش فى إيطاليا، هو محمد الهونى، الترويج لعقلانية عربية جديدة، عبر عقد لقاءات دورية وإصدار كتب تتناول أخطر الموضوعات العقلانية. وكانت تلك تجربة مميزة، يمكن التساؤل اليوم عما فعله بها «الربيع العربى» الذى نسفها من أساساتها فيما نسف.المهم أن كل تلك المبادرات والتجارب وضروب التحرر الفكرى مكنت طرابيشى، فى سنواته الأخيرة، من أن يتحول إلى ناقد، ليس بالتحديد للفكر العربى، بل لنقاد الفكر العربى، ومن موقع عقلانى يؤمن بالفكر التجريبى وبنوع من الليبرالية. وكان طرابيشى يقول لى، ونحن نتمشى ليلًا حول بحيرة تجاور حيّا كنا نسكنه متجاورين مع عائلتينا فى بلدة كريتاى غير البعيدة من باريس، إن أوانها قد حان: «فإن لم يتدارك الفكر العربى نفسه ويخوضها، ولا سيما بأقلام وأفكار كل أولئك الذين هزتهم هزيمة يونيو، ومزقهم سقوط المعسكر الاشتراكى، ويُضنيهم غياب القيم الأخلاقية مع حلول أزمنة الفوضى الجديدة، ولا يزالون تحت وطأة إخفاقات علمانية تذوى بين أيديهم دون أن تكون علمانية تنادى بفصل الدولة عن الدين، إن لم يتدارك نفسه، فلن تقوم له قائمة بعد الآن».ويقينًا أن هذا الكلام، الذى كان أشبه بجرس إنذار يوجهه جورج طرابيشى إلى نفسه قبل أن يوجهه إلى الآخرين، كان خلفية المشاريع النقدية الفكرية الثلاثة التى خاضها تباعًا، وكانت أهدافه فيها محددة: بعض أكثر المفكرين شعبية وشهرة فى الزمن الذى نعيشه، وفى مقدمتهم المفكر المصرى الدكتور حسن حنفى، والدكتورة نوال السعداوى، ولكن خاصة المفكر المغربى الدكتور محمد عابد الجابرى. ولئن كان طرابيشى قد اختار هؤلاء بصورة خاصة ليوجه إليهم سهام نقده، فما ذلك إلا انطلاقًا من مكانتهم التى تجاوزت، عبر انتشار كتبهم، الحدود الجغرافية لبلدانهم. فهو لم يكن من محبى «التبشير بين مؤمنين»، بل من أنصار إيصال الفكر النقدى إلى أوسع الشرائح من القراء، إذ «فى الفكر النقدى وحده يكمن الأمل فى تعميم الوعى».الحقيقة أن طرابيشى وقع، فى تلك التجارب، ضحية لاسمه نفسه. وهو ما كنت قد لفت نظره إليه باكرًا، ثم لاحقًا مرات ومرات خلال أحاديثنا المتواصلة حول بحيرة كريتاى، حين كنت أقول له ما معناه أنه إنما يحاول أن يُساجل فكرًا له علاقة بطائفية أصحابه وموقفهم من الدين، سواء بشكل سلبى أو إيجابى، ومن المؤكد أن ذلك السجال لن يكون ممكنًا طالما أنه، هو، ينتمى إلى دين وطائفة أُخريين. وكنت أقول له، نصف جاد ونصف مازح: «إننى أرى، يا صديقى، أن عدوك الأساسى وخصمك فى النقاش لن يكون سوى الاسم الذى اختاره لك أبوك ذات يوم: جورج». فيبتسم ويقول بجدية مطلقة: «أبدًا يا عزيزى، فالمثقفون العرب تجاوزوا هذا منذ زمن بعيد، ولا أعتقد أن اسمى سيكون حاجزًا دون الوصول إلى سجالات نقدية بناءة!». لقد تراهَنا على ذلك مرات ومرات، وفزتُ فى الرهان، وكان فوزى بفضل أكثر المثقفين العرب وعيًا، للأسف، كما سيرد فى القسم التالى من هذا الكلام.
مقالات اليوم حسن المستكاوي مواقف وطرائف من 2025 محمد المنشاوي كيف يرى ترامب العالم فى 2026؟ نيفين مسعد الشغف المخبوء محمد بصل مشكلتان في إجازات «الإخوة الأقباط» تامر ممدوح حجر رشيد.. مفتاح لغوى واتفاق سياسى العالم يفكر الذكاء الاصطناعى بين ضفتى العقل والروح
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك