نظام النقد الدولى الحالى الشهير بنظام بريتون وودز اعتمد الدولار كعملة الاحتياطيات والمعاملات والتسويات الرئيسية الدولية، ووصل الأمر إلى أن العديد من الدول، وطوال الثمانين عاما الماضية، وعن ثقة فى الدولار الأمريكى، فضلت استثمار دولاراتها فى السندات والأوراق المالية قصيرة الأجل لتحقيق عائد منها بداً من الذهب، وهكذا عززت كل تلك العوامل استمرار الدولار كمصدر رئيسى للسيولة النقدية الدولية.وفى ظل هذه الأجواء من الثقة العالمية فى الدولار توسعت الاستثمارات الأمريكية والشركات متعددة الجنسية للاستحواذ على الشركات فى أنحاء العالم، وتدفقت تريليونات الدولارات فى كافة المجالات والقطاعات، فقد دأبت الولايات المتحدة على طباعة مليارات الدولارات كل عام دون رقيب أو حسيب، ووصف أحد الاقتصاديين الأمريكيين ذلك بقوله «إنه من دواعى السرور أن يكون لدى الولايات المتحدة فى فنائها الخلفى مطبعة للعملة الورقية».باعتبار أن معظم دول العالم تقبل الدولار كغطاء نقدى لعملاتها، باتت الولايات المتحدة تتوسع فى إصدار الدولار دون حدود، وباتت فى ذات الوقت تنقل التضخم المرتبط بتوسعها النقدى إلى جميع أنحاء العالم، دون ثمن حقيقى يتكبده الاقتصاد الأمريكى.ووصف الاقتصادى الأمريكى دوجلاس ديلون ذلك بقوله: إن الولايات المتحدة تتمتع بميزة حقيقية عندما يتم تمويل عجز ميزان مدفوعاتها بواسطة زيادة كمية الدولارات التى تتدفق إلى العالم، فإذا لم يكن الدولار هو عملة الاحتياط والسيولة الدولية، وإذا لم تكن الولايات المتحدة هى مصرف العالم الذى يطبع الدولارات، فإن كل ذلك لم يكن ليتحقق.• • •مؤخرا ومن داخل الولايات المتحدة، الملياردير الأمريكى إيلون ماسك أحد الرأسماليين الفاعلين فى الاقتصاد الأمريكى وإدارة ترامب الحالية كان قد أعطى تصريحا عن الدولار أثار جدلا واسعا، حيث تنبأ ماسك بأن الدولار الأمريكى لن يساوى شيئا لأن طباعة الدولار الخفية بكميات فلكية ستدفع أسعار البيتكوين والإيثيريوم والعملات المشفرة الأخرى إلى الارتفاع التدريجى البطىء فى مقابل الدولار، الذى يتهاوى من جهته فى مقابلها.وفى ذات الإطار أعلن ملياردير البيتكوين، تيم دريبر، توقعات صادمة عن مستقبل الدولار الأمريكى محذرا من أن الدولار سوف ينهار بحلول عام 2030، أما المحللون الاقتصاديون فى مؤسسة جيفريز فقد توقعوا أن يواصل بنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى تشغيل طابعة الدولار بذات الكميات والقيم الفلكية، مما سيؤدى إلى انهيار الدولار الأمريكى وتغذية طفرة هائلة فى أسعار البيتكوين لمنافسة الذهب.• • •أما خارج الولايات المتحدة، ومنذ حوالى أسبوعين، قد أعلن بنك الشعب الصينى أن نظام التسوية العابرة للحدود للعملة الرقمية الصينية المعروفة باسم اليوان الرقمى سيتم ربطه بالكامل مع الدول العشر الأعضاء فى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وست دول فى منطقة الشرق الأوسط، مما يعنى أن 38% من حجم التجارة العالمية سيتجاوز نظام سويفت الذى يهيمن عليه الدولار الأمريكى وتتحكم به الولايات المتحدة.دول الآسيان التى تجاوزت معاملاتها التجارية الدولية البينية قيمة 5.8 تريليون يوان فى عام 2024 أدرجت ست دول منها فى مقدمتها ماليزيا، وسنغافورة اليوان الصينى ضمن احتياطياتها الدولية من النقد الأجنبى، كما أبرمت تايلاند أول صفقة لاستيراد النفط باستخدام اليوان الرقمى كعملة تسوية، هذه التوجهات والخطوات الكبيرة دفعت أحد مسئولى بنك التسويات الدولية إلى التصريح بأن الصين تعيد تعريف قواعد اللعبة فى عصر العملات الرقمية.وفى مشروع التعاون الاقتصادى المسمى «بلدان وحديقتان» بين الصين وإندونيسيا، قام مصرف «إندستريال بنك» باستخدام اليوان الرقمى الصينى لإتمام أول معاملة دولية بالعملة الجديدة بين البلدين، حيث استغرقت العملية من تأكيد الطلب إلى وصول الأموال ثمانى ثوان فقط، وهى فترة زمنية أسرع بمائة مرة من الطرق التقليدية، هذا التفوق التكنولوجى دفع 23 بنك مركزيا حول العالم للانضمام إلى اختبارات جسر العملة الرقمية الصينية.تطوير الصين لمنظومة اليوان الرقمى يعنى زمنيا تقليص سرعة تسوية المعاملات المالية الدولية إلى 8 ثوان فقط، وفى تجربة عملية لتطبيق ذلك النظام بين هونج كونج وأبوظبى، تم سداد مستحقات أحد موردى النفط فى الشرق الأوسط بواسطة اليوان الرقمى خلال ثوان معدودة، وبذلك لم تعد الأموال تمر عبر عدة بنوك وسيطة، بل تم استلامها لحظيا فى الوقت الفعلى من خلال دفتر حسابات موزع، وفى مقابل رسم معاملات أقل بنسبة 90% مقارنة بالرسم المدفوع عبر نظام سويفت.كما تم دمج اليوان الرقمى مع نظام بيدو للملاحة والاتصالات لبناء جزء من طريق الحرير الرقمى فى مشروع سكة حديد الصين-لاوس، وسكة حديد جاكرتا-باندونج، وهو نهج يجمع تكنولوجيا بين العالمين الواقعى والافتراضى فى إطار العملة الرقمية الصينية، وفى تقدير المحللين الاقتصاديين أن أكثر من ثلثى دول العالم اتجهت بالفعل لتكييف أنظمتها مع اليوان الصينى الرقمى، وتجاوزت قيمة المدفوعات الدولية به 1.2 تريليون دولار أمريكى.هذه المزايا الكبرى لنظام اليوان الرقمى الصينى، جعلت نظام التسوية التقليدى القائم على الدولار يبدو بطيئا وغير تنافسى معه، فنظام سويفت يستغرق وقتا يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام فى نظام المدفوعات العابرة للحدود، فضلا عن رسوم المعاملات المرتفعة، واعتبارات الهيمنة والتحكم الأمريكى فيه بالسماح أو الحظر لدولة ما أو شركة ما حسب التوجهات السياسية الأمريكية نحو الدولة المعنية، كل تلك الاعتبارات تجعله فى موقف تنافسى أضعف بكثير فى مواجهة اليوان الرقمى الصينى.من جهة أخرى فالعملة الرقمية الصينية تقوم على تكنولوجيا الـ«بلوك تشين» التى تحقق درجة عالية من الأمن السيبرانى للمعاملات بحمايتها من الاختراق والتتبع، كما أنها فى ذات الوقت تفرض كجزء من منظومتها القانونية قواعد صارمة للحيلولة دون استخدامها فى عمليات غسيل الأموال.انعكاس تدشين اليوان الرقمى الصينى سيظهر على الساحة السياسية والاقتصادية الدولية جليا فى الأيام القادمة، فالاستراتيجية التى تتبعها الصين تجاوزت صياغة الدور المستقبلى لليوان الرقمى الصينى كأداة للمدفوعات ليكون عنصرا أساسيا فى مبادرة الحزام والطريق الصينية العالمية، فضلا عن أن مزاياه تتيح درجة عالية من التحرر وعدم الخضوع للهيمنة التسلطية الأمريكية سياسيا واقتصاديا.لذلك فمن المؤكد أن العالم سيشهد خلال المرحلة القادمة تغييرات كبرى، لعل أولها يكون الإطاحة بالدولار الأمريكى من على عرش العملات الدولية بعد ثمانين عاما كاملة من الهيمنة والسيطرة.
مقالات اليوم محمد المنشاوي ترامب وإسرائيل ومكارثية أمريكية جديدة نيفين مسعد عقاقير محرّمة صحافة عربية «اليوم التالى» كما يراه نتنياهو.. هجرة «طوعية» واحتلال دائم
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك