x قد يعجبك أيضا

عقاقير محرّمة

الخميس 3 أبريل 2025 - 7:30 م

هذا هو المقال الثامن عشر في سلسلة المقالات التي تخّص المشروع الذي أشتغل عليه عن الشخصية القبطية في الأدب المصري، ومقال اليوم يدور حول رواية "عقاقير محرّمة" للكاتب عصام راسم والصادرة عن منشورات الربيع في عام ٢٠٢٠. الرواية بعيدة عن السياسة، بطلها هو الموظّف مدحت عيّاد، الذي وجد نفسه فجأة مع شقيقه الأكبر وصفي وشقيقه الأوسط عدلي ورثة لقدّيس ابن العمّ غير الشقيق لأبيهم ووثيق الصلّة به جدًا. فالمتوفّي انقطع أثره في الدنيا بوفاة كل أقاربه من الدرجتين الأولى والثانية في ظروف أكثرها مأساوي. وهكذا كلّف الأخ الأكبر صفوت شقيقه الأصغر مدحت بإنهاء أوراق التركة وتوزيع الأنصبة وفق الشرع والعُرف، باعتبار أن مدحت موظف حكومي عتيد. وعبر رحلة مدحت لإنجاز هذه المهمّة، يتضّح له أن كل التركة عبارة عن البيت الذي بنّاه العمّ قدّيس ويتبقّى عليه قسط واحد من قيمة الأرض المقام فوقها، وفي الوقت نفسه فإن قدّيس له دَين في رقبة البنّاء عبد الرحمن شبك، وتحصيل هذا الدين مطلوب ضروري لسداد القسط المتبقّي من قيمة الأرض. لكن الأمر لم يكن سهلًا كما يبدو، فلقد كان يحول دون تحصيل الدَين اشتراط عبد الرحمن شبك الحصول على موافقة من المعلّم صبري الذي فوّضّه قدّيس أثناء حياته في كل أموره المالية، وكان بين المعلّم صبري وبين حافظ ابن صفوت شقيق مدحت إشكال كبير. وبعد أن يلّف البطل ويدور بين المكاتب، ويتبيّن صعوبة تخليص البيت من مديونيته يقرّر أن ينفض يديه من الموضوع برمّته لنفاجأ في النهاية بأن شقيقه عدلي نجح في تحصيل الدَين من عبد الرحمن شبَك دون أن نعرف كيف تمّ ذلك ودون موافقة المعلّم صبري، لكن المهم أن هذا يفتح الباب أمام احتمال تقسيم التركة بما يرضي الله بين الإخوة الثلاثة، مع العلم أن الأخ الأكبر كان قد تنازَل عن نصف نصيبه في البيت/التركة لأخيه الأصغر مدحت بطل الرواية.
• • •
القارئ لهذه الرواية والذي سبق له أن قرأ أعمالًا أخرى لنفس المؤلّف يدرك جيدًا أن عصام راسم يمزج عادةً في كتابته بين الفلسفة والأدب، ويثير الأسئلة ويميل للنهايات المفتوحة، وأنه ينحت مفردات لغوية جديدة لكنها غريبة على الأذن. يتأمّل بطل رواية "عقاقير محرّمة" في ظاهرة الموت على سبيل المثال- فيراه مُعديًا في بعض الأحيان، ويراه قانونًا ومؤامرةً تشارك فيها كل الصيغ الوجودية في الوقت نفسه، وأنه كإنسان يعيش في محنة الحضور الطاغي للصراع الدائم بين الموت والحياة. ويتركنا المؤلّف نضرب أخماسًا في أسداس عن سر العلاقة الوثيقة بين والد بطل الرواية مدحت والعمّ قدّيس خاصةً أن أحدهما لا يشبه الآخر، ويشككنا في ما إذا كانت بعض الأحداث المروية قد حدثت أصلًا، وأن بعض الأشخاص الذين رآهم البطل كانوا حقيقيين فعلًا، وذلك لأن البطل مدمن لتناول العقاقير، وبعض هذه العقاقير يسبّب هلاوس وتهيؤات. ويفاجئنا عصام راسم بمفردات من نوع "انبطشتُ على وجهي بطشًا"، و"طرقته بالسؤال"، و"يعتمل ويجوش في مخه"، و"زاد اعتلاج اللحم والروح". هذا عن نهج الحكي وطريقة السرد. أما في المضمون فإن الرواية تصوّر لنا التجليات المختلفة للشخصية القبطية كما هي في المجتمع المصري، وذلك بعيدًا عن القولبة المثالية التي جنحَت لها الكتابات المبكّرة عن الأقباط. وهكذا نجد أن مدحت عيّاد يجاري زملاءه في المصلحة في تقاضي الإكراميات/الرشاوي من المواطنين لإتمام أشغالهم وذلك بعد فترة تردّد لم تطل، فهو يحتاج إلى المال ليتزوّج من روما بنت المقدّس كامل. كما نجد صفوت الملتزم المتديّن الذي ينطبق عليه مثَل "يخلق من ضهر العالِم فاسد" فابنه حافظ أرعن يتاجر في الآثار وأشياء أخرى. وعدلي ضعيف الشخصية أمام زوجته مرثا ابنة المقدَس بشرى تاجر القماش، وهو يتاجر في الخمر ويورّده للفنادق. وطبعًا العمّ قدّيس نفسه الذي تفانى في رعاية أخويه وأسرته كلها بمنتهى الإخلاص.لا نمط واحد ولا مثالية مطلقة، فالدين شيء وأتباعه شيء آخر.
• • •
لكن إذا كانت رواية "عقاقير محرّمة" تدور حول مسيرة أسرة قبطية محدّدة، فإن رواية "الحكروب" (المسماة على اسم جبل في أسوان) تعّد أشهر أعمال الكاتب عصام راسم والتي استهّل بها تجربته الأدبية تدور حول الحياة في أسوان في نهاية الثمانينيات وكيف مهدّت ظروفها لموجة الإرهاب التي ضَربَت جنوب مصر، وأخذَت تتمدّد في البلاد كما يتمدّد مرض التينيا في جسد هالة التي أحبها البطل. لست متأكّدة تمامًا أن بطل الرواية جمال يوسف فهمي ذلك الشخص ضعيف الشخصية والعامل في مصنع الثلج- مسيحي الديانة، فاسمه محايد كما هي أسماء كل أقاربه باستثناء خطيب أخته مرتضى، وبعض مفرداته تنهل من مفردات الخطاب المسيحي بوضوح. لكنه على أي حال يتشابه مع الكثير من شخصيات الرواية الأخرى أقباطًا ومسلمين: يشبه الأسطى جرجس النقّاش الذي يضع لنفسه قانونه الخاص في الحلال والحرام فيرفض العمل في تهريب الأسماك ويحرّض منصور على قتل زوجته الخائنة، لكنه يجلب لأصحابه أم حسن زوجة الضمراني صاحب الغرزة ليعاشرونها معاشرةً مدفوعة الأجر. ويشبه خاله صالح العامل السابق في بناء السد العالي وهنيّة زوجة خاله وصفي الموظف السابق بهيئة السكك الحديدية ومسعود ذلك الشاب البوهيمي المتردّد، يشبههم في حالة الإحباط التي كانوا يعانون منها، وفي البطالة التي ضربتهم لأسباب مختلفة، وفي الأمراض التي فتكت بأجسادهم، ويشبههم أيضًا في السقوط في بئر الخيانة. جميعهم ينتمون لهذا النوع من الشخصيات التي يصفها الكاتب بأنها شخصيات رمادية، بمعنى أنها لا تثير الاهتمام ولا تترك أثرًا ولا يسكنها الأمل. فحتى عندما تعلّق البطل بشخصية الفنان المرهف صلاح محمد اسماعيل، سرعان ما صُدم في موته بمحجر الجرانيت بشكلٍ بشع بعد تجربة فاشلة للعمل في الخارج. ويبدو أن شخصية صلاح هذه لها ظّل من الواقع حتى أن اختفاءها أثّر في الكاتب تأثيرًا كبيرًا، فإذا هو يعود للحديث عنها في مجموعته القصصية "كان يشبهني بالضبط" الصادرة بعد "الحكروب" بأكثر من ثلاثين عامًا، ويخصّص لها قصة قصيرة بعنوان "صلاح محمد اسماعيل الصوفي الذي مات بهدوء أغاظني جدًا جدًا".
• • •
إن القراءة لعصام راسم ابن الجنوب الذي ينتمي لجيل الستينيات تحتاج إلى درجة عالية جدًا من التركيز، ففضلًا عن اختلاط الأدب عنده بالفلسفة، فإن لجوءه المتكرّر إلى التورية، وكون المسكوت عنه في أعماله أكثر من المكتوب، فإن هذا يجعل القارئ في حالة انتباه دائم. إننا إزاء كاتب من الوزن الثقيل، له رؤيته وأدواته وشخصيته المميّزة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة