في ذكرى رحيل رضوى عاشور.. رحلتها إلى أمريكا بين الندم والخوف والحماس - بوابة الشروق
الأربعاء 20 يناير 2021 8:27 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

في ذكرى رحيل رضوى عاشور.. رحلتها إلى أمريكا بين الندم والخوف والحماس

رضوى عاشور
رضوى عاشور
الشيماء أحمد فاروق
نشر في: الإثنين 30 نوفمبر 2020 - 3:21 م | آخر تحديث: الإثنين 30 نوفمبر 2020 - 3:21 م

في 30 نوفمبر عام 2014، رحلت الكاتبة المصرية رضوى عاشور، تلك السيدة صاحبة البصمات في الأدب سواء على المستوى الإبداعي برواياتها المختلفة، "ثلاثية غرناطة" و"سراج" و"رأيت النخيل" وغيرها، أو المستوى النقدي والتحليلي للأعمال الأدبية الأخرى، وكان من بين دراساتها، دراسة الكتابات النقدية الأفرو-أمريكية.

وفي كتابها "الرحلة.. أيام طالبة مصرية في أمريكا"، تروي رضوى في أسلوب أدبي منذ اللحظة الأولى لها في المطار، عام 1973، أثناء توجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لدراسة جانب جديد من الأدب المرتبط بحركات النضال "الأفرو أمريكي"، وتحكي بإسلوب سردي روائي بخفة ظل ومواقف مرت بها هناك.

بعين مندهشة تراقب كل شيء وتلاحظه بشدة، نتيجة لاختلافها عن حياتها التي اعتادتها، أخذت رضوى تحكي التفاصيل، وتعبر عن خوفها من الغربة، وترددها تجاه دراستها الجديدة، التي شعرت بالقلق تجاهها، خوفاً من أن تكون غير مفيدة لها.

وقالت: "إنني بدأت اشعر بالخوف وإنني قد أغالب غربتي وأستمر وقد أحزم أمتعتي وأذهب لا أدري قلت إنني أريد دراسة الأدب الأفرو أمريكي كجزء من انشغالي بعلاقة الأدب بواقع النضال الشعبي وإنني أدرس في قسم الأدب الإنجليزي ولكني لا أريد التورط في بذل سنوات من العمر والجهد في دراسة لا تدخل نطاق همومي الملحمة والقضايا الأكثر إلحاحاً لواقعنا الثقافي"، كانت رضوى حينها فتاة ناضجة وحاصلة على الماجستير، إلا أن هذا الموقف يعبر عن مدى قلق الانسان مهما بلغت درجته العلمية، وخوفه من الغربة والتردد مع أول لحظاتها.

لم تترك رضوى الطبيعة دون أن تحكي للقاريء عنها، وسط سطور حكايتها، فقد حرصت على نقل مشاعرها نحو الحياة الجديدة التي تراها، فقالت: "ثم تجاوزنا أمهرست- مدينة في ولاية أوهايو- ورحنا نصعد إلى التلال الواقعة إلى شمال البلدة عبر سكك جبلية ملتوية بين أشجار ساقمة تحجب بأفرعها المتشابكة الكثيفة الخضراء ضوء الشمس، وبدا لي المكان وسط الخضرة الغائمة في الغس الوشيك جميلاً ومختلفاً وهذا السكون الذي أنصت له وأستجيب غريب على كأنه خلق جديد".

ولم تنس رضوى أن تحكي عن أول يوم في الجامعة، بذات العين المندهشة لكل ما تراه قالت: "حين وصلت الجامعة لم تكن الدراسة قد بدأت بعد وكان معظم الطلاب لا يلبسون إلا الشورت والطالبات يضفن له بلوزة قطيفة لا يتجاوز عرضها الشبر تترك البطن والظهر عاريين للشمس ويسيرون أحياناً حفاة في المكان يتبادلون قبلات العشق علناً، ورغم طرافة المشهد الذي لم يكن يسيء لأي معتقد لدي فقد كان يؤكد أنني بعيدة بل بعيدة جداً عن كل ما عرفت وألفت وأنني وحدي"، وغلب عليها في السطور الأولى من مذكرات هذه المرحلة الشعور بالوحدة والاغتراب الشديد رغم تأكيدها على اتقانها للغة الإنجليزية ومحاولتها كسر المخاوف والتواصل مع الآخرين.

وأما في غرفتها الخاصة أخذتنا رضوى إلى تفاصيلها، وشريكتها في السكن التي كانت تنحدر من أصول ملكية برتغالية، لذلك كانت تتعامل معها بحذر وتحافظ على المسافات في الحديث معها، مما دفع رضوى إلى مزيد من الشعور بالندم على خطوتها التي أوصلت بها إلى هذه الحالة، وقالت: "زاد وجود لوزي معي في الغرفة من إحساسي بأنني وحدي أقول لنفسي أحيانا هل فقدت عقلي لكي أستبدل بيتي في القاهرة ورفقة مريد بهذه الجنوبية البيضاء ودبها القطني".، وكانت الفتاة تعاملها بتعالٍ وتكبر مما سبب لرضوى شعور بعد الراحة في التواجد معها داخل غرفة واحدة

كانت تشعر في كل التفاصيل من حولها بالاختلاف وليس فقط بالوحدة، تراقب حتى حبات المطر وتصفها، وتقارنها بما كانت تشاهده في مدن مصر، وتقول عن ذلك:"بدا لي كل شيء غريباً ومختلفاً ومنذ اللحظاة التي دفعت فيها الباب الزجاجي لمطار لوغان في بوسطون وخرجت إلى الشارع كنت أخطو نحو عالم جديد حتى في تساقط الأمطار بهذه الغزارة في يوم قائظ الحرارة في آخر أغسطس...".

واستكملت رضوى حديثها عن تفاصيل العالم الجديد الذي اختارته والدراسة التي قررت أن تكون جزءً من مسيرتها العلمية، وحرصت على أن تنقل في كل فصل من فصوله تفاصيل دقيقة عن الحياة في ولايات أمريكا، ومظاهر الحياة فيها والأشخاص الذي تلتقيهم، وكان انتظار الخطابات من القاهرة هو ملجأها عندما تشعر بمزيد من الوحدة، فالانتظار كان الحل كما وصفت.

أما الحل الآخر الذي اتبعته في وحدتها، هو قراءة الخطابات القليلة التي تصل كل حين وآخر، فهي تشعرها بالدفئ، وتعود بها إلى الذكريات، وتصف شعورها في هذه اللحظة قائلة: "تأتيني كلمات مريد كقبلة على الجبين تباركني"، وهنا زاوية أخرى في التعامل مع الوحدة وهي الاستئناس بالأحباب والمقربين حتى وإن ابتعدت المسافات بين الشخص وأحبابه.

وتسبب حنينها الشديد في البداية إلى زوجها ومنزلها إلى الإعياء والتزام الفراش لفترة، نتيجة للتفكير الكثيف الذي استولى على ذهنها، حول مدى صحة قراراها بقبول المنحة وموافقة مريد على هذه الخطوة.

وقالت: "كنت أعرف أنني قلقة، وبدا لي أنني ومريد اللذين عشنا طويلاً في ظل جغرافيا مفرقة، بافتراقنا هذه المرة قد نضيع... ولد بنية عاشقان ولكنهما يسيران كل وحده في طرقات نصف مختلفة من دنيا واسعة لا يميزها الأمان".

تتابع: "بعد أن فكرنا في أمر قبولي المنحة وسفري وقبلناه بدا لي أني إمرأة خرقاء تترك أمان البيت وتذهب هكذا.. امرضتني الفكرة ولازمت الفراش وعادني الطبيب وبدا لي أنني مضطربة ولكني في الحق كنت خائفة إلى حد الذعر... سأولي الأدبار قلت لنفسي ولكني سافرت"، وهكذا حسمت الأمر أن هذا الواقع ويجب أن تتقبله رغم ما يجلبه من أفكار سيئة ومخيفة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك