خالد محمود يكتب: فيلم يطرح سؤال العمر «الرجل الذى باع ظهره».. بأى ثمن تبيع حريتك.. وبأى ثمن تستردها - بوابة الشروق
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 2:00 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

خالد محمود يكتب: فيلم يطرح سؤال العمر «الرجل الذى باع ظهره».. بأى ثمن تبيع حريتك.. وبأى ثمن تستردها

خالد محمود
نشر في: الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 5:48 ص | آخر تحديث: الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 5:57 ص

برؤية تمزج بين واقع قاس وحلم يرسم ملامحه القدر وصورة لم نعتد عليها كثيرا، تقدم المخرجة التونسية كوثر بن هنية فيلمها الجديد «الرجل الذى باع ظهره»، الذى عرض فى افتتاح مهرجان الجونة السينمائى الرابع، ويقوم ببطولته يحيى مهاينى، ومونيكا بيلوتشى، وديا إليان، وكوين دى بو، وسعد لوستان.
عنوان الفيلم الصادم يوحى منذ اللحظات الأولى، بكثير من المعانى، وبأننا أمام قصة إنسانية ندرك معها قيمة البحث عن الحب والامان الذى تركنا وطاف بعيدا، وكيف يمكن أن نطفئ نار أشعلتها سياسات وصراعات ألقت بظلالها مزلزلة حياة بشر دون أن نتنازل عن حريتنا.
بطلنا «سام على» الذى يجسد دوره ببراعة وتلقائية الممثل «يحيى مهاينى»، شاب سورى اضطر بعد تعرضه لمضايقات واضطهاد إلى الهرب من بلده الغارق فى الحرب، واللجوء إلى لبنان بحثا على الحصول على تأشيرة سفر إلى بلجيكا حيث تعيش حبيبته «عبير»، وعندما يتعثر يعقد صفقة صعبة للغاية، تغير حياته للأبد، حيث يوافق على أن يتحول ظهره إلى لوحة لفنان شهير «جيفرى جودفرى»، معروف بتحويل الأشياء التى لا قيمة لها إلى ملايين الجنيهات، وذلك مقابل حصوله على فيزا للسفر للقاء حبيبته فى بروكسل، ويتم الاتفاق الشيطانى الذى يسرى مفعوله فى وجدان سام تحت بند «يمكننى أن أقدم لك بساطا سحريا لتسافر بحرية»، وسام ملزم تعاقديًا بجعل نفسه متاحًا بالكامل للمعارض، بالإضافة إلى التنازل عن ثلث إيرادات مبيعاته.
«الشهرة.. المال» وهناك من يهمس فى أذنه يخبره أن الدنيا ملكه.. ولكن بأى ثمن؟ يفقد روحه وحريته التى يعيش الرحلة بحثا عنها. فهو «باع ظهره» بالمعنى الحرفى والرمزى، حيث قبل بوشم ظهره، وأن يعرضه كلوحة لها مكانتها أمام الجمهور لتباع فى مزاد.
استوحت بن هنية، كاتبة السيناريو، تلك اللحظة فى فيلمها من أعمال الفنان البلجيكى المعاصر «ويم ديلفوى» الذى رسم وشما على ظهر رجل وعرض العمل للبيع، عبر صورة سينمائية مثيرة للجدل تتلاقى فيها آهات اللاجئ المكبوتة وصراعات عالم الفن التشكيلى وكأنها قصة من نوع غير مألوف، نستكشف فيها شخصية فنان يثير الجدل ليست هناك أبعاد لحدود أحلامه حين يقدّم إنسانا على أنه عمله الفنى فهو بلاشك يسخر من عالم الفن، بينما يتحول سام إلى نوع من البضائع حتى يتمكن من إعادة التواصل مع إنسانيته والعثور على الحرية.
قدم الفيلم شخصية الفنان فى صورة جديدة ومن منظور مختلف، بينما يجىء أداء الموهوب الكبير يحيى مهاينى فى دور سام ملهما وعميقا، ليكون بحق ذلك المواطن الذى يجسد بتعبيراته الخارجية وكم المشاعر الداخلية وقدرته على الانتقال من حالة عاطفية إلى أخرى الفكرة التى أرادت المخرجة وصولها للعالم.
فى مشاهد مترابطة وجدانيا تبدو فكرة المساواة فى حرية التنقل والعيش العنصر الأهم، فالمسألة ليس جنس الشخصية وإنما رحلتها وتجربتها العاطفية، فسام شخصية عفوية يعيش فى عالم تقيّده القواعد والشروط، شخص لا يستطيع التعبير عن نفسه فى عالم الديكتاتورية الذى ولد فيه، وأنه غير قادر على السفر إلى حيث يريد.
سخر الفيلم من عالم الفن ومتاحفه ومؤسساته الذى يتعامل مع أى شىء لبيعه وشرائه وعرضه، من خلال الرسام البلجيكى ويم ديلفوى الذى ظهر بالفعل فى الفيلم بتجسيد دور وكيل تأمين.
كما أن فكرة هذه القصة نفسها مذهلة، بوقوفها فى مفترق الطرق بين حقيقتين متطرفتين تجسدان: البقاء والآمال المؤلمة لرجل منفى يواجه الرفاهية غير المجدية وطموحات دوائر الفن المعاصر فى العالم.
فهناك مجموعة من المغامرات السيئة لكل الشخصيات التى نرى خلالها أسئلة شائكة تبرز حول موضوع الهوية، مع إدراك سام واستعباده كلاجئ ولكنه اكتشف أيضًا شكلا من أشكال القوة.. وتلك رسالة سينمائية عظمى.
فقد شاهدنا صورة مدهشة جو فريد من المتناقضات، حيث تتشابك القضايا المطروحة فى النضال من أجل الحرية، لكنه مع ذلك انعكاس عادل للمفارقات المقلقة والقاسية المتأصلة فى نظام يكون فيه «كل شىء له ثمن»، بما فى ذلك البشر.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك