مصطفى الفقى يكتب: عالمية الوباء والقومية الجديدة - بوابة الشروق
الأحد 5 يوليه 2020 9:12 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مصطفى الفقى يكتب: عالمية الوباء والقومية الجديدة


نشر في: الثلاثاء 26 مايو 2020 - 10:07 م | آخر تحديث: الثلاثاء 26 مايو 2020 - 10:07 م

اختلفت وجهات النظر فى تصوّر العالم الجديد الذى نخطو نحوه بعد المأساة الدولية الناجمة عن وباء كورونا، وقد رأى البعض أنها ستؤدى إلى عالمية المواطن بحيث يصبح جزءا من الكل الشامل فى عصر جديد، بينما رأى آخرون عكس ذلك، فهم يعتبرون أن الاحتمال الأرجح هو الإحساس بالعزلة والانكفاء على الذات والبعد عن الاندماج مع الأمم المختلفة والشعوب الأخرى. وكلا الرأيين له ما يدعمه من وجهات النظر، وإن كنتُ أميل إلى التوجه الأول الذى يعتقد أن ما جرى قد أدى إلى خلق شعور مشترك وإحساس واحد تجاه القضايا ذات الطابع الأممى، فلقد صنعت كورونا قاسما مشتركا بين البشر، جعلته يدرك أن الخطر واحد وأن المصير لا يختلف بين جنس وآخر ومواطنى دولة معينة ودولة أخرى. لذلك فإننى أزعم أن عصر القوميات قد يتوارى مستقبلا وتحلّ محله مجموعة المخاوف المشتركة من الأوبئة والأمراض حينا ومن التغيرات المناخية حينا آخر، فضلا عن المعاناة المقبلة من شحّ المياه ونقص الطاقة وندرة الموارد وتلوث البيئة وشيوع الإرهاب والجريمة المنظمة. ولعلى أزعم هنا أيضا أن قضايا الحريات العامة والمشاركة السياسية والديمقراطية الحديثة قد لا تجد كلها ذلك الموقع الذى تمتّعت به حتى الآن وستحلّ مكانها المسائل المتصلة بالبحث العلمى والابتكارات الجديدة والرؤية الحديثة لإمكانية إخضاع الإنسان لقوى كبيرة تحاول السيطرة على الكون ومخلوقاته ووضع قيود على حركته.
ولعلنا نتابع – ولو بتساؤلات عدّة وشكوك كثيرة – قصة الشريحة التى يريدون غرسها فى أجساد البشر جميعا بحيث تعدُّ عليهم حركاتهم وسكناتهم وتخضعهم لقوة أكبر قد تكون تحالفا غير شرعى بين الآباء الكبار للنظام الرأسمالى التراكمى وبين أجهزة الاستخبارات الكبرى بحيث يشكّلون جميعا العقل الجديد الذى يوجه العالم فى الاتجاه الذى يراه ويسير به إلى حيث يشاء، واضعين فى الاعتبار دور الذكاء الصناعى والإنسان الآلى. ولقد قرأتُ أخيرا دراسة مثيرة عن احتمالات المواجهة المقبلة ولو بعد حين بين الإنسان الآدمى والروبوت ــ أى الإنسان الإلكترونى ــ الذى يؤدى أعمال الإنسان الطبيعى ذاتها تقريبا مع تكلفة أقل ومن دون أجر مطلوب واندهشت لاحتمالات حسم المنافسة لصالح الإنسان الآلى والاعتماد على الذكاء الصناعى، أما عن الحريات وحدودها، فحدّث ولا حرج فسيكون الإنسان مراقبا طول الوقت بحيث يوجد فى داخله مَنْ يرصد عليه أفكاره وانتقالاته وانفعالاته بل طموحاته أيضا، إننا نواجه عصرا مخيفا بدأت ملامحه (ببروفة) تجريبية فى عالمية الوباء الذى لم ينحسر بعد والذى ترك آثارا غائرة فى التركيبة النفسية للبشر فى كل زمان وأخضعنا لحالة من الترقب، تجعل ثمن الحياة والبقاء هو القبول بكل التغييرات المحتملة والتطوّرات المستجدة، وهنا أستأذن القارئ فى أن أطرح بعض الملاحظات:
أولا: لقد عاشت البشرية فى معظم دول العالم عصر الأيديولوجيات المستندة إلى عقائد فكرية وانتماءات سياسية، فعرفنا الدولة المستندة إلى أيديولوجية محدّدة سواء كانت قائمة على النظام الاشتراكى المركزى الذى ينطلق من النظرية الماركسية أو تلك التى كانت نبتا من تربة النظام الرأسمالى القائم على التنافسية والاقتصاد المفتوح والانفتاح على الحريات العامة. ولقد ظلّ الأمر كذلك حتى احتدمت بين النظامين حرب باردة فى أعقاب الحرب الكونية الثانية ثم انتهى الأمر فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى إلى انهيار الأيديولوجية الماركسية بعد تراجع الظاهرة الاستعمارية المستندة إلى النظام الرأسمالى الغربى، وتصوّرنا أن الأمر يمكن أن ينتهى عند ذلك ولكن الذى حدث هو اندلاع حرب اقتصادية كانت ساحتها الدولية هى منظمة التجارة العالمية، بينما امتدّ تأثيرها إلى سباق العملات والضربات الخفية من خلال الأنظمة النقدية ومعدلات التبادل التجارى بين الدول الكبرى. فلقد دخلنا فى عصر أصبحت السيادة فيه لِمَن يملك المعرفة والمال، لا مَنْ يملك السلاح ومعدّات الحرب الحديثة، لهذا السبب جرى تصاعد للقوميات والأيديولوجيات معا فى العقود الأخيرة تحت شعار كبير يتحدث عن صراع الحضارات ويقسم العالم قوميا على نحو غير مسبوق.
ثانيا: إنّ ما جرى فى الأشهر الأخيرة من امتداد لوباء كورونا حتى هدّد حياة الأسر والأفراد فى كل مكان، جعلنا نتساءل عن إمكانات المواجهة المستمرة مع القوى الجديدة فى كل اتجاه، بما فى ذلك الأوبئة الفتاكة والأمراض الطارئة التى صنعت فى النهاية حلفا صامتا بين البشر، دفع الجيش الأبيض فى الطب والتمريض إلى الصفوف الأمامية بديلا للجيوش العسكرية أو التكتّلات الاقتصادية وأشعَر الجميع بأهمية البحث العلمى، خصوصا فى مجالَىْ الطب الوقائى والطب العلاجى. ويكفى أن نتذكّر أن حديث كل قادة العالم قد تركّز لأكثر من نصف عام على قضية كورونا وحدها بحيث أصبحت الشغل الشاغل فى السياسة والإعلام، فى الاقتصاد والمجتمع، وستظل فى الذاكرة البشرية مخاوف تلك الفترة لا تغيب أبدا.
ثالثا: لقد أطلّت بوادر العالمية على حساب القومية منذ انتهاء الحرب الباردة سياسيا والدخول فى عصر ذبول القوميات وتصاعد دور المفاهيم الإنسانية المشتركة فى ظل الطرح الجديد لحقوق الإنسان، ولكن الذى جرى هو أن فكر العولمة لم يصمد طويلا أمام الأطروحات العنصرية والتيارات الإرهابية فى العقود الأخيرة، بل لقد شعرنا أن استقرار العالم والسلم والأمن الدوليين لا تقف كلها لمجرد غياب المواجهة العسكرية الشاملة بل إن الأمر يتجاوز ذلك لكى يكون حصادا للأفكار الجديدة والاكتشافات الحديثة والتطوّرات التى طرأت فى مجالات الصناعة والتكنولوجيا، فضلا عن التقدّم الهائل فى العلوم الحديثة وتداخل فروعها واندماج بعضها لخدمة الإنسان، مثلما حدث بين الطب والهندسة فى إيجاد أدوات جديدة وأجهزة علاجية متقدمة لم تكن متاحة من قبل. وبذلك أصبحنا أمام عمليات اندماج علمية وبحثية وتصوّرنا أننا قد عبرنا بها إلى شاطئ الأمان ولكن يبدو أن الحقيقة التى تقول إنّ من يعرف أكثر يكتشف أنه يجهل أكثر أيضا! هى حقيقة تنطبق على العالم وذاكرته البشرية فى هذه الفترة التى عبرنا فيها إلى عالم مختلف وعصر جديد.
رابعا: يرى البعض أن القومية تستند إلى فكر عنصرى ومفهوم عرقى لن يكون له مجال فى المستقبل، ولقد قال ذلك عدد كبير من أساتذة علم السياسة وخبراء القانون الدستورى الذين اتفقوا على أن عصر القومية هو مرحلة وليس هدفا نهائيا للدول والشعوب، بل أضافوا إلى ذلك شعورا بالقلق تجاه التوجّهات الشيفونية والانحيازات القومية التى لا تخلو من رؤية عنصرية وفكر متعصب، ولقد استبدل عددٌ كبيرٌ من القوى المعاصرة بالمفهوم القومى لديها أفكارا أخرى حديثة تقوم على مفردات مثل حقوق الإنسان والحريات العامة والتكامل الاقتصادى والحفاظ على البيئة وحماية الأقليات. وعلى الرغم من ذلك كله، فلقد أثبتت الأحداث فى مواجهة وباء كورونا أن البشرية ما زالت تفتقد إلى أطروحات عصرية تنتج توفيقا بين الانتماء القومى وبين الانضواء تحت مظلة عالمية واحدة.
خامسا: إنّ الغرب الذى صدّر إلينا فكر العولمة بعد سقوط حائط برلين وبداية الحديث عن انسياب الأفكار والسلع والخدمات من دون النظر إلى الحدود الدولية والحواجز الإقليمية؛ إنّ هذا التفكير الذى رحّبنا به جميعا لم يصمد طويلا، فقد صدّر الغرب ذاته فكرا مختلفا يتحدث عن صراع الحضارات والمخاوف الجديدة ممّا يُسمّى بالخطر الأخضر أى (الإسلاموفوبيا) بديلا للمخاوف التقليدية تجاه النظم الشيوعية التى كنّا نسميها بالخطر الأحمر. من هنا بدأت المواجهة الدامية بين الإرهاب الذى يرفع رايات الإسلام للخداع والتضليل وبين القوى الغربية الصاعدة التى تتوهّم سيادتها على العالم وحقها فى توجيه الأمور، حتى أصبحنا أمام ظاهرة استقطاب جديدة تمهّد لحرب باردة على أسس اقتصادية وتكنولوجية ربما لم تكن مطروحة من قبل، ولعل الجدل الساخن بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين يُعتبر مؤشرا إلى ذلك ومؤكدا عليه.
إن عالمية الوباء والمخاطر المشتركة توحى بأفكار جديدة ورؤية مختلفة ولكن ذلك لا يمنع من أن صراعا مكتوما بين القومية والعالمية سينعكس على المستقبل القريب والبعيد... إنّنا أمام تغييرات آتية وتطوّرات هائلة وعصر جديد!
نقلا عن اندبندنت عربية



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك