بي بي سي: كيف يتعامل اليابانيون مع الحنين للماضي بطريقة مختلفة؟ - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:02 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


بي بي سي: كيف يتعامل اليابانيون مع الحنين للماضي بطريقة مختلفة؟


نشر فى : الجمعة 24 يناير 2020 - 4:31 ص | آخر تحديث : الجمعة 24 يناير 2020 - 4:31 ص

خلال طفولتي، كنت أقضي فصل الصيف في مدينة يوكوهاما اليابانية. حينذاك، كانت جدتي لأمي تأخذني في نزهة يومية، خلال فترة ما بعد الظهر لنتجول في أنحاء حيها، ولتعلمني أسماء الزهور التي نصادفها.

وقتذاك، كان صوت الحشرات المنتمية لفصيلة "الزيزيات" يعلو على صوت جدتي الخفيض الناعم، متزامنا مع شعوري بالرطوبة وهي تلتصق بجسدي، وتصبح أشبه بطبقة بشرة ثانية لي. بعد عودتنا إلى المنزل، كنا عادة ما نسعى للتخفيف من وطأة الجو الحار، باحتساء قدحين من شاي الشعير المثلج المعروف باسم "موغيتسا". اعتدت في تلك الجلسات أن أسأل جدتي قائلة: "هل أنا حفيدتك المفضلة؟"، وكانت دائما تهمس لي، باسمة: "أجل".

فارقت جدتي الحياة في أبريل/ نيسان 2019، وكان الصيف الماضي هو الأول الذي أقضيه بدونها. اللافت أن مذاق الـ"موغيتسا" الآن في فم، صار يعيدني إلى نزهاتنا الصيفية، التي لا تقدر بثمن. في كل مرة أشعر بهذا المذاق على طرف لساني، أتذكر مصطلح الـ"ناتسكاسي"، وهي مفردة باللغة اليابانية تشير إلى الإحساس الذي ينتاب المرء عندما يُذكّره شيء ما بأمر عزيز على قلبه حدث في الماضي. بعبارة أخرى، يتعلق هذا المصطلح بالشعور بالحنين إلى الماضي، لكن على الطريقة اليابانية.

"ناتسكاسي" مفردة يتفوه بها المرء في اليابان، والابتسامة ترتسم على وجهه، وذلك عندما تتناهى إلى مسامعه - مثلا - أغنية كان يحبها في فترة المراهقة، أو عندما يعثر مصادفة على تذكرة قطار قديمة في جيبه.

وبينما يرتبط الشعور بـ"الحنين إلى الماضي" في بعض الثقافات بالإحساس بالحزن، فإن الأمر يختلف مع الـ"ناتسكاسي"، تلك الكلمة المشتقة من فعل ياباني يعني "أن تبقى قريبا، وأن تصبح مولعا بشيء ما". فهذا المصطلح يشير إلى الشعور بالبهجة والامتنان لما حدث في الماضي، بدلا من الرغبة في العودة إلى أيامه.

ومن هذا المنطلق، يشكل الـ "ناتسكاسي" في اليابان تذكيرا لك بأنك محظوظ، لأنك حظيت بتلك التجارب التي مررت بها في حياتك، وهي تجارب تؤثر بشكل أكبر في مشاعرك، في ضوء حقيقة أنه ليس بمقدورك معايشتها مرة أخرى.

وتقول كريستين يانو، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة هاواي، والتي تركز في دراساتها على الثقافة الشعبية اليابانية، إن "جوهر الـ(ناتسكاسي) يتمثل في وضع إطار إيجابي حول مشاعر الشوق التي تراودك. إن ذلك يشكل جزءا من الأساس العاطفي لليابان. فحتى الكوب نصف الممتلئ يبدو في أعين اليابانيين ممتلئا وجميلا".

وتضيف يانو بالقول: "أعتقد أن شعور الحنين إلى الماضي يرتبط في اليابان بفكرة تقدير قيمة الجمال. إذ يمكن أن يرى المرء هنا هذا البعد الجمالي حتى في النقص وعدم الاكتمال، وفي الشعور بالشوق والحنين، وفي الفناء والاندثار، وفي عدم الثبات أو الاستقرار، وفي الشعور بالأسى والحزن والكآبة".

وقد تطورت مفاهيم فلسفة الجمال في الفنون اليابانية التقليدية، قبل أن يدخل هذا البلد عصره الحديث. وتمثلت إحدى مظاهرها المبكرة في فلسفة يابانية تحمل اسم "وابي-سابي"، تضرب بجذورها في البوذية، ويجد من يؤمنون بها مواطن الجمال في النقص والتقلب وعدم الثبات.

ومن الأمثلة على الأشياء التي تحتفي هذه الفلسفة بـ"جمالها"، الأوعية المشوهة عمدا، والتي تستخدم في طقوس احتساء الشاي، وكذلك ترك الأشجار والشجيرات في الأُصُص، حتى بعد أن تفقد أوراقها. وتقول يانو إن الطريقة التي يتعامل بها اليابانيون مع الشعور بالحنين إلى الماضي تشبه هذه الفلسفة، لكن احتفاءهم في إطارها ينصب على أمور - مشوبة بالعيوب - ذات صلة بحياتهم، لا بأشياء مادية يتعاملون معها.

وتتفق مع هذه الرؤية الكاتبة سومي كاواكامي، التي تُدرِّس ما يُعرف بـ"الفنون المتحررة" في كلية متخصصة تتبع جامعة ياماناسي غاكوين اليابانية. فهي تصف الـ"ناتسكاسي" بأنه شكل من أشكال الشعور بالحنين، تمتزج فيه الحلاوة بالمرارة، قائلة "نحن نفتقد فيه مرحلة زمنية ما، دون أن نشعر بالحزن لأنها مرت".

اللافت أن الناس يبدون في عصرنا الرقمي الحالي أكثر هوسا من أي وقت مضى بالشعور للحنين للماضي. لكن الأمر في اليابان يتجاوز مجرد الإفراط في مشاهدة البرامج التليفزيونية التي تعود لثمانينيات القرن الماضي، أو الولع بتدشين وسوم يتحدث من خلالها مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي عن تجاربهم السابقة والحنين للماضي.

فإذا كنت من المقيمين في طوكيو أو زوارها، بوسعك أن ترى في أي ليلة من ليالي الأسبوع رجال الأعمال هناك وهم يرتادون الأزقة التقليدية الغاصة بالحانات والمطاعم والمتفرعة من الشوارع الرئيسية في المدينة للاستمتاع بوقتهم والتخفف من أعباء العمل وهمومه. ولا تقبل الحانات والمطاعم الضيقة الموجودة في تلك الأزقة سوى المدفوعات النقدية من عملائها، وتحيطها أضواء الفوانيس ودخان السجائر، وتشكل بوابة إلى حقبة أخرى تماما، إذ أنها كانت في الأصل جزءا من أسواق سوداء، نشأت في العاصمة اليابانية بشكل مفاجئ عقب الحرب العالمية الثانية.

وفي الصيف الماضي، تفجر اهتمام المغردين اليابانيين بمقطع مصور، نشره واحد منهم، بعدما استخدم في تصويره تطبيقا يحمل اسم (في اتش إس كام). وتحاكي التسجيلات المصورة التي تتم باستخدام هذا التطبيق من حيث جودتها نظيرتها التي كان يتم التقاطها في الماضي، بكاميرات فيديو محمولة "في إتش إس". ويؤدي ذلك لجعل المقاطع المصورة، عبر ذلك التطبيق، تظهر بالجودة التي كانت سائدة في ثمانينيات القرن الماضي. وفي غمار الاهتمام بذلك المقطع، سارع عشرات الآلاف من الأشخاص، للبحث عن اسم هذا التطبيق، ثم بدأوا استخدامه، لالتقاط مقاطع الفيديو الخاصة بهم.

وتعلق يانو على ذلك بالقول: "دائما ما أصاب بالدهشة، عندما أرى مدى انتشار الشعور بالحنين للماضي على الطريقة اليابانية. قد يقول البعض إنه يرتبط في الأساس بكبار السن. لكن من المذهل أن ترى سرعة تحول الشبان إلى `عجائز` من حيث إحساسهم بالحنين للماضي. فبمقدورك أن تجد شابا في سن الثامنة عشرة، وهو يشعر بذلك تجاه الأيام التي قضاها في روضة الأطفال مثلا".

وتقارن الكاتبة سومي كاواكامي هذا الشعور بالمعنى الذي يشير إليه التعبير الإنجليزي الشهير "the good old days" أو "الأيام الخوالي". لكنها تشير إلى إمكانية وجود "اختلاف طفيف بينهما. فعندما يقول اليابانيون تعبير (ناتسكاسي)، فإنهم يقصدون من وراء ذلك التأكيد على شعور الرفقة والزمالة الذي كان يصاحب مرورهم بتجربة ما في الماضي، بدلا من التعبير عن مجرد الحنين إلى حدث أو شخص بعينه. فالأمر يشبه القول (أجل، لقد مررنا معا بهذا الموقف)".

وبلغت قوة ارتباط اليابانيين بالشعور بالحنين إلى الماضي - على طريقتهم - ورغبتهم في تعزيزه حد تأسيس شركات في مختلف أنحاء بلادهم، تتخصص في ترتيب مناسبات ترتبط بهذا الأمر. إحدى هذه الشركات تأسست عام 2002 على يد ماساشتو يتامي. وتتولى تنظيم لقاءات للم شمل الخريجين في شتى أرجاء اليابان. ورغم أن مثل هذه اللقاءات شائعة في العديد من دول العالم، فإن المناسبات التي ترتبها الشركة المملوكة لـ "يتامي" تشمل تجمعات تضم حتى من كانوا زملاء في فترة التعليم الابتدائي، وأيضا من عَمِلوا معا في شركات باتت مفلسة الآن.

ويقول الرجل: "حتى إذا كان الأمر يتعلق بالالتقاء مع أشخاص اعتدت العمل معهم، فستشعر في حالة حدوث هذا اللقاء بأن هناك قدرا من الحميمية والترابط، ينشأ بفعل وجودك برفقة من شاركوك تجارب مررت بها. وتؤدي هذه التجارب - سواء كانت جيدة أو سيئة - إلى أن يكون لدى من عايشوها قصص بوسعهم تذكرها".

وتتفق مع هذا الرأي، يومي هيسانو، التي حضرت خلال العشرين عاما الماضية أربعة من اللقاءات التي نظمتها شركة يتامي، وجمعتها بزملائها من طلاب المدرسة الثانوية.

وقد تأثرت هيسانو بأول هذه اللقاءات بشدة، ووصفته بالقول: "لقد كان أمرا ذا مغزى للغاية، أن ألتقي أشخاصا لم أرهم منذ تزوجت وتركت مدينة أوساكا (مسقط رأسها). أردت أن استمع إلى قصصهم، وأن أتعرف على المسار الذي أخذته حياة كل منهم، منذ أن ولّت تلك الأيام المجيدة، التي كانت لا تزال أمامنا فيها الكثير من الاحتمالات والخيارات لحياتنا المستقبلية".

رغم ذلك، تتجاوز علاقة الغرام التي تجمع اليابان واليابانيين بالماضي مجرد اللقاءات التي تُعقد بشكل موسمي للم شمل زملاء الدراسة، لتصل إلى حد وجود ثقافة سائدة في المجتمع، يسعى الناس في إطارها وبفاعلية لخوض تجارب تجعلهم يمرون بحالة الـ"ناتسكاسي" هذه، بهدف إضفاء معنى ما على حياتهم.

فمن بين مظاهر استقبال العام الجديد مثلا، إرسال بطاقات معايدة، ليس للأقارب المباشرين والأصدقاء المقربين فقط، وإنما للأشخاص الذين ربما يكون المرء قد صادفهم لفترة قصيرة خلال حياته.

ومن التقاليد والطقوس المفعمة بروح الحنين للماضي التي تشهدها اليابان في ليلة رأس السنة من كل عام، أن يفسح برنامج استعراضي خاص شهير تبثه محطة "إن إتش كيه" الحكومية التليفزيونية بهذه المناسبة - ويحرص غالبية اليابانيين على مشاهدته - المجال لفناني لون موسيقي تقليدي ياباني يحمل اسم "إنكا" ليشدوا بأغانٍ شعبية عاطفية عن الحياة التقليدية في وطنهم.

من جهة أخرى، يؤثر هذا الاعتزاز بالماضي والحنين له على سلوك المستهلكين في اليابان. فبرغم عشق مواطني هذا البلد للتكنولوجيا الحديثة والمتطورة، فإن هناك من يكسبون قوت يومهم في أراضيه عبر الاستفادة من تعلق اليابانيين بالأجهزة العتيقة.

من هؤلاء، بيلامي هانت، وهو بريطاني مقيم في طوكيو يُعرف باسم "صائد آلات التصوير اليابانية"، ويتخصص في تعقب الكاميرات التقليدية النادرة التي تُزود بأفلام عادية. ويقول هذا الرجل - الذي يعمل في إصلاح آلات التصوير تلك وبيعها كذلك - إن اليابان شهدت في الآونة الأخيرة زيادة في حجم الطلب على تأجير غرف تحميض الأفلام، وكذلك على أفلام التصوير ذات اللونين الأبيض والأسود.

ويضيف هانت بالقول: "لكي تستطيع أخذ فكرة عن مدى شعبية آلات التصوير التقليدية في اليابان، يكفي أن تعلم أن هناك مجلة كبيرة تُوزع على المستوى الوطني وتحمل اسم `فيلم كاميرا ستايل`، لا تحتوي سوى على صور رائعة بحق التُقِطَت بآلات التصوير العتيقة تلك، وإرشادات بشأن الكيفية التي كانت تُستخدم بها هذه الكاميرات، وكيف يمكنك أنت أن تستخدمها أيضا".

لكن ذلك لا يعني أن اليابانيين ينبذون كاميرات هواتفهم الذكية ويتجهون للكاميرات العتيقة، إذ أن هانت يشير إلى أن نحو 90 في المئة من عملائه يعيشون في الخارج، ويقول إن أحد أسباب انجذاب هؤلاء إلى اليابان يعود إلى أن ثقافة هذا البلد تهتم بالماضي وآثاره وبقاياه ومقتنياته.

ويقول في هذا الشأن: "يعتني الناس هنا بمتعلقاتهم.. أعتقد أننا نسينا هذا الأمر قليلا في الغرب. إذ نعتبر وجود المتعلقات أمرا مفروغا منه، ولا نرى قيمتها الحقيقية".

في نهاية المطاف، يمكن القول إن مفهوم الـ"ناتسكاسي"، يشكل تجسيدا لمدى رسوخ قيمة الامتنان في المجتمع الياباني. فالماضي يشكل أمرا ذا قيمة يتعين على الياباني تذكره وتقدير أهميته وقيمته، سواء كان حافلا بالأفراح أو الأتراح. وينبغي كذلك في إطار هذا المفهوم أن يكون الماضي سلوى للمرء وعزاء، وأداة من شأنها تعزيز علاقاته بمن حوله.

وتشرح كاواكامي هذه النقطة بالقول: "كوني أتشارك شيئا ما من الماضي مع الآخرين يمكن أن يشكل همزة وصل بيني وبينهم".

بالعودة إلى الفترة التي أعقبت وفاة جدتي، لعلي لا زلت أذكر عثور أسرتي بعد أسابيع من ذلك، خلال التنقيب في أغراضها، على دفتر صغير يخصها، يتضمن رسوما جميلة للزهور والأشجار، وملاحظات دقيقة حول خصائصها. بعدما طالعت بعض محتويات الدفتر، سألت أمي: "هل تعلمين أن جدتي اعتادت اصطحابي في جولات سير خلال الصيف، وتعليمي أسماء كل الزهور؟".

ردت عليّ أمي - التي تنفر من صيف اليابان اللاهب بلا هوادة - على نحو مازح قليلا، قائلة: "يبدو الأمر مؤلما!". فأجبتها بالقول: "كان كذلك بالفعل. رغم هذا كنا نحتسي الموغيتسا بعد ذلك".

ضحكت أمي ببهجة وهي تقول :"تحتسون موغيتسا في الصيف"، قبل أن تصيح في النهاية قائلة "ناتسكاسي".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك