سمير فؤاد يكتب عن فن فرانسيس بيكون - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 10:32 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

سمير فؤاد يكتب عن فن فرانسيس بيكون


نشر فى : السبت 19 أكتوبر 2019 - 10:17 ص | آخر تحديث : السبت 19 أكتوبر 2019 - 10:17 ص


يعتبر فرانسيس بيكون، بريطانى (1906ــ1992) أكثر فنانى القرن العشرين البريطانيين شهرة.. ويعكس فنه بجدارة سمة العصر الذى عاش فيه.. عصر السرعة والاكتشافات العلمية المتلاحقة.. عصر هيمنة الصورة وسيطرة أجهزة الإعلام وسطوة رءوس الأموال.. عصر الحروب العالمية الطاحنة وظهور الفاشية والنازية.. عصر الوحشية المفرطة وامتهان كرامة الإنسان.
فن بيكون عنيف ومتوتر ويمكن أن يصل إلى الدموية والتشويه والمسخ وحتى التمثيل بشخوص لوحاته.. وشخوصه مشحونة ومتوترة وكأنها على حافة الانفجار والتفتت إلى أشلاء.. وكان يقول إنه تأثر برؤيته للأشلاء الممزقة أثناء الحرب العالمية الثانية حينما كان يعمل فى إخراجها من تحت الأنقاض.. كما كان يقول لمن يتهمون فنه بأنه دموى.. «كيف يمكن لى أن أنافس العنف والدموية التى تسمعها وتراها فى نشرة الأخبار فى التليفزيون كل يوم».
احتوى فن بيكون على العديد من المفاهيم ولكن هناك مفهومان رئيسيان ظهرا بقوّة منذ لوحته الشهيرة عام 1944 «ثلاث دراسات لشخوص عند قاعدة الصليب».. المفهوم الأول هو فعل الصلب.. ولم يكن بيكون ينظر إليه من وجهة النظر الدينية المسيحية وإنما كان يراه من وجهة النظر المادية.. فهناك جسد المصلوب الذى يتم امتهانه وتعذيبه.. وهناك أشخاص يشاهدون هذا الحدث تتنوع عواطفهم ما بين الغل والتشفّى إلى التعاطف والأسى.. كما أن هناك البعد الفلسفى لعملية الصلب التى تتمثّل فى التضحية بالذات والخلاص ثم تجاوز الألم.. وقد تأثر بيكون بدرجة كبيرة بفنان القرن السادس عشر الألمانى ماتاياس جرونفالد.. كما تأثر بتراث لوحات الصلب فى الفن الأوروبى أمثال روبنز ورمبراندت.
المفهوم الثانى كان دلالة فعل الصراخ والذى عادة يدل على الفزع أو الألم ولكن ربما أيضا ذروة الّلذة الحسّية.. وقد تأثر بيكون فى هذا إلى حد كبير بفيلم المخرج الروسى الشهير سيرجى أيزنشتين خاصة مشاهد الإبادة فى فيلم المدرعة بوتيمكين ووجوه الضحايا الذين يصرخون.
رسم بيكون هذه اللوحة عام 1946 وقد قال عنها.. «لقد حدثت بالخطأ.. كنت أحاول رسم طائر يحلق فوق حقل.. وكان موصولا بشكل ما بثلاثة أشكال رسمتها قبله.. وفجأة أوحى الخط لى بشىء مختلف كلية ومن هذا جاءت هذه اللوحة.. لم يكن لدى مخطط لعملها ولم أفكر فيها بهذا الشكل.. كانت مجموعة من الحوادث غير المقصودة واحدة تلو الأخرى».
فى هذه اللوحة يجلس شخص فى منتصف غرفة واضعا ساقا فوق أخرى ومتشح بالسواد يحمل شمسية سوداء فى يده وقد غرز فى عروة سترته وردة صفراء.. تذكرنا هيئته بموظفى الحكومة ذوى الياقات البيضاء.. تغطى الشمسية معظم ملامح وجهه إلا من فم فاغر عن صف من الأسنان وشفة عليا مخضبة باللون الأحمر.. خلفه علقت ذبيحة هائلة الحجم باسطة ذراعيها كما لو كانت جسدا مصلوبا.. وتتدلى من سقف الغرفة سلاسل من أحشاء الذبيحة وكأنها تلك الزينات المعلقة التى تواكب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة.
الشخص الجالس يحيط به سياج بيضاوى مثل هذه التى يقف خلفها الخطباء والزعماء عند مخاطبة الجماهير وقد رصت عليه قطع من اللحم.. تغطى أرضية الغرفة سجادة حمراء مموهة بنقوش تبدو وكأنها قطع متناثرة من اللحم والعظام الناتجة عن تقطيع اللحم وتكسير العظام.
المكان يوحى بدكان جزارة ولكن الشخص الجالس تحت الشمسية يبدو مقحما على المكان فلا منطق يبرر وجوده بهذه الهيئة.. واللحم المصلوب يوحى بالتضحية وليس البيع والشراء.. والحالة التى تضعنا فيها اللوحة حالة من العبثية التى يحس بها المرء فى أوقات الحروب.. نحن هنا أمام لوحة تمثل فظائع الحرب وربما كان الشخص الجالس هو الزعيم الذى يرسل رعاياه ليلقوا حتفهم وهو جالس فى حماية الشمسية محاطا بسياج من الأمان الوهمى.
فن بيكون يذكرنا بنقاط ضعفنا كبشر وعجزنا عن مقاومتها.. وكم هو هش وضعيف ذلك الجسد أو ذلك الوعاء الذى نعيش فيه.. وكم هى قاسية ومرعبة أساليب القمع والإبادة التى يمارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان.. ولأننا كجنس بشرى منذ رسم بيكون لوحاته فى القرن الماضى لم نتغيّر البتّه وإنما ربما ازددنا قسوة وشراسة.. فإننا ما زلنا نفزع فى مواجهة لوحات هذا العبقرى الفريد.. ربما لأنها تواجهنا بحقيقة نحاول طوال الوقت أن نخفيها.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك