كان وأصبح (14): قصر «شامبليون» الذي ظل مهجورا بسبب عداء الأمير سعيد حليم للإنجليز - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أغسطس 2019 8:11 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





كان وأصبح (14): قصر «شامبليون» الذي ظل مهجورا بسبب عداء الأمير سعيد حليم للإنجليز

إنجي عبدالوهاب
نشر فى : الأحد 19 مايو 2019 - 10:33 م | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2019 - 10:33 م

حرم الأمير من القصر بسبب معاداته للاحتلال البريطاني.. واشتهر خطأً بـ«قصر شامبليون»

لا ينفصل تاريخ الفنون عمارة وتصويرًا ونحتًا عن السياسة والاجتماع والاقتصاد، ولا تقتصر قيمته على الجمال والإبداع والاحتراف، بل هي شهادة حية على أيام خلت وأحداث مضت وشخصيات كان يمكن أن تتوه في غياهب النسيان.

وفي سلسلتنا الجديدة «كان وأصبح» التي ننشر حلقاتها على مدار شهر رمضان، نعرض نماذج لحكايات منشآت معمارية أو قطع آثرية مصرية تنتمي لعصور مختلفة، تسببت التحولات السياسية والاجتماعية في تغيير تاريخها، أو إخفاء معالمها، أو تدميرها بالكامل، لتخبو بعدما كانت ملء السمع والبصر.

وتنشر الحلقة الجديدة من هذه السلسلة يومياً في الثامنة مساءً بتوقيت القاهرة.

ونستعرض في هذه الحلقة كيف تسبب الاحتلال البريطاني في حرمان الأمير سعيد حليم من قصره الذي سٌمي خطئًا بـ«قصر شامبليون» بعد التحفظ على أملاكه، كما نستعرض كيف بدا قصر سعيد حليم وقت إنشاءه وكيف أصبح.

بدأت حكاية قصر الأمير سعيد حليم قبل 130 عاما، عندما كلف المعماري الشهير إيطالي الثقافة نمساوي المنشأ، كورت أنطونيو لاسكيا في عام 1895بتصميم قصرًا له في القاهرة، فانتهى من تصميم القصر عقب 4 أعوام لتخرج التحفة المعمارية في عام 1889 مشكلة على طراز "النيو باروك".

طمست هوية القصر ونسب خطئًا إلى «شامبليون»، وطمس عنوانه القديم بتغير أسماء شوارع المنطقة الواقع فيها، كما اختفت بعض معالمه وطرزه بعد اختفاء أثاثه، ثم حدائقه الشاسعة جراء الزحف العمراني بالقاهرة، لتبقى هذه التحفة المعمارية الواقعة بشارع شامبليون بمنطقة وسط البلد بالقاهرة فريسة الإهمال.

 

 

 

من هو سعيد حليم صاحب القصر؟

كان يمكن للأمير سعيد حليم أن يصبح حاكمًا لمصر خلفًا لابن عمه الخديوي إسماعيل، لولا طموحه في البلاط العثماني في الآستانة (إسطنبول).

وٌلد الأمير سعيد حليم، حفيد محمد علي باشا، الذي كُتب عنه مؤلفات أوربية عديدة ولقب بـ"الأمير الفيلسوف" في القاهرة عام 1865، وانتقل منها ليعيش مع والده في الآستانة (إسطنبول) نظرًا لعلاقة والده الجيدة بالبلاط التركي، ودرس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بأسطنبول قبل أن يسافر إلى سويسرا لاستكمال تعليمه العالي إذ مكث بها 5 سنوات حتى تخرج من كلية العلوم السياسية.

برز اسم الأمير المصري عالميًا؛ كونه سياسيا بارزا في بلاط الأستانة إبان الحرب العالمية الأولى، إذ شغل عدة مناصب عسكرية ووزارية رفيعة في الحكومة التركية، ففي العام 1888 عٌين عضوا فى المجلس القضائي للدولة بالآستانة (إسطنبول حاليًا) وعمره لم يتجاوز الـ23 عامًا، وعين واليا لروملي في العام ذاته، ثم تدرج في المناصب السياسية حتى تولى منصب وزير الخارجية في عام 1911 إبان مجلس وزراء محمود شكيت، وعقب اغتيال شكيت خلفه في منصب رئاسة وزراء تركيا، وظل في هذا المنصب لمدة 3 أعوام (1913 : 1916).

الأمير الذي لقبه الغرب بـ"الفيلسوف" وتناولته العديد من المؤلفات الغربية كـ«Birth of modern turkey» « The philosopher prience» كان بارعًا في الكتابة الأدبية، فضلًا عن التحليل السياسي، وكان يتقن الفارسية والإنجليزية، والفرنسية التي كتب بها ثمان مؤلفات عن القضايا اليومية للدولة العثمانية، كالملكية الدستورية، والتعصب، والأزمات في الإسلام، والمشاكل الاجتماعية والسياسية والفكرية للإمبراطورية العثمانية، وهي أعمال جمعت عقب وفاته في مجلد واحد يعتبر من أهم المراجع فى دراسة الفكر الاسلامي وتحليل أسباب تفكك الامبراطوية العثمانية.

 

 

الاحتلال يحول دون عودته إلى مصر

عٌرف عن الأمير حليم مواقفه المناهضة لبريطانيا آنذاك، خاصة عقب إعلانها الحماية على مصر، كما عٌرف عنه معارضة انضمام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إذ تقدم باستقالته عقب مشاركتها في الحرب، لكنه استمر في منصبه جراء تمسك لجنة الاتحاد الحاكم، ثم عاود الاستقالة في 1916، وأصبح عضوًا في مجلس الشيوخ.

ووجدت بريطانيا سبيلها للانتقام من "حليم"، فأصدرت فرمانا في مارس 1915 بالتحفظ على أمواله في مصر عقب إعلانها الحماية عليها، وعقب توقيع الهدنة في مودروس (30 أكتوبر 1918)، اتهمته بتنفيذ جرائم حرب ضد الأرمن، ونفته السلطات البريطانية إلى مستعمرتها بمالطا في مايو 1919، وعاش بها عامين.

حال الاحتلال البريطاني دون عودة الأمير إلى مسقط رأسه مصر، وقضاء ما تبقى من عمره بها أيضًا؛ فعقب انقضاء مدة نفيه في مالطا عام 1921 لم يستطع العودة إلى مصر بسبب موافقه الرافضة للاحتلال البريطاني؛ لذا انتقل إلى روما عام 1921، حيث تم اغتياله من قبل رجل أرمني هناك، وقيل إن السلطات البريطانية تورطت في قتله، حسبما أورد موقع الموسوعة البريطانية «britannica»، ونقلت صحيفة "المؤيد" المصرية الواقعة آنذاك.

كان الأمير سعيد حليم، مغرما بروما، لذا كلف المعماري الشهير، كورت أنطونيو لاسكيا، بتصميم قصره على طراز "النيو باروك"، ويتكون القصر من مبنى رئيسي مكون من طابقين وبدروم، وعلى جانبيه جناحين متماثلين ملحقان يصلهما به مشاة، وإلى جانب قيمته المعمارية يحوي القصر قطعًا فنية ثمينة، وزخارف هندسية، ونياشين مرصعة بالحروف الأولى لاسم البرنس سعيد حليم.

ويشمل الطابق الأول من القصر بهوًا كبيرًا يمتد بطوله انتهاءًا إلى سلم مزدوج له فرعان ممتدان وينتهي بسلم مزدوج له فرعان يؤديان إلى جناحيه الجانبيان في الطابقان العلويان الذي يحوي كل منهما 6 حجرات واسعة، ومرفق بالقصر بدروم يحتوي غرف للخادمات، ومطبخ وحجرات للتخزين، ودورات مياه، أما الجناحان فيتصلان من خلال ممر ذات أعمدة على الجانبين، ويحوي القصر مصابيحا للإضاءة الليلية أسفل المنحوتات التي تشغل أركانه لإبراز قيمة الفن المعماري به.

وكان عنوان القصر حتى العام 1920، "9 شارع الأنتيكخانة"، قبل أن يتغير اسم الشارع مرتين متتابعتين، وصولًا لتسميته بـ«شارع شامبليون»، وتصبح تسمية القصر خطئًا «قصرشامبليون»؛ كونه مطلًا على الجهة الغربية لشارع شامبليون.

أما إجمالي مساحة القصر فكانت تبلغ نحو 4781 مترًا، قبل أن تختفي الحدائق الشاسعة المرفقة به جراء الزحف العمراني.

لماذا لم يسكن الأمير القصر؟

يرجح الباحثون أن الأمير سعيد حليم لم يسكن القصر مطلقا، لكن هناك خطأ شائع وراء سبب ذلك، مفاده أن زوجته الأمينة إنجي طوسون، رفضت العيش في قصرهما في مضيق البوسفور بإسطنبول، حتى توفيت به عام 1915.

ولكن هناك عدة أسباب أخرى أكثر علمية ومنطقية بالرجوع إلى الوثائق، وهي أنه فور الانتهاء من بناء القصر انشغل الأمير سعيد حليم بتولي منصب وزير خارجية إسطنبول، ثم تولي الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء).

أما السبب الثاني فهو عدم إمكانية عودته إلى مصر عقب انقضاء مدة نفيه في عام 1952؛ لعداءه للاحتلال البريطاني، الأمر الذي دفعه للانتقال إلى روما عام 1921، قبل أن يتم اغتياله هناك على يد رجل أرمني متطرف.

أبرزها تحوله إلى مدرسة.. مراحل مرً بها القصر

آلت ملكية القصر إلى الحكومة المصرية عقب قرار من المحتل البريطاني في 13 مارس 1915 بمصادرة جميع ممتلكات الأمير سعيد حليم، وكذلك ممتلكات أخوته وأسرهم، وتشمل هذه الممتلكات الكبيرة والممتلكات والحسابات المصرفية وقصر حليم في منطقة الإسماعيلية في القاهرة.

تحول القصر في عام 1916 إلى مدرسة الناصرية الإعدادية بنين، وعٌرف القصر كمدرسة رائدة في تعليم أبناء الطبقة الارستقراطية إلى جانب مدرسة السنية للفتيات، ومع تراجع الألقاب والبرجوازية، بقدوم ثورة يوليو أٌخلي القصر لدلالته في طبقية التعليم.

اندثرت حديقة القصر رويدًا رويدًا، والتعدي على أراضيه كمبنى مهمل، واختفت بوابته الأصلية لسبب غير واضح تماما.

هٌجر قصر سعيد حليم بعدما أخليت مدرسة الناصرية عقب ثورة يوليو، وفي عام 2000 أصدرت وزارة الثقافة قرارًا بضمه إليها، وقدم المجلس الأعلى للآثار مشروعا بالتعاون مع معهد بحوث التنمية الفرنسي في القاهرة؛ لترميمه وتحويله إلى "متحف" كان من المقرر أن يحكي تاريخ القاهرة، لكن المشروع توقف لم ينفذ بعد، وفي مايو 2006 دٌشنت جمعية أحباء قصر سعيد حليم، بعدما تشكلت من أعضاء درسوا بمدرسة الناصرية التي احتضنتها جدران القصر لنحو 20 عامًا، لكن هذه الجمعية أيضًا لم تقوى على إنقاذ القصر من الإهمال؛ فلا يزال خاويًا على عروشه.

 

 

وغدًا حلقة جديدة..

 

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك