الثلاثاء 25 يونيو 2019 12:31 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل أقنعك أداء المنتخب المصري في مباراته الأولى بكأس الأمم الأفريقية؟

الكاتب الصحفي سمير عطا الله لـ«الشروق»: الصحافة مهنة العطاء لا المتاعب.. وزمن «السبق» انتهى

تصويرــ رافي شاكر
تصويرــ رافي شاكر
حوار ــ إسماعيل الأشول
نشر فى : السبت 18 مايو 2019 - 9:47 م | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2019 - 10:16 ص

العرب أمة سيئة الحظ.. والعلم سبيل النجاة الوحيد
الاجتهاد والتنوع سر استمرار مقالى اليومى بـ«الشرق الأوسط» لأكثر من ثلاثين عامًا
أقضى ثلاثة أرباع نهارى فى القراءة.. وأستقبل «الإطراء» بسؤال نفسى: هل أستحق هذا الكلام؟
أنتهى من كتابة مذكراتى قبل نهاية العام.. وأحلم بكتابة عمل أدبى عن أمى
لست بطلًا.. وإنما أنا مراقب تصادف أننى عملت فى مهنة كانت تفتح أمامى الأبواب
تأثرت بكتابات مصطفى محمود فى مجلة «صباح الخير».. وأحمد بهاء الدين كان صديقًا حقيقيًا وإنسانًا نادرًا

 لم يخذل الكاتبُ الصحفى الكبير سمير عطا الله (1941) معلمَ اللغة العربية بالصف الخامس الابتدائى حين أوصاه بكتابة اسمه مسبوقا بلقب «الأديب»، حيث حرص ابن قرية «بتدين اللقش» بالجنوب اللبنانى، على اختبار قدراته فى الأدب منذ الصغر، بين الشعر والرواية، وإن كان قد اختار الصحافة فى شبابه المبكر عام 1960، فوهبها حياته، و«منحته كل شىء»، بحسب تعبيره.

«ظاهرة يتيمة هى درة زمانها.. مطرب التاريخ بألحان كلماته الأجمل من الشعر»، بهذه الكلمات وصفه الشاعر اللبنانى الراحل أنسى الحاج ــ قبل بضعة أعوام ــ واعتبرته الكاتبة المصرية الكبيرة سناء البيسى «قائد كتيبة تحويل مسار القراء إلى الصفحة الأخيرة»، فى إشارة إلى مقاله اليومى بالصفحة الأخيرة من جريدة الشرق الأوسط اللندنية، الذى يكتبه منذ عام 1987 وحتى اليوم.

بدأ سمير عطا الله حياته الصحفية مترجما، ثم عمل محررًا للشئون الخارجية، وعندما بلغ الحادية والثلاثين من العمر، كان لقب «رئيس التحرير» من نصيبه، وتنقل بين أكثر من صحيفة، وغطى أحداثا شتى فى أكثر العواصم ازدحاما بالأخبار والمشكلات.
أصدر بضعة كتب تنوعت موضوعاتها بين التحليل السياسى والقصة القصيرة والرواية وأدب الرحلات، منها :«جنرالات الشرق» و«ناس ومدن» و«بائع الفستق» و«مسافات فى أوطان الآخرين» وغيرها.

كيف كانت بدايات سمير عطا الله؟ وكيف اجتاز ما واجه من مصاعب؟ وكيف ينظر إلى صحافة اليوم وتحدياتها؟ وما الذى أقنعه بالجلوس إلى الورقة والقلم ليدون مذكراته بعد سنوات من إعلان رفضه الفكرة؟ تلك الأسئلة وغيرها، طرحناها فى الحوار الذى أجريناه مع صاحب أشهر عمود يومى فى الصحافة العربية راهنا، على هامش زيارته الأخيرة للقاهرة، بحثا عن ملامح مقربة من سيرة ومسيرة «المتفرد فى بحر الرمال السائدة» بتعبير الشاعر الفلسطينى الراحل محمود درويش.. وإلى نص الحوار..

< بداية.. ما الذى أغراك بالكتابة؟
ــ بدأت الكتابة فى طفولتى، وكان التأثير الكبير فى ذلك لخالى الشاعر الملحمى الكبير الراحل بولس سلامة.
كان القرآن، وكتاب نهج البلاغة، والتراث الإسلامى والعربى كله، أهم ما تعلمته على يد خالى؛ كنا نجلس ساعتين يوميا أقرأ عليه بصوت عال كتب التراث، فقد كان مقعدا. كنت أقرأ له القرآن، والجاحظ، والمتنبى، وكل ما يخطر على بالك من كتب التراث. كتبت الشعر وأنا فى الثالثة عشرة من العمر، ثم اكتشفت أننى لم أولد لأكون شاعرا، ربما كنت أقرب إلى الروائى، لكن الصحافة مع الأسف ما تركتنى أصل إلى الرواية.
الصحافة منحتنى كل شىء، لكنها حرمتنى التفرغ للأدب.
لا أتنكر للصحافة، فقد مارست خلالها جزءا كبيرا من عملى الأدبى، وفتحت لى المجال، فأنت حين تغطى حدثا مهما، فهذا جزء من الرواية. الحقيقة هى الرواية التى لا يكتبها أحد، والحقيقة أفظع وأهم من الخيال، وأحيانا أجمل أو أسوأ.

< كيف دخلت عالم الصحافة؟
ــ ذهبت إلى الكاتب الصحفى الراحل سعيد فريحة فى دار الصياد، أطلب العمل، وكان عمرى وقتها 19 عاما، فاستغرب وسألنى: «وين متعلم صحافة؟ وين دارس ترجمة؟» ولم أكن درست الصحافة مطلقا، وإنما كانت لدى الموهبة الأدبية. وكنت قبل الذهاب إلى دار الصياد، أراسل «النهار» بقصائد عن العشق وبعض القصص.
أعطانى سعيد فريحة صفحة كاملة من جريدة إنجليزية، وقال لى: «شوف شو بترجم، وأنا رايح على الغداء». ظن أننى سأترجم فقرتين أو ثلاثة، لكن حين عاد بعد ساعتين، وجدنى ترجمت الصحفة كاملة، فقال لى منبهرا: «خلاص أنت معنا»، والتحقت بالقسم الخارجى بجريدة الأنوار اليومية التابعة للدار.

< كيف أتقنت الترجمة فى تلك السن الصغيرة؟
ــ من خالى أولا، وبالقراءة. وأذكر أننى حين كنت تلميذا بالصف الخامس الابتدائى، طلب منا الأستاذ كتابة موضوع إنشاء، وحين جاء ليمنحنا الدرجات، سأل عنى، فرفعت يدى وأنا أظن أننى قدمت شيئا سيئا، فقال لى: «حين تضع اسمك على الموضوع، اكتب الأديب سمير عطا الله».
واصلت الدراسة حتى الصف السادس الثانوى. ما يعادل «بكالوريا غير رسمية»، وبعدما كبرت، درست لمدة سنة، علوم سياسية بجامعة لويولا فى كندا، كنت شديد التفوق، ولم أكمل.

< غياب الانتظام التقليدى بالشكل المدرسى فى التعليم أمر متكرر فى حياة كتاب كبار.. فما السبب؟
ــ هناك سبب أساسى، معيشى أو غيره، أمر غير مقصود، لذلك يحاول من لديه عقدة الدراسة الرسمية، التعويض بالثقافة مئات المرات وليس عشرات. لكن يظل عنده شعور أنه من الممكن لأى سافل أن يقول له: «معى دكتوراه وانت ما معك»، مثلما كانوا يعايرون العقاد. لا أشجع أحدا ألا يكمل دراسته مهما كان الثمن.

< ما الذى حال دون تكملة دراستك؟
ــ التشرد. ظروف فيها الكثير من الحزن.

< كم بلغ أول راتب لك من الصحافة؟
ــ (ضاحكا) 300 ليرة لبنانية.. «كانوا ملاح ما كانوا سيئين»، وكانوا بقيمة نحو 150 دولار وقتها.

< وكيف جرى الانتقال إلى «النهار» فيما بعد؟
ــ كانت عواطفى ومشاعرى مع «النهار» لوجود أنسى الحاج بها رئيسا لقسم الأدب، فقد جمعتنى به صداقة، وكنت أقرأ كتاباته، وكان صاحب فكر ثورى.
انتقلت إلى قسم الشئون الخارجية بالنهار عام 1961، وفى عام 1963 جاءنى عرض من جريدة الرأى العام الكويتية كرئيس للقسم الخارجى، وذهبت، وفى العام نفسه، أصدرت «الرأى العام» جريدة إنجليزية باسم «ديلى نيوز»، واختارونى مديرا لتحريرها، وظللت فى الكويت نحو عامين. مدين لتجربتى بالكويت، فلولاها لظللت خلف مكتبى فى لبنان. تعرفت من خلال الكويت على الخليج، ومصر، وغطيت احتفالات استقلال كينيا، ومؤتمرات عدم الانحياز.

< ما الذى خرجت به من تلك الجولات؟
ــ كنت ولا أزال أفضل الكتابة الهادئة، فأنا، بتركيبتى وعقلى، لست مخبرا صحفيا. وإنما أركز على ما أسميه «الحالة البشرية»؛ اجتماعيا، وفنيا، وأدبيا. ولذلك فإن كل ما حققته مما يعد «سبقا صحفيا»، جاءنى بالمصادفة ولم أسع إليه.

< ألا تؤمن بالسبق الصحفى؟
ــ أؤمن به، لكن لا علاقة لى بهذا النوع من الصحافة. وهى جيدة طبعا، لكن فى الزمن الراهن، ما عاد هناك شىء اسمه «سبق».. يوجد هذا (وأشار إلى الهاتف المحمول).

< كانت لك تجربة أيضا فى تغطية الأحداث فى باريس مطلع الستينيات.
ــ سافرت عام 1961 إلى فرنسا دون تكليف من «النهار»، وكنت أرسل لهم الموضوعات ويدفعون لى المقابل، وكنت أكتب كما أشاء فى الأدب والفكر.

< كان هذا متاحا فى «النهار» لكتابها؟
ــ نعم، كان متاحا. مؤسس النهار غسان توينى كان رجلا من طبقة العظماء فى الإدارة. كان يمنح الناس الفرص، ويقدر المواهب. وكان يرى يومها أننى قد أصبح صحفيا جيدا يوما ما، فكان يحب مساعدتى طيلة عمره.

< ماذا بعدما عدت من باريس؟
ــ ذهبت إلى الرأى العام الكويتية فى الفترة من 1963 وحتى 1965، ثم عدت إلى الكويت مرة أخرى مديرا لتحرير الأنباء ما بين عامى 1981 و1983. وهناك مرحلة قصيرة عملت خلالها فى ليبيا، قبل حكم القذافى، كنا عام 1967 ذهبت مع ثلاثة صحفيين فلسطينيين لتأسيس ليبيان تايمز، عن دار «الحقيقة»، وكانت جريدة أهلية من ست صفحات، وقضيت ثمانية أشهر فى تلك التجربة، إلى أن وصلتنى من مدير تحرير النهار وقتها، فرنسوا عقل، رسالة تقول: «النهار فى حاجة إلى رئيس للقسم الخارجى، إما أن تعود الآن، وإما ألا تعود أبدا»، فعدت.

< وماذا عن رئاسة تحرير مجلة الأسبوع العربى؟
ــ بعد عودتى من ليبيا، عملت بالنهار، حتى جاءنى عرض رئاسة تحرير مجلة الأسبوع العربى، وكانت من أنجح المجلات فى العالم العربى، وكان هذا أول منصب رئيس تحرير أشغله، وكان عمرى 31 عاما، وخلال شهرين ارتفعت نسبة التوزيع كثيرا. وضعت فيها خبرتى، واستعنت بعدد من أصدقائى الكتاب، وكان موجودا بالمجلة نزار قبانى وغادة السمان، وكان كلا منهما يكتب مقالا أسبوعيا.

< وكيف مضت التجربة فى «الأسبوع العربى» بعد ارتفاع نسبة التوزيع؟
ــ لم تكمل العام، واندلعت حرب لبنان، وأغلق مطار بيروت، وذهبت إلى نيويورك لتغطية أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم هاجرت إلى كندا، دون رغبة فى الرجوع. رفضت أن أكون جزءا من حرب لبنان، وقدمت استقالتى من الأسبوع العربى واشترطت أن تنشر محل مقالى الافتتاحى.

< بم تصف الصدمات المتتالية التى عشتها منذ 1967 وصولا إلى حرب لبنان عام 1975؟
ــ فى عام 1967، كنت عند الحلاق، وسمعنا فى الراديو خبر إسقاط 83 طائرة إسرائيلية، وقبل أن أنهى الحلاقة، كان عدد الطائرات التى أسقطت، كما قال الراديو، بلغ 120، فركضت إلى الجريدة لأتابع سقوط إسرائيل، ثم صار ما صار.
وكان يوم 9 يونيو 1967 هو تاريخ أول وآخر مظاهرة مشيتها فى حياتى. يوم تنحى جمال عبدالناصر عن الحكم. مشيت فى المظاهرة باكيا أنادى مع المتظاهرين بعودة عبدالناصر. لم تقع صدمة 1967 ذات نهار أو أسبوع أو ستة أيام، إنما نتيجة تراكمات وتناقضات، وأنا واحد ممن لا حكم لديهم على ما جرى فى 1967.

< الحيرة تفسر موقف جيلكم!
ــ الخيبة. جيلنا خائب. لم نر إلا حكاما سيئين وأنظمة تقوم على الانقلابات. جيلنا كان موعودا بأعظم الأشياء ثم حصل على معمر القذافى أمير القومية العربية.

< عملت بالصحافة فى مرحلة مد قومى والإيمان بالعروبة.. كيف تنظر إلى تلك الفترة اليوم؟
ــ كنت أؤمن بالعروبة والعرب، أما اليوم فأؤمن بالعروبة وحدها. العرب أمة سيئة الحظ. عشنا خمسمائة سنة تحت الحكم العثمانى، وهو أسوأ أنواع الحكم فى التاريخ؛ ممنوع العلم وممنوع التقدم وممنوع المطبعة.

< ألا يوجد أفق أمام العرب للخروج من أزماتهم؟
ــ الأفق الوحيد للخروج والنجاة من كل أزماتنا ومشكلاتنا الوجودية هو العلم، ولا سبيل أو سلاح آخر أمامنا. لا الاشتراكية ولا الرأسمالية ولا المال حل المشكلة. أمضيت سنوات مريرة، وأنا أفكر بقضية العرب، وخاصة فى فلسطين، ولم أجد حلا. اليابانيون أرادوا عمل أمريكا ثانية، فما استطاعوا، فلجأوا إلى نقل نموذج السيارة ونموذج التلفزيون، وتحولوا إلى دولة. أنت بحاجة إلى نموذج لتأخذه.

< ما الذى أضافته لك تغطية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة طيلة سنوات عديدة منذ 1975؟
ــ أسهمت فى إثراء تجربتى ووسعت آفاقى.

< ماذا عن تنقلك بين لندن وباريس ثم كندا؟
ــ عملت رئيسا لتحرير مجلة الصياد فى لندن عام 1984، وقضيت فترة بين الكويت ولندن، كما كنت أكتب لمجلة «المستقبل» الصادرة فى باريس تحت عنوان «الموقف الدولى» باعتبارى خبيرا فى الشئون الدولية، وكان صديقى وزميلى بالمجلة الكاتب المصرى الكبير الراحل أحمد بهاء الدين، والتقيته بالكويت حين عمل بمجلة العربى، وكان صديقا حقيقيا وإنسانا نادرا.
أما كندا، فلم أجد بها عملا، وكان ذلك بين عامى 1977 و1979 واخترت الذهاب إليها لأنها كانت أهدأ البلدان وأبعدها عن العرب.

< ارتبطت بعلاقات وثيقة مع مصادر رفيعة المستوى.. فكيف كانت تمضى العلاقة بين الصحفى والمسئول؟
ــ (مبتسما) المسئول العربى إذا سألته يقولك: «شو فيه.. مين مكلفه يسأل».. لم أكن أطرح أسئلة على المصادر، وإنما أنقل ما يقولونه بأمانة.
ذات مرة التقيت فاروق الشرع النائب السابق للرئيس السورى، وحكى معى لمدة ساعة، فسألته فى نهاية اللقاء: ما الذى يُنشر من هذا الكلام وما الذى لا يُنشر، فقال لى: «أنت الصحفى وليس أنا». هنا تجد نفسك أمام مسئولية كبيرة.

< وماذا عن قصة انتقالك إلى الشرق الأوسط فى لندن؟
ــ حين جاء عثمان العمير رئيسا لتحرير الجريدة، طلب انضمامى عام 1987، وصار لى مقال يومى بالصفحة الثانية، قبل أن يخبرنى أنهم بصدد نقل مقال أحد الكتاب من الصفحة الأخيرة إلى صفحة داخلية، على أن أكتب أنا مكانه، فقلت له: أنا لا أقبل، فرد قائلا: «سمير، إذا قبلت أو لم تقبل، فسننقل مقال هذا الكاتب من الصفحة الأخيرة، لأننا نرغب أن يكون لتلك الزاوية طابع ثقافى أكثر، أنت لن تأخذ مكان أحد»، فوافقت، وانتظمت فى نشر مقالى اليومى بالصفحة الأخيرة من الشرق الأوسط منذ 1987 وحتى اليوم.

< وما سر الحفاظ على الاستمرارية بهذا المستوى من الكتابة الذى أشاد به كثيرون مثل محمود درويش وأنسى الحاج؟
ــ الاجتهاد والتنوع.

< وماذا عن طقوسك مع كتابة المقال اليومى؟
ــ أكتب فى الصباح، وثلاثة أرباع نهارى للقراءة.

< هل تخصص عدد ساعات معينا للقراءة؟
ــ أكثر مما تتصور. ليس هناك حدود. لا تمر ربع ساعة من دون قراءة.

< ذكرت سابقا أن الكاتب المصرى مصطفى محمود كان واحدا ممن أثروا فيك؟
ــ نعم جدا. تأثر جيلى بمجلة «صباح الخير» عندما صدرت، كان يكتب فيها مصطفى محمود، وصلاح جاهين، وكامل زهيرى، وأحمد بهاء الدين.

< رأى أنسى الحاج أن علاقة كاتب المقال اليومى مع القارئ إما غالب أو مغلوب.. فكيف ترى الأمر؟
ــ الحمد لله. لست غالبا ولست مغلوبا. الكاتب ليس حزبا. الكاتب يقدم للقارئ ما يرضيه دون أن يكون ذلك على حساب كرامته.

< ما الذى يمثله الوقت بالنسبة لك؟
ــ كل شىء.

< وكيف تستقبل الإطراء؟
ــ دائما بالشك، وأسأل نفسى: هل صحيح أننى أستحق هذا الكلام الذى يقال عنى؟

< وما الذى تقوله لشباب الصحافة فى ضوء تجربتك؟
ــ هناك كلمة كان يرددها ويكتبها أحمد كمال أبو المجد، رحمه الله: إنما العلم بالتعلم. من يظن أنه صار كاتبا لمجرد أنه كتب جملتين، هذا غرور يسىء لصاحبه. لتصبح كاتبا عليك أن تقضى سنوات طويلة فى الصحافة. الصحفى قد يمارس المهنة مائة عام ولا يصبح كاتبا.

< ما الفارق بين الثقة والغرور؟
ــ الثقة أدب وأخلاق وعلم ومنطق، أما الغرور فهو قاتل.

< كيف تنظر إلى تجربتك اليوم؟
ــ أقول الحمد لله.

< قلت فى بداية الحوار إن الصحافة منحتك كل شىء.. فما الذى أخذته منك؟
ــ وقتى، لكن ما أعطته لى أكثر بكثير مما أعطيته لها.

< فى ندوة بالسعودية عام 1999، وصفت الصحافة العربية بالرائعة.. فكيف تراها اليوم؟
ــ لا توجد صحافة عربية واحدة، بل تتنوع بتنوع مجتمعاتها. الصحافة العربية خسرت كثيرا مثل غيرها. خسرت «الإعلان» الذى يمثل المورد الأساسى لها، ولا تزال هناك بعض الصحف الجيدة، وخاصة فى الصحافة المصرية.

< وما أبرز التحديات التى تواجه صحافة اليوم؟
ــ المال. إذا لم يكن لديك ما تدفعه للصحفى لكى يعمل بجهد ويقرأ ويسافر، فكيف سيعمل؟ الصحافة عادت «مجرد إنشاء من خلف المكاتب». الصحافة هى البحث إلى أقصى حد ممكن، والاختلاف. إذا وجدت كل الكتاب يكتبون بنفس الطريقة، فستكتفى بأحدهم وتترك الباقين.

< ما الذى أضافه الإرهاب، الذى يزعج العالم كله اليوم، إلى تحديات الصحافة؟
ــ أسفر عن صحافة رديئة وشريكة للإرهاب والعنف. هناك كتاب أيدوه، أو ما حاربوه بالقدر الكافى.

< ما السبيل إلى صحافة عربية جيدة؟
تأخرنا كثيرا. لا سبيل، إلا إذا فعلنا مثل بعض صحف أمريكا وبريطانيا؛ العودة إلى صحافة التأمل.

< تقصد العمق؟
ــ بالضبط، العمق، انظر إلى تجربة مجلة نيويوركر فى أمريكا، تحاول الحصول على أموال من كل مكان لتنفق على الصحافة.
لابد أن نواجه واقعنا، العصر يتغير. وأهم شىء فى المنتج هو الجودة. الصحافة أم الكتابة بمختلف أنواعها. هناك قول سفيه بأن الصحافة مهنة المتاعب، هذا غير صحيح. الصحافة مهنة فن وعطاء، والصحفى يتعب مثلما يتعب العامل والفلاح.

< زرت القاهرة بعد أكثر من عشرة أعوام على الغياب.. فما الذى رأيته فيها هذه المرة؟
ــ القاهرة لا تتغير. تعطيك نفسها. وعلاقتى معها علاقة عشق وحب إجبارى. مصر لها أفضال كبيرة علينا، وخصوصا على جيلى. أفضال فى الفن والأدب والشعر والصحافة. أتمنى أن ينصر الله مصر بكل شىء.

< كيف ترسل مقالك اليومى إلى «الشرق الأوسط» حاليا؟
ــ أكتبه بخط اليد على الورق، وسكرتيرتى ترسله بالإيميل إلى الجريدة. لا أستخدم الكمبيوتر. أستخدمه فقط فى قراءة الصحف. لا أقول إنه لا علاقة لى بالحداثة، لكن ما عندى وقت لأجلس وأتعلم، الكتابة اليومية لا تترك وقتا لأى شىء إطلاقا.

< إلى جانب الكتابة اليومية، كانت لك بعض التجارب الأدبية؟
ــ نعم، والآن أكتب مذكراتى.

< ما الذى أقنعك بكتابة مذكراتك بعد سنوات طويلة من رفضك للفكرة؟
ــ رفضت الفكرة على أساس: من أنا لأكتب مذكراتى؟ لكن المعنيين بالنشر أقنعونى فى النهاية بالكتابة كشاهد، لا كصانع حدث. قالوا لى: عرفت كل هؤلاء الناس من خلال الصحافة «واللى عرفوا مثلك ناس ما بيطلعوا تلاتة، حرام تترك كل هذه التجربة دون تدوين».

< هل تمضى فى كتابة مذكراتك وفق خارطة طريق؟
ــ ما عندى خارطة، لست منظما، ولا أقولها بمباهاة، بالعكس، باعتذار، و«يا ريتنى منظم».

< وماذا عن كلام جورج أورويل بأن المذكرات يجب أن تنطوى على قدر من الفضيحة؟
ــ أضحى بالإثارة لأركز على ما هو إيجابى وأخلاقى. أنا لست بطلا، وإنما مراقب تصادف أننى عملت فى مهنة كانت تفتح الأبواب أمامى، لأتعرف على كبار القوم، سواء فى الأدب أو الفنون أو السياسة. عرفت مثلا غالبية ملوك السعودية؛ الملك فيصل والملك فهد والملك عبدالله، وربطتنى علاقة قوية عمرها أربعين سنة على الأقل مع الملك سلمان. أهم شىء هو الأمانة والتواضع. لكن لست مستعدا أن أكذب من أجل التواضع، وإنما أتحاشى بعض الأمور بما لا يتعارض مع الصدق والموضوعية.

< متى تخرج مذكراتك إلى النور؟
ــ آمل فى الانتهاء منها قبل نهاية العام الحالى، والأرجح أنها ستكون فى ثلاثة أجزاء، تبدأ منذ عام 1960، أى سنوات العمل فقط.

< وماذا عن الفترة التى تسبق عام 1960 من حياتك؟
ــ أظننى سأكتب عنها نوعا من الأدب. كانت فترة حزينة، حيث فقدت أمى وعمرى عشر سنوات. هذه القصة تركت لنا أسى كبيرا.

< كتبت قصة عن حبيبة اسمها مارا فى مجموعتك القصصية «ناس ومدن».. إلى أى مدى حملت القصة جزءا من الحقيقة؟
ــ مارا شخصية حقيقية، أحببتها فى بيروت قبل أن أتزوج، وكنت دائما أراها، ونتواصل، واليوم تقرأ مقالتى بالشرق الأوسط يوميا، وهى متزوجة وتعيش بكندا، كما ورد بالقصة.

< كانت لك مشروعات روائية لم تكتمل.. ألا تفكر فى العودة إليها؟
ــ إذا أعطانى الله العمر والعافية فسوف أفعل.. لكن أهم ما أود إنجازه هو كتابة حكاية أمى.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك