«الرويعي».. قصة تاجر مغربي حفر اسمه في تاريخ التجارة المصري - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 12:33 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«الرويعي».. قصة تاجر مغربي حفر اسمه في تاريخ التجارة المصري

إنجي عبد الوهاب
نشر فى : الأربعاء 12 يونيو 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الخميس 13 يونيو 2019 - 2:17 م

شاء القدر أن يخلد اسم التاجر المغربي الذي قدم إلى مصر قبل قرون، وعٌرف بأعماله الخيرية حتى أن أحد أشهر وأقدم أسواق القاهرة لا يزال يحمل اسمه الذي حُفر بين ثنايا صفحات التاريخ المصري لارتباطه بأحداث الحملة الفرنسية.

فقصة التاجر، شهاب الدين أحمد بن محمد الرويعي، يزيد عمرها على 4 قرون، إذ حل بمصر في العام 1017 هجريًا، 1608 ميلاديًا أثناء الدولة العثمانية عليها حيث ازدهرت الحركة التجارية في تلك الرقعة الفاصلة بين القاهرة الفاطمية والعثمانية، وانتقل من رشيد إلى الإسكندرية ثم إلى المنطقة الواقعة غربي بركة الأزبكية والتي عُرفت كمركزٍ تجاريٍ للمغاربة في مصر آنذاك إذ أنشأوا بها العديد من البيوت التجارية والحوانيت والخانات والوكالات.

وتعود أصول الرويعي إلى أسرة أندلسية انتقلت إلى المغرب عقب سقوط غرناطة في القرن الخامس عشر، ومنها إلى الإسكندرية في مطلع القرن السابع عشر، وعقب مسيرة استثنائية أصبح أهم شخصية تجارية في مصر، وحمل اسمه أحد اهم المناطق التجارية في مصر في تلك الرقعة التي التى تفصل بين القاهرة العثمانية والفاطمية والمعروفة بـ"سوق الرويعي"، وخلد اسمه المسجد الذي بناه على أطرافها.

مسيرة استثنائية

كان الرويعي رجل عصامي بدأ مسيرته التجارية بشراء نصف وكالة بالجهة البحرية من رشيد كانت تعرف بابن النفيس آنذاك، ثم ازدهرت تجارته وعظمت ثورته واتسعت دائرة نشاطه من الرشيد وصولًا إلى الإسكندرية، ثم إلى القاهرة التي بدأ نشاطه بها بإنشاء ورشة حياكة، عُرفت بـ«ورشة الخواجة أحمد الرويعي» نظرًا لكونه غير مصري، ورويدًا رويدًا توسع نشاطه التجاري وامتلك سلسلة من ورش الحياكة بمنطقة بركة الأزبكية، وأسهمت ورش الرويعي في تنمية صناعة المنسوجات في هذا الحي بحسبما أورده الكاتب حسام محمد عبدالمعطي، في كتابه «البيوت التجارية المغربية في مصر في العهد العثماني»، تنوع نشاط الرويعي التجاري فأنشأ طاحونة وفرن وعدد كبير من الحوانيت وقهوة، وطالت تجارته مجالات عديدة كـبيع الطعام والعطارة والبن والسكر والنجارة والحدادة وتجارة الذهب والحلى والأقمشة والمنسوجات.

"شهبندر التجار" الحكيم

كان الرويعي رجلًا حكيمًا نبيلًا عٌرف بنزاهته وأعماله الخيرية؛ فكلما حل منطقة ورُزق منها خصص لها وقفًا وأنشأ بها سبيل وكتاب بداخل مسجد يحمل اسمه، كوقف الرويعي في منطقة رشيد الذي ورد ذكره في موسوعة رشيد للتراث العمراي، ومسجد الرويعي الواقع على مشارف ذلك الشارع الذي لا يزال يحمل اسمه بالقاهرة، حتى قيل له الوجيه الأمثل والجناب العالي مستجمع المفاخر والمعالي علية أعيان السادة التجار بمصر المحروسة والأقطار الحجازية، و ساعدت الرويعي الثروة التي جمعها من تجارته الواسعة الممتدة من رشيد مرورًا بالإسكندرية ووصولًا إلى القاهرة على القيام ببعض الأعمال الخيرية التي كان أهمها فى أوائل القرن الحادي عشر هجرية / 17 ميلادية بتجديد مسجد زغلول برشيد، وإنشاء مسجده ومدفنه بالقاهرة الذى لم يبق من عمارته الأثرية غير مأذنته التي تقع فى الركن الجنوبي الغربي بالمسجد، وورد ذكره في وثيقته المؤرخة في 12 ذي الحجة سنة 16 هجرية ملقبًا بـ "فخر التجار المغاربة عمدة الحواجدية المعتبرين".

لم تكن شهرة الرويعي من فراغ، بل كان ورائها عوامل عديدة أولها تنصيبه شهبندرًا للتجار في حوالي الربع الأول من القرن الحادي عشر، وهو ليس مجرد لقب لكنه منصب مرموق يحظى باحترام الدولة والعوام على حد سواء، إذ كان حامل هذا اللقب يتمتع بمكانة مرموقة له ولعائلته وطائفته بموجب أهمية منصبه، وبحسبما أورده الدكتور حسام عبدالمعطي، فى كتاب «العائلة والثروة» بالرجوع إلى الوثائق التجارية القديمة وبعض الصكوك والعقود التي اطلع عليها وتعود إلى القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر ميلاديًا كان ضمن صاحيات شهبندر التجار المشاركة فى تعيين شيوخ الأسواق والسماسرة والدلالين من خلال التنسيق مع قاضي القضاة الذى كان يرسل شاهدين من المحكمة برفقة الشهبندر لكي يشهدا في حضوره على رضا أهل السوق عن الشخص المرشح شيخًا للسوق أو شيخًا للدلالين والسماسرة وكان هؤلاء الشيوخ يقرون أمام شهبندر التجار على المحافظة على الأسس والقواعد السائدة فى السوق وعدم الخروج عنها، ومن واجبات شهبندر التجار أيضًا أن يتدخل لفض أية منازعات تتعلق بالتنظيمات الداخلية لطائفة التجار مثل «تعيينات مشايخ الأسواق والنقباء والأشراف أيضا على حل المشاكل والقضايا التجارية بالقاهرة».

أسهمت أحداث الحملة الفرنسية ومعاركها العضال أيضًا في تخليد اسم الرويعي؛ فبعدما سميت المنطقة التي عاش بها غربي بركة الازبكية باسمه، ورد أسم "شارع الرويعي" في حوليات الجبرتي الجبرتي «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» لنحو ثلاثمائة، والخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك؛ ففي أيام الحملة الفرنسية كان قادة الحملة يسكنون منطقة الأزبكية التي تقع على مشارفها شارع الرويعي ومسجده، ووسط زخم الحركة التجارية كان ثوار مصر ضد الحملة يتحركون من منطقة المقطم مرورًا بالمنطقة الفاطمية ثم وصولًا لشارع الرويعي، لذا وجب على الحملة العسكرة به حتى أنها سُفكت بهذا الشارع أنهارًا من دماء المقاومين.

ظل الرويعي يتمنع بسمعته الطيبة ومكانته وشهرته في مصر، وفي آخر أيامه طالبه التجار بترشيح شخص ينوب عنه في منصب «شهبندر التجار» نظرًا لحكمته؛ الأمر الذي دفعه للتنازل عن المنصب إلى ابن أخيه «على بن محمد بن أحمد الرويعى» لكونه الأقرب إليه والأجدر بثقته، إذ تعلم على يده مباديء العمل التجاري والإدارة وتشرب منه الحكمة، ويعتقد بعض المؤرخين أن ابن أخيه ناهض الحملة الفرنسية حتى تحول شارع الرويعي إلى ساحة حرب؛ إذ يقول الجبرتي في كتابه عجائب الآثار إنّ « أقام المُعادين للحملة الفرنسية في شارع الرويعي، وكان هُناك رجل مغاربي، يُقال إنه يحارب الفرنسيين والتف حوله طائفة من المغاربة، ولمُحاربة الرجل هجم جنود من الحملة على شارع الرويعي فأصبحت المنطقة أشبه بساحة حرب صغيرة».

توفي الرويعي في نهاية القرن السابع عشر لكن القدر شاء أن يظل اسمه خالدَا، فأصبح شارع الرويعي صفحة تروي تاريخ التجارة المصرية، كما علق اسمه بالمنطقة التي عاش بها وأوقف بها سبيل ماء وشجرة نبأ وكتاب للأطفال بداخل المسجد الذي حمل اسمه، حتى أن أحد اشهر أسواقها لا يزال يحمل اسمه "سوق الرويعي".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك