في ذكرى رحيله.. ورقة بحثة لجامعة مجرية ترصد إبداع محمد خان في فن اللقطات المقربة

آخر تحديث: الإثنين 26 يوليه 2021 - 11:55 م بتوقيت القاهرة

في مثل هذا اليوم (26 يوليو عام 2016)، رحل عن عالمنا المخرج المصري محمد خان، تاركا للجمهور إرثا فنيا متميزا، لا زال محل اهتمام كثير من الشباب من المشاهدين العاديين والباحثين المتخصصين.

وفي هذه الذكرى، نستعرض آخر ما نشر عن خان في الأبحاث العلمية، بعنوان "فن اللقطات المقربة في أفلام محمد خان"، للباحث إبراهيم الهنداوي، في جامعة "أوتفوش لوراند" المجرية.

يقول الهنداوي في مقدمة بحثه: "صنع محمد خان 25 فيلمًا خلال حياته، وكان معروفًا باستخدامه المتكرر للقطات المقربة في أفلامه، وفي هذا البحث، أحاول تصوير فن اللقطات المقربة من حيث الوظائف في أحد أفلامه، التي أخرجها في منتصف عمره الفني، (زوجة رجل مهم) عام 1987، بتحليل 5 مشاهد مختلفة، مع تقديم وصف لوظائف هذه اللقطات المقربة في كل مشهد، وكيف ساهمت هذه اللقطات في جعل أسلوبه فريدا، والعمل من تأليف رؤوف توفيق وبطولة أحمد زكي وميرفت أمين وتصوير محسن أحمد".

• خان.. أن تخلق أسلوبا مميزا من اللقطات التقليدية

من اللقطات القريبة في بداية العمل، استطاع خان تحديد الزمان والمكان دون حوار، حيث يبدأ الفيلم بلقطة مقرّبة على جانب شاحنة بعناوين مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية "شتاء 1962"، مع لقطة مقربة أخرى لبطلة الفيلم وهي ترتدي الزي المدرسي، وفي المشاهد التالية للبطلة داخل قاعة السينما يعتمد خان على لقطات مقربة لوجه "منى" منذ دخولها للقاعة، وهي تولي اهتماما كبيرا بالفيلم من خلال تعبيرات وجهها، ويشير الهنداوي هنا إلى الأسلوب الانطباعي في الفيلم، حيث لا نرى سوى ما يترك انطباعًا على الأبطال.

• كيف نشاهد الصمت؟

يحتوي تسلسل المشاهد لـ"منى" داخل السينما على 4 لقطات مقربة لردود فعلها أثناء مشاهدة فيلم "بنات اليوم" لمطربها المفضل عبدالحليم حافظ، تغوص المشاهد في أعماق الشخصية وترسم ملامحها، نرى خلال ذلك دموع الفتاة أثناء سماعها أغنية "أهواك"، وهي طريقة فريدة لرسم الشخصية، حيث يمكننا أن نرى كم هي رومانسية وحالمة من خلال إظهار تأثير العندليب عليها.

يشير الهنداوي إلى أن الاستخدام المكثف للقطات المقربة في أفلام خان يخدم أغراضًا مختلفة، حيث يوجه المخرج نظرنا بمساعدة هذه اللقطات، ويتابع أيضًا اللقطة الطويلة بلقطات تظهر الزوايا المخفية التي تحتفظ فيها الحياة الصامتة للأشياء بمزاجها السري، وفي المشهدين السابقين استخدم خان لقطات مقرّبة لتحديد أماكن وتوقيت القصة في وقت واحد، بالإضافة إلى تقديم الشخصية الرئيسية، وكشف معلومات عنها وخلق حالة مزاجية وجوًا خاصًا في الدقائق الأربع الأولى من الفيلم.

 

• كيف نرى البطل في دقائق معدودة؟

أحد الاستخدامات الأخرى للقطات المقربة، كان يتركز في "الكشف عن العلاقات" داخل الفيلم، يقول الهنداوي: "باستخدام لقطات مقربة، يأخذنا المخرج بعمق في مواقف مختلفة، حيث يتم تصوير السلطة الأبوية وسلطة الرجال على النساء في أدق تصور لها، ونرى ذلك في النصف الأول من الفيلم خلال استعداد هشام -الضابط- ومنى لخطبتهما".

تميل الكاميرا في لقطة مقربة إلى وجهها، وهي تنظر إلى علبة يوجد بها "دبل الخطوبة"، تبدو وكأنها لم تحسم أمرها حيال هذه العلاقة، وفي المقابل قطع قريب لوجه هشام في زاوية منخفضة والتي تظهره أقوى من الآخرين، ويأمر الصائغ بأخذ مقاس إصبع العروس ولا ينتظر رد أي شخص، ثم يخبرهم أنه تم ترقيته في نفس اللقطة.

يستمر البطل في تجاهل كل من حوله وإعطاء الأوامر فقط، وتحاول الكاميرا أن تعبر بدقة عن قوة شخصية هشام وسلطويته، يقول الهنداوي: "الصورة المقربة التالية هي وجه هشام وهو يدخل الغرفة مرة أخرى من زاوية منخفضة بخلفية مظلمة، وهذا يدل على مدى قوته وسيطرته، خاصة عندما بدا أن الأب يختلف معه، أخبرهم دون تردد أنه حدد بالفعل موعد الزواج والشقة التي سيعيش فيها في القاهرة مع زوجته، ويظهر قطع جديد على وجه الوالدين بشكل فردي من زاوية عالية مع خلفية بيضاء أثناء الاستماع فقط في وضع ضعيف لتعليمات هشام".

يعلق الباحث على هذا: "يكشف استخدام اللقطات المقربة في هذا المشهد طبيعة العلاقة وتسلسل السلطة لجميع الشخصيات في الفيلم، كما يوضح صفاتهم الشخصية ويبني بناء يصب في مصلحة الفيلم، الأمر الذي سيسمح للجمهور بفهم القصة بشكل أعمق وهذا أيضًا يحدد نغمة وجو العمل بأكمله".

 

• البطلة في حصار مستمر

تستمر هيمنة هشام على منى، ونلاحظ ذلك في المشهد التالي مباشرة، خلال تواجد الاثنين في شرفة غرفة نومها، حيث يحاصرها بكلتا يديه وهي جالسة، في لقطة قريبة متوسطة تبرز هذا الحصار، ثم نرى لقطة مقرّبة لهشام تشغل معظم الإطار من زاوية منخفضة، مع توظيف الظلال والألوان الداكنة على وجه هشام في لقطة مقربة جداً، لمنح المشاهد شعور بقوة وتحكم الشخصية.

نجح خان في توليد الشعور بالقوة والهيمنة باستخدام إعدادات الضوء واللون، يلي ذلك لقطة مقرّبة أخرى، نرى وجه منى الناعم والأنوثي للغاية شديد السطوع في منتصف الإطار، وتحيط به يد البطل الضخمة والذكورية، هذا التناقض بين منى وهشام يروي الكثير عن عمق الاختلافات بينهما كشخصيات.

في لقطة أخرى مقربة على يد هشام وهي تمسك بيدها بقوة أثناء محاولتها الإفلات منه، تدل يدا هشام على شخصيته وهيمنته، حيث منى محاصرة بيديه رغم أننا لا نرى جسده بالكامل، وذلك لأن الانطباعية تقدم دائمًا جزءًا من الكل وتترك مهمة إكمال الصورة لخيال المشاهد.

علق الهنداوي: "هذا كله يخلق إحساسًا بالتعاطف مع منى، وبالتالي فإننا نتواصل على مستوى أعمق كمشاهدين مع وضعها، عندما نرى يده تحاول التحكم في وجهها وتتغير عضلات وجهها وتتوتر، نتفهم أنها بدأت تشعر بعدم الارتياح، كل هذا يزيد من حدة التوتر في المشهد، ونشعر بأننا ضحايا بنفس القدر، ويبرز خان أنه يمكن وصف مشهد كامل فقط باستخدام لقطات مقرّبة بدون كلمات".

تقول بيلا بلاز، الناقدة السينمائية المجرية: "إن الفيلم الجيد، تكون اللحظة الحاسمة فيه للقصة الفعلية لا تظهر مطلقًا في لقطة طويلة، لأنه في لقطة طويلة لا يمكنك أبدًا رؤية ما يحدث حقًا، عندما أرى إصبعًا يسحب الزناد وبعد ذلك أرى الجرح ينفتح، كأني رأيت بداية العمل ونهايته، ولادته والتحول، كل ما يأتي بين هذين الحدثين غير مرئي، مثل رصاصة في الهواء"، لذلك جعلنا خان في مشهد النهاية، نشاهد لقطة مقربة لإصبع هشام على زناد المسدس، في إشارة إلى وصول الموت، ثم قطع ونشاهد صدر الأب مغطى بالدماء مما يولد إحساسا بالصدمة.

 

في نهاية الحديث، أكد الباحث على عدة تفاصيل ترتبط باستخدام اللقطات المقربة، أنها تستخدم بشكل تقليدي في الأفلام لتوليد المشاعر التي تساعد في ربط القصة بالجمهور، وتتمثل مهمتها الأساسية في الكشف عن المعلومات التي تمر دون أن يلاحظها أحد وللإشارة إلى شيء مهم، فهي الشرط التقني المسبق لفن تعبيرات الوجه، وبالتالي للفن العالي للفيلم بشكل عام، وفقا لتعريف بلاز.

يقول الهنداوي، في حين أن العديد من اللقطات المقربة تشترك في نفس الاصطلاحات، لم يستخدم محمد خان هذه التقنية فقط لتلك الوظائف التقليدية، لكن أيضًا لالتقاط "البعد الجديد" والظاهرة المسماة "الدراما الصغيرة"، التي تعكس التسلسل الهرمي لعلاقات الشخصيات في الفيلم، كما يحدد الشخصيات، ومكان ووقت السرد، هذا النهج المميز في استخدام اللقطات المقربة جعل أسلوبه فريدًا وفعالًا مقارنة بأعمال أخرى في السينما المصرية.

وتابع: يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تكون اللقطات المقربة قوية، ولكن، من ناحية أخرى، يمكن أن يكون استخدام الصور المقربة محفوفًا بالمخاطر لأسباب عديدة، منها قد نفقد التفاصيل أو معنى المشهد إذا كان هناك الكثير من الحركة، أو يجد الجمهور نفسه ضائعًا في المكان والزمان إذا لم يسبقه وسيط أو لقطة طويلة، والتي من شأنها أن تبقي الجمهور على دراية بالاستمرارية المكانية للمشهد، وعلى الرغم من ذلك قد نجح خان في الحفاظ على الهيكل الإيقاعي للفيلم من خلال التأكيد على المعنى الكامن وراء كل إيماءة في صورة مقربة، حتى عندما تكون الشخصيات معزولة يمكن للجمهور متابعة تطور الحبكة.

وأضاف: "اكتسب خان شهرة بسبب أسلوبه الفريد في استخدام اللقطات المقربة لتحديد الزمان والمكان، ورسم الشخصيات مباشرة من العمر والجنس إلى الحالة الاجتماعية والخلفية، استخدمها لخلق حالة مزاجية، والتأكيد على المشاعر، وتقديم الدراما الصغيرة، والأهم من ذلك فهي ترمز إلى الحالة العاطفية للشخصيات في أفلامه".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved