المحللة التركية أسلي أيدينتاشباش: الحرب الأمريكية الإيرانية خطر كبير على تركيا

نشر في: الأربعاء 29 أبريل 2026 - 11:06 ص
واشنطن - (د ب أ)

منذ نشوب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في نهاية فبراير الماضي، تسعى تركيا جاهدة للبقاء بعيدةً عنها والمحافظة على حيادها الدقيق. وانطلق هذا الحياد من دروس تاريخ تركيا الحديث حيث حرص صناع السياسة التركية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى التي خاضتها الدولة العثمانية إلى جانب دول المحور ومنيت بهزيمة ساحقة أنهت وجودها الإمبراطوري، على التزام الحياد في الصراعات الإقليمية والدولية بما في ذلك الحرب العالمية الثانية.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قالت المحللة التركية أسلي أيدينتاشباش إن الحرب في إيران فرضت على صناع القرار التركي حسابات مماثلة، في ظل معطيات مختلفة، حيث تسعى أنقرة إلى لعب دور أكبر على الساحة الدولية، رغم أنها لا تمتلك القوة الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتشكيل الأحداث وفقاً لشروطها الخاصة. لذلك فعلاقاتها مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة حساسة للغاية؛ فهي لا تزال في المراحل الأولى من إعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة، وقد تدهورت علاقاتها مع إسرائيل بشكل كبير في السنوات الأخيرة. كما أن تركيا لا تزال تعتمد على الآخرين في الدفاع عن أراضيها. وقد أسقطت طائرات اعتراضية تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وليس أسلحة تركية، الصواريخ الإيرانية الأربعة التي استهدفت نظام رادار تابعا لحلف الناتو وقاعدة إنجرليك الجوية التابعة له في جنوب تركيا، حيث تتمركز القوات الأمريكية قبل وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في 7 أبريل الحالي.

وحرصت تركيا على النأي بنفسها عن الحرب. فلم تدعم الحملة الأمريكية الإسرائيلية، ولم تسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل باستخدام مجالها الجوي لشن ضربات ضد إيران. ويعود ذلك إلى العلاقة المعقدة بين تركيا بإيران، والتي تمتد لقرون. ورغم أن إيران خصم تاريخي، لم ترغب أنقرة قط في اندلاع هذه الحرب، وقضت الأشهر الأولى من عام 2026 في قيادة الجهود الإقليمية لإقناع طهران وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنح المفاوضات النووية فرصة أخرى لتجنب الحرب، التي كانت تدرك أن أي حرب في إيران يمكن أن تؤدي إلى تدفق اللاجئين إليها، وتعطيل اقتصادها، وزعزعة استقرارها السياسي الداخلي.

وتقول أيدينتاشباش الباحث الزميل ومديرة مشروع تركيا في معهد بروكينجز للأبحاث" للأسف الشديد، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، ورغم وقف إطلاق النار فإن حالة الحرب مازالت قائمة، ويمكن أن تشتعل في أي لحظة". في الوقت نفسه من غير المرجح أن يحمي الموقف الحيادي تركيا من النتائج السلبية للحرب. فالصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني يهدد أنقرة من جوانب عديدة، فهو قد يخل بالتوازن الهش في علاقتها مع طهران، ويعرقل عملية السلام الجارية مع الأكراد في الداخل، ويعزز هيمنة إسرائيل، الخصم الاستراتيجي الأبرز لتركيا، في المنطقة.

لذا، توخت تركيا الحذر فلم تدعم الحرب أو تتورط في الاضطرابات الأخيرة في إيران. فعندما هزت الاحتجاجات الشعبية إيران في يناير، امتنع القادة الأتراك عن توجيه أي انتقادات لحملة القمع التي شنها النظام الإيراني أو إعلان دعمهم لتطلعات المتظاهرين. وبمجرد اندلاع الحرب في نهاية فبراير، حث الأتراك الولايات المتحدة على إيجاد مخرج قبل انهيار الدولة الإيرانية.

ورغم أن الجولة الأولى من الحرب انتهت دون تحقق أسوأ مخاوف تركيا وهو انهيار الدولة في إيران، لا يزال لديها سبب وجيه للقلق: فقد ازداد النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية تشددا، مع تقلص هامش المناورة السياسية والبراجماتية الدينية بشكل أكبر من ذي قبل في طهران.

وقد أبرزت الحرب في إيران هشاشة عملية السلام التي تقودها أنقرة مع حزب العمال الكردستاني، التي تلقت دفعة قوية عام 2025 بعد دعوة الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان إلى وقف إطلاق النار، وكان من المفترض أن تفضي العملية في نهاية المطاف إلى حل حزب العمال الكردستاني. إلا أن ذلك ليس أمرا مضمونا، في ظل تباطؤ أنقرة في تنفيذ الإصلاحات القانونية الضرورية، واضطرابات المنطقة. وبالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعتبر الهدوء على الجبهة الكردية ضرورة سياسية أيضا، ويحتاج إلى دعم الحزب المؤيد للأكراد في البرلمان لتعديل الدستور بما يسمح له بالترشح مجددا في الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة.

لكن الحرب على الحدود الشرقية لتركيا قد تقوّض هذه الجهود برمتها. وقد انتابت أنقرة حالة من القلق عندما طرح ترامب، بعد وقت قصير من الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولية، فكرة استخدام المعارضة الكردية الإيرانية لإشعال انتفاضة داخل إيران، وهو ما قد يعيد العلاقات الأمريكية التركية إلى فترة التوتر الشديد التي شهدتها قبل نحو عقد من الزمن، حينما سلحت واشنطن القوات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وأرسلت قوات أمريكية للقتال إلى جانبها ضد تنظيم داعش في سوريا.

لكن حدة تلك المخاوف التركية خفت بعد تراجع ترامب عن فكرة فتح جبهة كردية داخل إيران، في حين قال مسؤول تركي رفيع المستوى بأن "الأكراد اتخذوا خيارًا استراتيجيًا" بعدم دخول الحرب. كما أن فرعا لحزب العمال الكردستاني في إيران، اختار عدم حمل السلاح أو قبول الدعم الأمريكي والإسرائيلي.

في الوقت نفسه تشعر أنقرة بالقلق إزاء تنامي دور إسرائيل الإقليمي ونفوذها في واشنطن. ورغم الشراكة الوثيقة بين أنقرة وتل أبيب في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، بات البلدان يتصادمان علنا، وينظر كل منهما إلى الآخر على نحو متزايد باعتباره تهديدا له. وقد أدت الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة، إلى شرخ في علاقات الدولتين لا يمكن إنكاره. لكن قلق تركيا ازداد بشكل خاص مع استعراض إسرائيل المتكرر للقوة في لبنان وسوريا بعد سقوط نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد، مما رسخ مكانتها كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة.

ويرى العديد من المعلقين والسياسيين في تركيا الآن أن الحرب الإسرائيلية ضد إيران، تستهدف ولو جزئيا تطويق تركيا واحتوائها. وقد قصفت إسرائيل قواعد جوية في سوريا كانت تركيا تدرس استخدامها. كما عمّقت التعاون الدفاعي مع اليونان وقبرص بطرق تهدف صراحةً إلى تحدي تركيا. كما بات المعلقون الإسرائيليون ينظرون إلى تركيا بشكل متزايد على أنها تهديد طويل الأمد.

كل هذا وضع أردوغان في موقف حرج. فأنقرة لا ترغب في هيمنة إيران على المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في نظام إيراني جديد تهيمن عليه إسرائيل وتفرض عليه الولايات المتحدة تقلبات غير متوقعة. إن التزام تركيا بالحياد في الحرب يمنحها بعض الوقت لاستخدام الدبلوماسية في محاولة إقناع واشنطن بالالتزام بتسوية تفاوضية تحد من برامج إيران النووية والصاروخية دون المساس بالدولة الإيرانية. كما تحاول أنقرة إقناع الولايات المتحدة بأن أجندة إسرائيل الإقليمية الأكثر عنفا في سوريا ولبنان قد تضر بمصالحها، وتهدد بجرها إلى صراعات طويلة الأمد.

وتنهي المحللة التركية أسلي أيدينتاشباش تحليلها بالقول إن تركيا تحتاج إلى استراتيجية متماسكة تمكنها من الحفاظ على استقرارها الداخلي مع الأكراد، وتأمين حدودها، والظهور كمركز إقليمي محوري في مجالي الطاقة والتجارة. ويعني هذا ضرورة التعامل مع تقلبات الحرب وتنافس القوى العظمى، وليس الاكتفاء بتحسين العلاقات مع واشنطن فقط. وإذا كان إعلان الحياد في الصراع الحالي يبدو قرارا صائبا لدولة في وضع تركيا، لكنها إذا أرادت الخروج من فترة الاضطرابات الإقليمية أكثر أمانا لا أشد ضعفا، فقد لا يمكنها البقاء على الحياد تماما.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة