يُسائل نفسه: ماذا حدث لى؟! ويجيب.. حدث ما لم يكن ينبغى أن يحدث، ولا كان ليلوم فيه الطب ولا الأطباء؛ فما
يزال فى هذا البلد بقية من طبٍّ جيد وأطباء رائعين، رغم كل الضغوط الساحقة على هذه المهنة النبيلة وحاملى رسالتها.
العيّنة المأخوذة من الغدة المعنية للتحليل، لاشتباه جنوح غير حميد ببقعة من خلاياها، تمت بأعلى معايير المهارة المهنية والوقاية من احتمال حدوث ما حدث، وهو احتمال نسبته تقارب واحدا من ثلاثين فى مثل هذا الإجراء. وحتى لو وقع ذلك الاحتمال، فغالبًا ما يتم احتواؤه خلال بضعة أيام، شرط تحقيق معادلة شديدة الوضوح فى طب الطوارئ والحالات الحرجة:
«تشخيص مبكّر، وعلاج سريع»
كان شق المعادلة الأول واضحًا فى حالته؛ فبعد أربعٍ وعشرين ساعة من أخذ الخزعة، وبرغم ابتعاده عن الممارسة الطبية عقودًا، أدرك أنه أُصيب بتسمم دم ــ بكتيرى على الأرجح «سيبتيسيميا»، فثمة قشعريرة محمومة انطلقت تعصف بجسده، يعجز عن السيطرة عليها وتصطك بها أسنانه، فتخرج كلماته مهشّمة. وكان تشوّش الوعى كثيفا، يجعله مغتربًا عن
كيانه وعما حوله. ثم، حين استخدم ما لديه من أجهزة طبية، اكتملت دائرة أعراض النازلة: ضغط شديد الهبوط، نبض مفرِط التسارع، تدنٍّ فى نسبة الأكسجين بالدم، وصعوبة تنفس.
ولأول مرة فى حياته، لم يستطع حين يمرض أن يكتم مرضه عمن حوله لئلا يزعجهم، فيدبِّر علاجه بنفسه، أو بمختص يلجأ إليه فى صمت إن تطلب الأمر ذلك. ففى هذه المرة نادى ابنه بصوت مهشمٍ مرتاع، سمعته زوجته، وهرعا إليه بفزع. وخلال دقائق كان ابنه، الذى تعرّف على الحالة ــ برغم تركه دراسة الطب إلى الفن التطبيقى والهندسة العكسية منذ سنوات ــ يقود السيارة بسرعة متهورة لم يعهدها فيه، حتى توقّفا عند أقرب مستشفى. وهناك… بدأت الكارثة.
كانت كارثة يردّها الآن، إلى خللٍ أخلاقى فى بروتوكولات الاستثمار، لا بروتوكولات الطب وسلوك الأطباء. فالطب يقول فى العالم كله، ونحن منه:
«عند اكتشاف حالة تسمم دم — وهى حالة مُهدِّدة للحياة — يجب أن يبدأ العلاج خلال ساعة واحدة»؟!
ساعة واحدة، ساعة أولى حاسمة بين ترجيح الموت والتماس النجاة، تُسمَّى فى أدبيات الطب: «الساعة الذهبية»! ساعة لم يغب إلحاحها عليه منذ الدقيقة الأولى… ولم يغب عنه كذلك أنها تتبدّد أمام عينيه.
فى المستشفى البراقة التى دخلها ــ والتى لن يذكر اسمها، ولا يريد الدخول فى نزاعٍ معها؛ فهو يوقن أن مسئوليها سيرمون الخطأ على الأطباء الشبان، بينما يدرك هو أن الخطأ ليس خطأهم، بل خطيئة التفاف التجارة على الطب. وبهذا الالتفاف سُرقت ساعته الذهبية، إذ لم يبدأ العلاج الناجع إلا بعد ثلاثة أيام، وفى مكانٍ آخر… أقلّ بريقًا، وأصدق جوهرًا، وأكثر وفاءً لسمو مهنة الطب، لكن هذا العلاج اللاحق وبسبب الخطيئة الأولى، أى سرقة ساعته الذهبية، امتد لأكثر من شهر بدلا من أسبوع على الأكثر. فكان، ولايزال — فى نظره — إثما… وجناية. عندما وصل به ابنه إلى قسم الطوارئ، يسنده كى لا ينهار، كانت أعراض تسمم الدم واضحة منذ أول لحظة، ولو بـلمحة تشخيص سريع spot diagnosis؛ مما يستنفر البدء فى العلاج الأوَّلى على الفور. لكنه فوجئ ـ وتفاجأ ابنه ـ بمن يوقفهما على مدخل قسم الطوارئ، مطالبًا بالعودة إلى «الريسبشن»…للتسجيل، وأول الدفع، وانتظار الدور!
وهنا، انفجر من داخله «محمد الثانى» الذى روّضه لسنين؛ راح يزعق برغم تقطع أنفاسه، يوصِِّف ما يمر به، ويؤثم التأخير فى بدء العلاج الفورى، كإجرام .. شروع فى القتل.
خرج بعض الأطباء على صوت زعيقه من وراء ستائر «بارتيشنات الطوارئ»، ويبدو أن أحدهم عرفه فاقترب بود يهدئه، وأخذه ليستريح على أحد أسرة القسم، ريثما يذهب ابنه لإتمام التسجيل… وما يقترن بالتسجيل!.
«سجّلنا ودفعنا» ومع ذلك لم يبدأ العلاج الأولى ــ لتهدئة الأعراض (لا استهداف سببها) إلا بعد ثلاث ساعات.. فقد طلبوا منه أخذ عينة دم للتحليل! ثم إجراء «سونار على البطن لاكتشاف مُسبِّب الحالة». قاوم الأمر، موضحًا أن عينة الدم يمكن أخذها دون تعطيل بدء العلاج، أما السونار فرفضه، لأن سبب الحالة شديد الوضوح: بكتيريا تسللت إلى الدم عبر ثقوب
خزعة من غدة عامرة بالأوعية الدموية، لم يكن مضى عليها غير يوم واحد، وشرح بالكلمات والتجسيد ما يتوقع حدوثه، فالضغط العميق المعتاد بمجس السونار على البطن، بقصد الحصول على صور أعمق وأوضح، هو فى حالته خطأ جسيم، خطر يفاقم عدوى الدم، فالمجس إذ يضغط على سطح البطن ينتقل ضغطه إلى ما تحته، وسيمر على البقعة التى تحتها الغدة المجروحة والمهيأة لنزف أشد، يمنح البكتيريا المُمرِضة جسورا دموية تنزلق عليها لتفاقم تسمم الدم!
جادل صاحبنا عبثًا! كان كلامه مقنعا طبيا، لكن بروتوكول الاستثمار ــ لا بروتوكول الطب ــ كان أقوى من قناعته، وقناعة الأطباء الشبان التى يحاذرون المجاهرة بها، حتى لا يفقدوا وظائفهم فى زمن الشدة. وأى شدة؟! حاولوا إقناعه بأنهم سيطلبون من اختصاصى السونار تخفيف الضغط. لم يقتنع… ولا هم على الأرجح كانوا مقتنعين. لكنه استسلم تحت وطأة التعب والأسى.
وأثناء إجراء السونار، كان يرفع صوته راجيًا تخفيف الضغط على جدار البطن فوق الغدة المثقّبة، فيُقسم المختص بأنه يفعل أقصى ما يستطيع ليخفف ضغطه، دون أن يؤثر على جودة الصور! فمرت فى خاطره مزحة مريرة: «الضغط لازم.. طبعا لازم.. علشان الصورة تطلع حلوة» فنهنه بضحكة مكتومة، وتجاوب أخصائى السونار بضحكة مكتومة تجامل ضحكته، وعندها رانت على روحه مسحة من الأسى والشجن، بينما كان وجدانه يستدعى أغنية الشيخ إمام لقصيدة العبقرى المغدور.. نجيب سرور: «البحر بيضحك ليه»:
«مساكين بنضحك م البلوة
زى الديوك والروح حلوة
سارقاها م السكين حَموّة
ولسه جوا القلب أمل»
ولم يكن فيما جرى بتلك المستشفى البراقة أى «حَموّة»،تبقى من عواقب تلك السريالية الطبية الذابحة لصاحبنا، أى ومضة لحلاوة الروح التى تواسى، فقد كان اليأس قد بدأ يتمدد داخله .. لقد مرّت ثلاث ساعات قبل أن يبدأ العلاج الأولى، ثلاث ساعات دمرت ساعته الذهبية الواعدة بالإنقاذ. بل أضافت إليها ثلاثة أيام لم يبدأ فيها العلاج الموجَّه للميكروب
الذى تسلل إلى دمه، بل زادته عبر ثقوب أخذ الخزعة من تلك الغدة، التى جددوا إدماءها بضغط مجس السونار، بعد إضاعة، بل سرقة، ساعة إنقاذه الذهبية!
وما أغرب أن يمنحنا فرطُ اليأس بالغَ السَكينةِ... أحيانًا!!