لعل الكثير من الأجيال الجديدة لا تعرف لعبة السلم والثعبان. قبل انتشار ألعاب الفيديو التي تتمحور غالبًا حول مشاهد الحروب وكيفية التغلب بوسائل الدمار المختلفة على الأعداء، وذلك مسايرة لما يحدث من معارك حربية بين بعض الدول، ومعارك اقتصادية بين معظم الدول، وخاصة الغنية ضد الضعيفة والنامية والمتقدمة والتحت متقدمة. ومع كمية الأموال التي من الصعب حساب عدد أصفار ملياراتها أو تريليوناتها والمخصصة لصناعة الأسلحة بمختلف أنواعها، والتي يرجع غالبًا عائدها إلى كبار شركات صناعة الأسلحة، التي معظم مصادر تمويلها تعتمد على الضرائب التي يدفعها أفراد الشعوب تحت وهم حمايتهم من العدو القريب أو البعيد، أو أيضًا من المهاجرين بمختلف أنواعهم.
هكذا كان هناك فيما يسمى الآن بالماضي القريب، لعبة يتمتع بها الصغار وأحيانًا أيضًا الكبار، وهي لعبة السلم والثعبان المشهورة. كان السلم يصعد باللاعب إلى أعلى والثعبان يلتهمه إلى أسفل، وكل ذلك على رقعة مربعة كرقعة الشطرنج مقسمة إلى عشرة مربعات أفقية وأخرى رأسية مرقمة من 1 إلى 100، وعبر هذه المساحة التي تمثل حظ اللاعب، إذ بالنرد يمكن أن يصعد ويفوز إن وصل إلى المربع رقم 100 وذلك بعد الصعود على السلم وتجنب الهبوط إن ابتلعه الثعبان.
وكما في عالم السياسة والشركات الكبرى حيث يلتهم الكثير من القادة والرؤساء والملوك الشعوب للسيطرة على مواردهم، هكذا يلتهم الثعبان فريسته بفتح فمه القادر على ابتلاع ضحيته مهما تفوق حجمها عنه، بسم أو بدون سم، بمهارة وحذق ودهاء ليتحول فيما بعد رمز الثعبان إلى التناقض الذي ابتكره الإنسان ليعبر عن الخير والشر، عن العلاقة المبهمة التي حيرت الإنسان بين الحياة والموت، بين الأكل والمأكول.
ويقول بعض علماء التطور إن ربط الإنسان بين دهاء الثعبان وعلاقته بالموت في تاريخ الديانات والأساطير، يرجع إلى أن الثعبان كان الحيوان الوحيد القادر على تسلق الأشجار والقضاء على أسلاف الإنسان العاقل المنحدرة بشكل مباشر أو غير مباشر من القرود كالشمبانزي والغوريلا منذ حوالى ستة ملايين عام.
وتعد رمزية وقدسية الثعبان أو الأفعى من أكثر الرموز سحرًا من بين جميع الرموز التي أخذت معانيها من مراقبة الإنسان للطبيعة، فقدرتها على تجديد جلدها تبدو بالنسبة للناظر إليها وكأنها والدة جديدة، لذا صارت رمزًا للانبعاث والخلود. وأيضًا كرمز للقوة بسبب حركاتها الملتوية التي تمكنها من أن تلتف على غريمها لتخنقه، وبسبب سمها وشرها فهي ترمز أيضًا إلى الجانب الشرير من الطبيعة.
فقدرتها على القتل "لدغًا أو عصرًا"، وعلى الشفاء معًا، جعلتها عبر التاريخ رمزًا للقوى الإيجابية والسلبية التي تحكم العالم. لذا فإن صورة الأفعى تستحضر على نحو سحري كل من الحياة والموت بالإضافة إلى قوى الانبعاث والخصب.
وتشغل الأفعى مساحة لا يمكن تجاهلها في خيال البشرية، ولا ينطبق هذا الحكم على الإنسان القديم فحسب. فما تزال الأفعى تثير اهتمام الإنسان المعاصر، والمتتبع للعلاقة بين الإنسان والأفعى منذ بدء الخليقة يلاحظ أنها علاقة ديناميكية نشطة لم تثبت على حال واحدة. ذلك أن تاريخ البشرية قد شهد تقلبات وتغيرات في هذه العلاقة ورموزها من عصر إلى عصر، ومن تصور حضاري لآخر، وقد تأرجحت هذه العلاقة بين معاني الخير والشر والتقديس والتحريم في رمزية الأفعى في الأسطورة والحكايات التاريخية الدينية عمومًا؛ حيث إنها هي التي سرقت نبتة الحياة من جلجامش بعد صراع مرير في بحثه عن الخلود، وكذلك هي التي أوحت لحواء بالأكل من شجرة الحياة ليتم طردهما من الجنة في الحكاية المسيحية.
لذا كانت الأفعى دائمًا وما زالت رمزًا لسرقة الحياة الأبدية الخالدة من الإنسان، وذلك دون حسرة أو تأنيب ضمير، فالثعبان الكبير يعرف تمامًا كيف يلتهم الصغار، وأيضًا قدرته على نسيان حسن الصنيع، كما في الحكايات عن العقربة أو الحية والضفدع. تتوسل في الحكاية عقربة إلى ضفدع أن يحملها على ظهره، لينقلها من شاطئ إلى آخر، وفي منتصف النهر، تلدغه العقربة، فسألها مذهولًا: "لماذا فعلت هذا؟" فأجابته العقربة: "لأنني عقربة، ولا أستطيع أن أغير من طباعي وسلوكي، وممارسة اللدغ هي وظيفتي التي لا أجيد غيرها". وهكذا يموت الاثنان أو الضفدع وحده.
وهناك أغنية رائعة عن هذا الموضوع للموسيقى والمغني والشاعر الأمريكي أوسكار براون جونيور (Oscar Brown Jr, 1926-2005)، كلماتها من ترجمتي إلى اللغة المصرية العامية:
ست حنينة وهي رايحة الشغل وماشية على حافة بحيرة، شافت تعبان غلبان متغطى بالندى المتجمد، قالت: "يمكن بردان".
"خدني خدني يا ست يا حنينة ودفينى ربنا يخليكى، ربنا يفتح عليكى"، همس التعبان.
"يا نهاري"، اتنهدت الست وقالت: "أيوه تعالى تعالى، حاخدك وأخلى بالى منك".
ساعتها أخذته الست ولفته في بطانية حرير وحطته جنب الدفاية وجنبه شوية عسل وشوية لبن. بالليل أول ما رجعت من الشغل شافت التعبان الحلو رجعت له الروح.
"خدني خدني يا ست يا حنينة ربنا يخليكى، ربنا يفتح عليكى"، همس التعبان.
ساعتها أخدته الست في صدرها: "قد إيه إنت حلو"، اتنهدت، "ولو لا إني جبتك معايا كان زمانك مت خالص".
هدهدته الست ولمست على جلده الحلو وقفته وباستها. لكن بدل ما يشكرها، عضها التعبان العضة المميتة.
"آه. آه. أنا أنقذتك"، صرخت الست، "ودلوقتي عضتني، قوللي ليه؟ وإنت عارف إن عضتك مسمومة وأنا دلوقتي حاموت".
"هس يا ست يا عبيطة"، رد عليها التعبان بابتسامة، "إنتي عارفة من الأول إني تعبان من قبل ما تخديني".
"خدني يا ست يا حنينة، خدني خدني".
"تعالى يا تعبان يا حلو، تعالى تعالى".
هذه هي أغنية الثعبان، والمثل الشعبي يقول:
"الحية تلهيك واللي فيها تجيبه فيك"