• السوق المصرية الأكبر جذبا فى المنطقة لفوائض الصلب وتحذير من مخاطر تهدد الصناعة
قال خبراء ومحللون فى قطاع الصناعة إن استمرار الطلب القوى على مواد البناء فى مصر، مدفوعًا بالمشروعات العمرانية والبنية التحتية والتوسع فى المدن الجديدة، أدى إلى تحويل السوق المحلية، وهو أكبر سوق فى المنطقة العربية إلى أحد أكثر الأسواق جذبًا لصادرات الصلب العالمية.
وأوضحوا أنه فى وقت يعانى فيه العالم من طاقات إنتاجية فائضة ضخمة تتجاوز الطلب الفعلى بمئات الملايين من الأطنان، تبحث الدول المنتجة عن أسواق قادرة على استيعاب هذه الفوائض، وهو ما يجعل السوق المصرية هدفًا طبيعيًا فى ظل حجم الطلب المرتفع واستمرار وتيرة البناء.
وأضافوا أن التوسع العمرانى فى مصر أصبح عامل جذب رئيسيًا لواردات الصلب منخفضة السعر، ما يضع الصناعة المحلية أمام تحدٍ متزايد للحفاظ على قدرتها الإنتاجية فى ظل منافسة لا تعكس دائمًا فروق الكفاءة بقدر ما تعكس اختلالات هيكلية فى السوق العالمية، لتتحول معادلة النمو العمرانى من فرصة للصناعة الوطنية إلى اختبار حقيقى لقدرتها على الاستمرار.
ضغوط عالمية على السوق المحلية
وأشار محللون إلى أن سوق الصلب فى مصر لا يعمل بمعزل عن التحولات الكبرى فى الصناعة العالمية، إذ يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تفاقم أزمة الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا. وأكدوا أن هذه الأزمة لم تعد مرتبطة بدورات اقتصادية مؤقتة، بل تحولت إلى خلل هيكلى دائم يدفع المنتجين الكبار إلى البحث عن أسواق مفتوحة لتصريف فوائض الإنتاج.
وأوضحوا أنه مع ارتفاع الطلب المحلى واستمرار المشروعات العمرانية والبنية التحتية، أصبح السوق المصرية هدفًا طبيعيًا لهذه الفوائض، ما يضع الصناعة الوطنية أمام تحدٍ حقيقى للحفاظ على قدرتها الإنتاجية فى بيئة تنافسية غير متكافئة. وشددوا على أنه فى مثل هذا العالم، لا تصبح مساندة الصناعة الوطنية خيارًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية دفاعية، خاصة فى قطاع استراتيجى مثل صناعة الصلب يرتبط بالاستثمار والتشغيل والتصدير واستقرار سوق مواد البناء.
ما الطاقة الإنتاجية الفائضة؟
أكد متخصصون أن صناعة الصلب العالمية لا تعمل اليوم فى بيئة طبيعية، مشيرين إلى أن السوق العالمى يعانى منذ سنوات من طاقة إنتاجية فائضة ضخمة تفوق الطلب الحقيقى بمئات الملايين من الأطنان. ولفتوا إلى أن هذه الفجوة لم تعد مسألة دورات اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى خلل هيكلى دائم يعيد تشكيل قواعد المنافسة ويضع الصناعات الوطنية فى الدول النامية أمام اختبار قاسٍ.
وأوضحوا أن الطاقة الإنتاجية الفائضة تعنى أن العالم ينتج - أو قادر على إنتاج - صلبًا أكثر مما يستهلك، لكن خطورة الظاهرة لا تكمن فى الرقم فقط، بل فى السلوك الذى تولده. فعندما تمتلك دول أو شركات طاقات ضخمة لا تجد طلبًا كافيًا، فإنها لا تغلق المصانع بسهولة نظرًا للتكلفة السياسية والاجتماعية وكثافة العمالة وضخامة الاستثمارات، بل تتجه إلى التصدير بأى ثمن.
وأشاروا إلى أن طرح الصلب فى الأسواق الخارجية بأسعار تقل عن التكلفة الحقيقية أو مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر للحفاظ على دوران المصانع وتخفيف الضغط الداخلى، لا يمثل منافسة طبيعية بل تصديرًا للأزمة.
الإغراق كآلية مستمرة
وقال محللون إن الإغراق لم يعد استثناءً أو مخالفة فردية، بل أصبح جزءًا من آلية عمل السوق العالمى فى ظل الفائض المزمن. فالدول ذات الطاقات العملاقة تبحث باستمرار عن أسواق مفتوحة ذات طلب مرتفع وحماية ضعيفة لتصريف فوائضها.
وأضافوا أن الدول النامية ذات الأسواق الكبيرة والنمو العمرانى السريع تكون الهدف الطبيعى، ما يحول هذه الأسواق من فرصة تنموية إلى صمام أمان لاقتصادات أخرى، ويجعل المنتج المحلى ضحية لاختلال عالمى وليس طرفًا فى منافسة عادلة.
منافسة غير متكافئة
وأوضح خبراء أن الصناعة الوطنية، خصوصًا المتكاملة، تعمل بتكلفة حقيقية تعكس أسعار الطاقة المحلية وتكلفة العمالة والالتزامات البيئية وتكاليف التمويل والاستثمار طويل الأجل. وفى المقابل، يدخل الصلب المغرق محملًا بدعم غير مرئى مثل دعم الطاقة أو الائتمان أو العملة أو حتى دعم سياسى ضمنى.
وأشاروا إلى أن الفارق السعرى لا يعكس كفاءة أعلى بقدر ما يعكس اختلالًا فى القواعد، ما يؤدى إلى تراجع قدرة المنتج المحلى على المنافسة رغم كفاءته، لأنه يعمل فى سوق غير متكافئة.
سيناريو يهدد الصناعة
حذر محللون من أن ترك الصناعة الوطنية تواجه هذا الطوفان دون مساندة لا يؤدى إلى “تنقية السوق”، بل يقود إلى نتائج معروفة تبدأ بتراجع الإنتاج المحلى وإلغاء أو تأجيل الاستثمارات وفقدان وظائف صناعية عالية القيمة، وقد تنتهى بإغلاق تدريجى للمصانع المتكاملة.
وأوضحوا أن المفارقة تظهر بعد خروج المنتج المحلى، إذ ترتفع الأسعار ويختفى العرض الرخيص وتصبح السوق رهينة للمورد الخارجى، دون وجود صناعة وطنية قادرة على استعادة التوازن.
تجارب دولية
وأشار خبراء إلى أن معظم الدول الصناعية الكبرى تحمى صناعاتها عندما تتعرض للضغط، إذ فرضت الولايات المتحدة رسومًا وإجراءات واسعة، ويستخدم الاتحاد الأوروبى أدوات دفاع تجارى متعددة، كما لجأت دول مثل الهند وتركيا وروسيا إلى سياسات حماية مماثلة.
وأكدوا أن هذه الإجراءات لم تُعتبر تخلفًا اقتصاديًا بل دفاعًا مشروعًا عن القدرات الإنتاجية، متسائلين: لماذا يُطلب من الدول النامية ما لا يُطلب من غيرها؟
مصر فى قلب المعادلة
وقال محللون إن السوق المصرية يعد من أكثر الأسواق جذبًا لصادرات الصلب العالمية، فى ظل ارتفاع الطلب المحلى واستمرار المشروعات القومية وموقعه الجغرافى الذى يسهل عمليات الاستيراد.
وأضافوا أنه فى غياب سياسات مساندة واضحة، يتحول السوق المحلى إلى ساحة لتصريف الفوائض العالمية، حيث تتدفق الواردات وتنخفض الأسعار مؤقتًا، بينما يتعرض المنتج المحلى لضغوط قد تدفعه إلى حافة الخروج، وهو سيناريو تكرر فى دول عديدة وانتهى بفقدان القدرة الإنتاجية ثم فقدان السيطرة على السوق.
مساندة الصناعة
أكد خبراء أن مساندة الصناعة الوطنية لا تعنى دعمًا دائمًا أو حماية غير مشروطة، بل مواجهة الممارسات غير العادلة ومنح الصناعة فرصة للعمل فى بيئة متكافئة، مع حماية الاستثمارات القائمة من التدمير السريع، وذلك فى إطار قوانين منظمة التجارة العالمية.
وأوضحوا أن الدعم الذكى يكون مؤقتًا ومشروطًا ومرتبطًا بتحسين الكفاءة، لكنه يظل ضروريًا فى مواجهة خلل عالمى دائم.
خسائر تتجاوز السعر
وشدد محللون على أن خسارة صناعة الصلب المتكاملة لا تعنى فقدان منتج فقط، بل خسارة قاعدة صناعية استراتيجية وآلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة وخبرة تراكمية وقدرة مستقبلية على التصدير وأداة توازن مهمة فى السوق المحلية.
وأكدوا أن التركيز على السعر وحده يمثل تبسيطًا مخلًا، إذ قد يستفيد المستهلك على المدى القصير، لكن الاقتصاد يتحمل التكلفة لاحقًا فى صورة عجز تجارى أكبر وضغوط على العملة وبطالة صناعية وتراجع فى الاستثمار.
واختتموا بالتأكيد على أنه فى عالم يعانى من طاقة إنتاجية فائضة مزمنة فى صناعة الصلب، لا يمكن ترك الصناعة الوطنية بلا مساندة بدعوى الحياد، لأن الحياد فى هذه الحالة يعنى التخلى عن القدرة الإنتاجية