أثر الغياب.. مبادرة فلسطينية تعيد تعريف الفن تحت الإبادة

نشر في: الأربعاء 28 يناير 2026 - 9:53 ص

أطلق مجموعة من الفنانين الفلسطينيين، مبادرة فنية بعنوان " أثر الغياب: ما الذي تبقّى، وكيف نحمله؟»، تنبثق من داخل التجربة المعيشة في قطاع غزة، في ظل الإبادة المستمرة والحصار والنزوح القسري.

يُنفَّذ المشروع بإشراف الفنانة والباحثة الفلسطينية هالة الناجي، وبالتعاون مع مجموعة أثر الفراشة في قطاع غزة، ويشارك فيه أربعة عشر فنانًا فلسطينيًا يقيمون داخل القطاع ويعملون من مواقع مختلفة، في ظروف بالغة الخطورة وانعدام الاستقرار.

ولا يأتي «أثر الغياب» كاستجابة فنية طارئة للحرب، بل كمحصّلة لمسار طويل من الشعور بالفقد والحنين، ومحاولة لممارسة العمل الفني من داخل حالة حداد جماعية.

ووفق القائمين على المبادرة، يعيش الفلسطينيون في غزة حالة بحث يومي مفتوحة عن سبل البقاء، وهو ما انعكس مباشرة على طبيعة الأعمال المشاركة، التي نشأت في سياق النجاة لا في سياق الإنتاج التقليدي.

ويعتمد المشروع مفهوم الغياب إطارًا نظريًا بدلًا من مفردات مثل الفقد أو الدمار، باعتباره مفهومًا لا يُغلق المعنى ولا يحيل التجربة إلى زمن منتهٍ. فالغياب، وفق رؤية المشروع، يشير إلى انقطاع معلّق يحتفظ بالأثر وبإمكانية الاستدعاء، ولا يُفهم كنقيض للحضور، بل كشرط من شروط إدراكه.

ولا يتعامل "أثر الغياب" مع النزوح بوصفه موضوعًا للعرض، بل موقعًا لإنتاج المعرفة.

وتظهر هذه المقاربة في طبيعة المواد المعروضة، التي لا تقدّم أعمالًا مكتملة أو مصقولة، بل شذرات بصرية وصوتية، ونصوصًا وصورًا ومواد أولية وُلدت في لحظات خوف وانقطاع. هذه الخيارات ليست جمالية بحتة، بل نتاج مباشر لشروط العيش القاسية، حيث تصبح المادة نفسها شاهدًا على التجربة.

ويرتكز المشروع على فكرة الأرشيف المفتوح بوصفها خيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا، في ظل واقع لا يسمح بالاكتفاء بمفهوم العمل المنجز. فالإصرار على الاكتمال في سياق الحرب، قد يتحوّل إلى شكل من أشكال العنف الرمزي. لذلك، أُعيد تعريف القيمة الفنية لتكمن في الأثر لا في النتيجة، وفي الصدق لا في الكمال.

ويُقدَّم «أثر الغياب» عبر منصّة عرض افتراضية متعددة الأقسام، منظّمة حول خمسة محاور أرشيفية مترابطة،

ولم يكن اختيار الفضاء الافتراضي حلًا تقنيًا فحسب، بل قرارًا مفاهيميًا يضمن وصولًا أوسع، ويُبقي الأرشيف مفتوحًا وقابلًا للعودة والبناء عليه.

في ظل الإبادة المستمرة، لا يدّعي المشروع أن للفن قدرة على إيقاف الحرب أو إنقاذ الأرواح، لكنه يطرحه بوصفه ممارسة تراكمية للبقاء، وفعلًا ثقافيًا يسهم في حفظ الذاكرة الجماعية ومقاومة المحو. ويؤكد القائمون على «أثر الغياب» أن المشروع موجّه بالدرجة الأولى إلى الفلسطيني بوصفه صاحب التجربة، وإلى العالم بوصفه مطالبًا بالإنصات والمسؤولية، كما يُترك للأجيال القادمة كأرشيف مفتوح لا كوثيقة مكتملة.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة