في كتابه "الأسرى والرفاق" - والذي ترشح للقائمة القصيرة لجائزة بيلي جيفورد للأعمال غير الروائية لعام 2025 - قدم الصحفي البريطاني جاستن ماروتزي قراءة معمقة لتاريخ الرق في الشرق الأوسط، مستعرضًا قصص العبيد ونساء الحريم والعمالة الجبرية الذين ساهموا في دعم الإمبراطوريات في آسيا وشمال إفريقيا.
وبدأ اهتمام "ماروتزي" بالموضوع أثناء تغطيته للانتفاضة الليبية عام 2011، حين شهد موقفًا أصابه بالحيرة؛ حيث أنه أثناء اجتماعه مع مجموعة من المتمردين في طرابلس، وجه أحدهم كلامه إلى زميله أسمر البشرة قائلاً: "يا عبد! اذهب وأحضِر لي قهوة!"، فيما بدا على بقية المتمردين أنهم مستمتعون بالموقف، بينما كان واضحًا أن زميلهم لم يكن كذلك.
ما أثار استغراب "ماروتزي" لم يكن مجرد ممارسة الرق الفعلية، بل استمرار استخدام كلمة "عبد" في الحياة اليومية خارج سياقها التاريخي الأصلي، مما دفعه للتساؤل عن العلاقة بين هذه العادات ولإرث الرق الذي دام ألف عام في المنطقة.
وتناول "ماروتزي" في كتابه الجديد - الصادر عن دار نشر بنجوين - أنواع العبيد المختلفة، من العبيد المملوكين والجواري ونساء الحريم إلى المرتزقة والعمال غير المدفوعي الأجر، وأبرز كيف اختلفت تجربة الرق في الشرق الأوسط عن الرق المألوف في الغرب؛ فقبل القرن التاسع عشر، كان الرق مؤسسة شبه عالمية، إلا أنه اتخذ أشكالًا متعددة جدًا تجعل مصطلح "عبيد" غير كافٍ لوصفه.
وبدأ "ماروتزي" سرد الأحداث منذ عام 632، بقصة "امرأة حرة الروح" في الخلافة الأولى التي أخذت عبدًا إلى فراشها باعتبارها من حقوقها، ووصل السرد إلى العصر الحديث حين التقي رجلًا يعمل بلا أجر لصالح سيده في مالي، نقلًا عن صحيفة النيويورك تايمز.
وأشار "ماروتزي" إلى نطاق اهتمامه بالعالم الإسلامي، مشيرًا إلى أن المجتمع القديم آنذاك كان يحاول تبرير وجود الرق بالنصوص الدينية مستغلًا أن طبيعة العصر آنذاك كانت قائمة على وجود السادة والعبيد، وأن نبي الإسلام محمد، مثله مثل النبي إبراهيم، كان يملك العبيد، ومع ذلك، اعترف المؤلف بأن القواعد القرآنية في الإسلام لم يتبعها معظم الناس، خصوصًا تلك التي نصّت على حقوق العبيد، والتي كانت من أكثر النصوص تقدمية بين الديانات الإبراهيمية في حقوق العبيد والرأفة بهم.
ولم تقتصر الطاعة الانتقائية للنصوص على العبيد المسلمين فقط، فكما أشار مؤرخون بريطانيون مخضرمون مثل جون صامويل هارفام وجيمس ماكدوجال، اعتمدت النخب الأوروبية والشرقية على نصوص دينية وأحكام قديمة لتبرير مواقفها من الرق، مستشهدين بقوانين الرومان وأفكار أرسطو التي اعتبرت بعض الناس عبيدًا "بالطبيعة".
ورغم أن الكتاب يحمل طابعًا تاريخيًا، فإن أمتع أجزاءه هي تلك التي نسج فيها "ماروتزي" سردًا قصصيًا بأسلوب يشبه الضابط والمستشرق البريطاني الشهير ، ت. إ. لورنس، (والمعروف بلورانس العرب) مسلطًا الضوء على حياة الشخصيات مثل عنترة بن شداد، الذي تحول من عبد عربي أفريقي إلى فارس محارب وشاعر رومانسية، أو بشير آغا، الذي أصبح، بعد أن أُخذ كطفل من الحبشة وأُجبر على العمل خصيًا في البلاط التركي، أحد أقوى رجال الإمبراطورية العثمانية.
ومع ذلك، كانت مثل هذه القصص استثناء، إذ عاش معظم العبيد في قيود دائمة وعانوا معاملة قاسية على يد مالكيهم، ولذا تطرق "ماروتزي" أيضًا إلى دور العنصرية في ممارسة الرق، مشيرًا إلى أن التحيز العرقي في الشرق الأوسط ربما سبق العنصرية الأوروبية الحديثة بعدة قرون، مستشهدًا بفلاسفة مثل نصير الدين الطوسي وابن خلدون، ولكنه أشار إلى أن النصوص المحدودة لا يمكنها بالضرورة أن تعكس مواقف الملايين من الناس عبر مساحات شاسعة.
كما بدا المؤلف عبر الكتاب متأثرًا ببعض الأساطير القوية من العصر الفيكتوري، مثل فكرة أن تجارة الرقيق العثمانية انهارت تحت ضغط أوروبي فقط، متجاهلًا العوامل الداخلية كالإصلاحات العثمانية والتشريعات المحلية والتغيرات الزراعية.
وأشار "ماروتزي" إلى تأثير المؤرخ المتخصص في التاريخ الإسلامي، برنارد لويس، على توجهاته، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة العرب بالأفارقة أو ذوي البشرة السمراء، لكنه قدم كتابه بشكل أكثر تشويقًا وأقل جدلية، مما يجعل قراءته ممتعة ويعطي نظرة موسعة على تاريخ الرق مقارنة بالرق الأطلسي.
وفي النهاية، فإن الكتاب الجديد غني بالسرد والتفاصيل، حيث قدم مراجعة حية لتاريخ الرق في العالم الإسلامي، مع التشديد على ضرورة الحذر عند التعامل مع الموروث التاريخي وإدراك السياقات المختلفة بعيدًا عن الأحكام المسبقة.