x قد يعجبك أيضا

«درية شفيق امرأة مختلفة».. سيرة سيدة اختارت المواجهة ونافذة على تاريخ الحركة النسائية المصرية

نشر في: الأربعاء 28 يناير 2026 - 3:54 ص
مي فهمي

درية شفيق ليس مجرد اسم عابر لسيدة في تاريخ الحركة النسائية المصرية، بل هي تمثل حالة فريدة لامرأة قررت أن تعيش حياتها كاملة، وأن تخوض صراعها مع المجتمع والدولة والفكر السائد دون مساومة.

هذا ما تكشفه الكاتبة الأمريكية سينثيا نلسون في كتابها "درية شفيق: امرأة مختلفة"، الصادر عن دار الشروق، حيث تقدم سيرة إنسانية وسياسية معقدة، لا تجمل الواقع ولا تقدم بطلة أسطورية، بل امرأة من لحم ودم، دفعت ثمن اختياراتها حتى النهاية.

الكتاب لا يقرأ بوصفه سيرة ذاتية تقليدية، بل كعمل تاريخي يرصد التحولات الكبرى في المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين، من خلال حياة امرأة ولدت في زمن التحولات، وقررت أن تكون جزءًا فاعلًا فيها.

تكتب نلسون عن درية شفيق باعتبارها ابنة عصرها، لكنها في الوقت نفسه كانت سابقة له، ومتقدمة بخطوات على مجتمع لم يكن مستعدًا بعد لقبول أفكارها.

تنطلق السيرة من نشأة درية شفيق في أسرة من الطبقة المتوسطة، وتنقل الكاتبة كيف شكل التعليم المبكر في مدن الأقاليم مثل طنطا والمنصورة وعيها الأول، ثم كيف مثل التعليم بوابة لاكتشاف بدائل الحياة التقليدية التي كانت تُفرض على النساء، وبعد ثورة 1919، ومع اتساع فرص التعليم، بدأت تتبلور لدى درية فكرة أن المعرفة ليست ترفًا، بل أداة تحرر، وأن الطريق إلى الاستقلال الشخصي يمر عبر العقل قبل أي شيء آخر.

تولي نلسون اهتمامًا خاصًا بمرحلة دراسة درية في فرنسا، حيث حصلت على الدكتوراه من جامعة السوربون، وتعرضت هناك لتجربة ثقافية وإنسانية غنية، ولم يكن السفر إلى أوروبا مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال فكري، اكتشفت فيه درية معنى أن تكون المرأة فاعلة في المجال العام، وأن يكون لها صوت مسموع، هذه التجربة شكلت وعيها النسوي، لكنها لم تدفعها إلى القطيعة مع ثقافتها، بل إلى إعادة قراءتها.

واحدة من أهم نقاط القوة في الكتاب هي تقديم صورة درية شفيق كامرأة مسلمة تنادي بالتحديث دون أن تتنكر لدينها، إذ توضح نلسون أن درية لم تكن في صراع مع الإسلام، بل كانت مشكلتها مع التأويلات الذكورية التي استخدمت الدين لتبرير إقصاء النساء، وقد أسهمت كتاباتها وخطابها العام في فتح نقاش نسائي جريء حول حقوق المرأة في الإسلام، مؤكدة أن المساواة السياسية والاجتماعية لا تتعارض مع الإيمان، بل تنبع من جوهره.

عند عودتها إلى مصر، اقتحمت درية المجال العام بقوة، ليس فقط من خلال الكتابة، بل عبر التنظيم والعمل المؤسسي، أسست مجلات نسائية، ثم مؤسسة "بنت النيل"، التي لم تكن مجرد كيان اجتماعي، بل مشروعًا سياسيًا واضح الملامح، يطالب بحقوق المرأة كاملة، وفي مقدمتها حق الانتخاب والترشح، وتبرز نلسون كيف مثلت هذه المرحلة ذروة حضور درية في الحياة العامة، حيث تحولت من مثقفة وكاتبة إلى قائدة جماهيرية.

لكن الكتاب لا يحتفي فقط بالنجاحات، بل يتوقف طويلًا عند الصدام مع السلطة بعد ثورة يوليو 1952.

احتجاج حرية شفيق على إقصاء النساء من الحياة السياسية، وإضرابها عن الطعام، شكّلا لحظة فارقة انتهت بفرض الإقامة الجبرية عليها عام 1957، واستبعادها الكامل من المجال العام، وترصد نلسون هذه المرحلة بقدر كبير من الحساسية، وتبتعد عن التبسيط أو الإدانة المباشرة، لا تقدم درية بوصفها ضحية فقط، بل كإنسانة دخلت مواجهة خسرت بسببها حريتها الشخصية، لكنها لم تتخل عن قناعاتها.

جاءت العزلة القسرية، ومنع الكتابة والنشر، ضربة قاسية لامرأة عاشت حياتها في الضوء.
.
في الصفحات الأخيرة، يتحول الكتاب إلى تأمل عميق في ثمن النضال، الاكتئاب الذي أصاب درية، ومحاولتها استعادة صوتها عبر كتابة مذكراتها، ثم نهايتها المأساوية عام 1975، لا تقدم بوصفها هزيمة شخصية فقط، بل كنتيجة لمسار طويل من الصراع مع دوائر اجتماعية وسياسية مغلقة.

كتاب "درية شفيق: امرأة مختلفة" ليس كتابًا عن الماضي فقط، بل عن الحاضر أيضًا، فالكثير من القضايا التي خاضتها درية مثل المساواة السياسية، وتمثيل النساء، والعلاقة بين الدين والحقوق لا تزال مطروحة حتى اليوم.

في النهاية، يقدم هذا العمل عرضًا إنسانيًا صادقًا لسيرة امرأة اختارت أن تعيش بشروطها، ودفعَت ثمن ذلك غاليًا،
وتتجلى أهمية كتاب "درية شفيق: امرأة مختلفة" في كونه يعيد الاعتبار لشخصية نسائية غابت طويلًا عن الذاكرة ، فهو لا يوثق فقط لسيرة امرأة استثنائية، بل يفتح نافذة على تاريخ الحركة النسائية المصرية، والصراع حول قضايا المرأة، التي لا تزال حاضرة حتى اليوم.

في هذا العمل، تنجح سينثيا نلسون في تقديم صورة مركبة لدرية شفيق، بوصفها امرأة عاشت بين الحلم والواقع، بين الطموح والانكسار، وبين النضال والعزلة، كما أنه شهادة حية على ميلاد وعي نسائي جديد في مصر.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة