قد يعجبك أيضا

ما الذي يدفع البعض إلى إلحاق الأذى بآخرين دون مبرر؟

نشر في: الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 - 5:48 ص
بي بي سي

قد يبدو إلحاقك الأذى أو الألم بشخص آخر مسالم لا يستطيع أن يرد لك الصاع صاعين، قسوة لا تطاق، لكن اللافت أن ذلك الأمر يحدث بشكل يفوق ما يمكن أن تتصور.
لماذا يتعامل البعض بقسوة مع الآخرين ممن لا يشكلون تهديدا لهم، بما يشمل في بعض الأحيان أطفالهم هم أنفسهم؟ وما هو مصدر هذا السلوك، ولأي غرض يُمارس؟.
في عام 1658، خَلُصَ الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال إلى أن البشر هم "مجد هذا الكون وغثاؤه وحثالته كذلك". فنحن نحب ونكره، ونساعد الآخرين ونلحق بهم الضرر. نمد لهم اليد بالسلام، ونطعنهم بالسكاكين.
ورغم أننا نتفهم، أن نجد شخصا ما وقد استشاط غضبا، أو تصرف بشكل مندفع وعدائي، دفاعا عن نفسه أو انتقاما من شخص آخر، فإن الأمر يختلف إذا رأيناه يؤذي الآخرين دون مبرر، إذ قد نسأله وقتها باستنكار: "كيف جرؤت على ذلك؟".

على أي حال، يُقْدِم البشر على هذا التصرف أو ذاك، إما لجلب المتعة لأنفسهم أو لتجنب الشعور بالألم. ومن المعروف، أن إيذاءنا للآخرين، يدفع معظمنا للشعور بالألم، وهو إحساس لا يروق لنا. ويوحي ذلك، بأن هناك سببين، قد يدفعان البشر، لإيذاء من لم يلحقوا بهم ضررا؛ إما أنهم لا يشعرون بآلام الآخرين، أو كونهم يستمتعون بذلك!.

ثمة سبب ثالث، قد يقف وراء إيذائنا لأشخاص لم يبادروا بالإضرار بنا، وهو أننا نعتبرهم - رغم مظهرهم المسالم - تهديدا يُحدق بنا.
فبوسع شخص ما، تشكيل خطر على مكانتك الاجتماعية، حتى إذا كان لا يهددك جسديا أو ماليا. وقد يساعد ذلك على تفسير أسباب تصرفات، قد تبدو محيرة للوهلة الأولى، كأن نرى شخصا يضر بآخرين يساعدونه ماديا مثلا.
وبينما تفترض المجتمعات الليبرالية أن تسببك في المعاناة لشخص ما، يعني إلحاقك به الضرر، لا يتفق بعض الفلاسفة مع هذه الفكرة. وبعيدا عن ذلك الجدل، يبقى السؤال قائما: هل بمقدورنا ونحن في القرن الحادي والعشرين؛ أن نواصل تصنيف البشر على أنهم قساة لا طيبون أم لا؟
الساديون والمضطربون نفسيا
يمكننا تعريف الشخص السادي، بأنه من يستمتع بإيذاء الآخرين أو إذلالهم، ويشعر - أكثر من أي شخص آخر - بما يحسون به من آلام جراء ذلك.
ومع أنه يُربط في الخيال الشعبي بين من يتصفون بالسادية ومن يمارسون التعذيب ويرتكبون جرائم القتل، فإن هناك نمطا أقل تطرفا من السادية، يشيع على نحو أكبر، ويُطلق عليه اسم "السادية التي تُمارس بشكل يومي".

ويستمتع من يمارسون "السادية بشكل يومي" بإيذاء الآخرين، أو مشاهدتهم وهم يعانون. ومن هذا المنطلق، من المرجح أن يشعر هؤلاء بالمتعة لمشاهدة الأفلام الدموية، وأن يجدوا المعارك والمشاجرات مثيرة، وأن يعتبروا التعذيب ممتعا.
ورغم ندرة عدد أولئك الأشخاص، فإنهم ليسوا قليلي العدد بما يكفي، فقرابة ستة في المئة من الطلاب الجامعيين، يقرون باستمتاعهم بإيذاء الآخرين.
وقد تجد من يمارسون هذه "السادية اليومية"، في صورة المتصيدين عبر شبكة الإنترنت، أو المتنمرين بزملائهم في المدرسة. أما في الألعاب التي تُمارس على شبكة الإنترنت، ويتقمص المشاركون فيها أدوارا معينة، فستجد أن هؤلاء الأشخاص يصبحون على الأغلب، هم من يتحرشون عمدا باللاعبين الآخرين، ويسعون إلى استفزازهم لإفساد متعتهم. كما ينجذب أولئك الأشخاص إلى الألعاب الإلكترونية العنيفة، ويصبحون ساديين بشكل أكبر كلما مارسوها.
أما إذا انتقلنا إلى المضطربين نفسيا، أو من يُعرفون بـ "السايكوباتيين"، فسنجد أنهم لا يؤذون الأشخاص الآخرين المسالمين لمجرد استمتاعهم بذلك، رغم أن ذلك يشكل سببا محتملا، ولكن لأنهم يريدون تحقيق هدف ما، من وراء تصرفات من هذا القبيل.
ويتسنى لهؤلاء "السايكوباتيين" التصرف على هذه الشاكلة، لأنهم أقل عرضة للإحساس بمشاعر مثل الخوف أو الندم أو الشفقة. ومع أن بمقدور أولئك الأشخاص، تحديد مدى الألم الذي يكابده الآخرون بسبب تصرفاتهم، فإن ذلك لا يؤدي إلى تأثرهم بهذه المعاناة بأي شكل من الأشكال، ما يعني أنهم "يتمتعون" بـ "مجموعة خطرة من المهارات".
وعلى مدى القرون الماضية، روضت البشرية نفسها، ما جعل من العسير على الكثير من بنيها إلحاق الضرر والأذى بأقرانهم. فالكثيرون ممن قد يُقْدِمون على إيذاء شخص آخر أو تعذيبه أو قتله، سيظلون فريسة لملاحقة هذه التجربة لهم، في المستقبل. لكن لا شك في أن معاناة شخص ما من الاضطراب النفسي، تشكل مؤشرا قويا، على إمكانية أن يمارس العنف دون مبرر أو استفزاز ضد الآخرين.
وبطبيعة الحال، يحتاج المرء منّا لمعرفة ما إذا كان يتعامل مع شخص من هذه الفئة أم لا. وقد يتسنى لنا تحديد ذلك بقدر عالٍ من الدقة، بمجرد النظر في وجه من نحادثه، أو من خلال التفاعل معه لفترة وجيزة. لسوء حظنا، يدرك "المضطربون نفسيا" أننا قادرون على ذلك، ما يجعلهم يحاولون المقاومة والمراوغة، من خلال السعي بجد، لكي يبدوا بمظهر جيد، وأن يتركوا انطباعا أول إيجابيا عنهم لدينا.
على الجانب الآخر، لا يعاني غالبية الأشخاص - لحسن الحظ - من هذه السمات "السايكوباتية". فنسبة هؤلاء، لا تتعدى 0.5 في المئة. غير أن الأمور تختلف، عندما ننظر في نسبتهم بين نزلاء السجون، إذ تصل إلى نحو ثمانية في المئة من السجناء واثنين في المئة من السجينات.
لكن لا يتسم كل المضطربين نفسيا، بأنهم خطرون. إذ أن من ينفرون منهم من التواصل اجتماعيا مع الآخرين، يسعون للحصول على مشاعر الإثارة التي ينشدونها، عبر تعاطي المخدرات أو الانخراط في أنشطة خطرة.
أما "السايكوباتيون" الذين ينزعون للتصرف بشكل يفيد المحيطين بهم والمجتمع بوجه عام، فيحاولون نيل مشاعر الإثارة هذه، من خلال السعي الجسور وراء الأفكار الجديدة والمبتكرة. ولذا فبمقدور هؤلاء تغيير العالم الذي نعيش فيه جميعا، في ضوء أن الابتكارات هي العامل الذي يُشكِّل مجتمعاتنا حاليا. لكن علينا الإشارة هنا إلى أن التغيير الذي قد يُحْدِثه أولئك الأشخاص، قد يكون إيجابيا أو سلبيا.
من أين تأتي هذه الصفات؟
لا يوجد من يعرف حقا لماذا يصبح البعض منّا ساديين. فهناك من يرى أن السادية، تشكل آلية تكيف، ساعدتنا على ذبح الحيوانات، عندما كنا نعتمد على صيدها والتهام لحومها. بينما يشير آخرون إلى أن هذه الخصال، ساعدت من يتسمون بها، على نيل القوة والسلطة.
وفي يوم ما، قال المفكر والفيلسوف والدبلوماسي الإيطالي الشهير نيكولو مكيا فيلي إن "الاضطرابات والفوضى من صنع الزمن لا البشر". واتساقا مع ذلك، يرى علماء الأعصاب أن السادية، يمكن أن تُشكّل أسلوبا للبقاء على قيد الحياة، تطور بفعل مرور البشر بحقب وعصور، سادتها ظروف قاسية. فعندما تصبح أغذية بعينها شحيحة، يتراجع مستوى ناقل عصبي يحمل اسم "سيروتونين"؛ يوجد في الجهاز العصبي المركزي. ويؤدي ذلك، إلى جعلنا أكثر رغبة في الإضرار بالآخرين وإيذائهم، لأن القيام بذلك يكون في هذه الحالة، ممتعا بشكل أكبر.

في الوقت نفسه، يمكن أن يُشكِّل الاضطراب النفسي أو "السايكوباتية" تكيفا بدوره. وقد ربطت بعض الدراسات إصابة المرء بمستوى مرتفع من هذه الاضطرابات وتمتعه بقدر أكبر من الخصوبة، رغم أن دراسات أخرى أشارت إلى العكس تماما. ويعود السبب في ذلك التصور، إلى أن من يعانون من "السايكوباتية"، يتمتعون بمزايا خاصة على صعيد القدرة الإنجابية، في البيئات ذات الظروف القاسية.
في واقع الأمر، يمكن أن يزيد عدد من يعانون من هذه الاضطرابات، في ظل الأوضاع التنافسية غير المستقرة. فالقدرات التي يتمتع بها هؤلاء، تجعلهم أساتذة في التلاعب والمناورة. ويساعدهم اندفاعهم وجسارتهم، على الإقدام على مجازفات والحصول على مكاسب قصيرة المدى.
ولعل من شاهدوا فيلم "وول ستريت"، يتذكرون كيف نجحت الشخصية السيكوباتية التي كانت تحمل اسم "غوردون غيكو"، في كسب ملايين الدولارات. لكن رغم أن التمتع بهذه الخصال، قد يعطي أصحابها ميزة في عالم المؤسسات والشركات، فإنه لا يوفر للرجال تحديدا، سوى ميزة محدودة على صعيد الحصول على مواقع قيادية.
من جهة أخرى، قد يشكل ارتباط السيكوباتية بالإبداع، بمثابة تفسير لقدرة هذا النوع من الاضطراب النفسي، على البقاء لكل هذه السنوات. ويقول عالم الرياضيات إريك واينشتاين في هذا الصدد، إن الأشخاص المزعجين بوجه عام، هم من يقودون حركة الابداع والابتكار. لكن قيمة ذلك قد تتراجع، إذا كنت تعيش في بيئة تدعم من الأصل التفكير الإبداعي.
كما ترتبط السادية والسيكوباتية بخصال أخرى، مثل النرجسية والمكيافيلية. ويُطلق على هذه الصفات مجتمعة اسم "العامل المظلم في الشخصية"، أو اختصارا بـ "العامل دي".
فضلا عن هذا وذاك، هناك عامل وراثي يرتبط بهذه المسألة، يتراوح دوره ما بين كبير ومتوسط، ما يعني أن البعض قد يُولدون، وهم يحملون صفات من هذا القبيل، دون أن يكون لهم في ذلك، ذنب أو جريرة.
وبعيدا عن هذه المسألة الوراثية، قد ينقل الوالدان، اللذان تحمل شخصية كل منهما، قدرا كبيرا من ذاك "العامل المظلم"، صفاتهما السلبية تلك إلى صغارهما، من خلال التصرف معهم بشكل مسيء لهم. وبالمثل، يمكن أن تؤدي رؤيتنا للآخرين، ممن يتصرفون بطرق يسلكها من يحملون هذا "العامل المظلم" بين جوانحهم، إلى أن نتعلم منهم التصرف على هذه الشاكلة. وهو ما يعني أن لكل منّا، دورا يلعبه في الحد من مستوى القسوة في مجتمعاتنا.
الخوف والحط من مكانة الخصوم
ورغم أن السادية تنطوي على الاستمتاع بإذلال الآخرين وإيلامهم، فإنه غالبا ما يُقال إن اعتبار الآخرين في مرتبة أدنى من مكانة البشر، هو ما يجعلنا نتعامل معهم بقسوة. وفي هذا الإطار، يتم نعت الضحايا المحتملين بأنهم "كلاب" أو "صراصير"، ما يجعل من الأسهل على الآخرين إيذاءهم، كما يقول البعض.
ثمة أمر مرتبط بذلك، يتعلق بما كشفت عنه بعض الدراسات، من أن انتهاك شخص ما لأحد الأعراف والقواعد الاجتماعية، يحدو بأدمغتنا لأن تعامل وجهه على أنه أقل "بشرية" مما هو عليه في الواقع. ومن شأن ذلك، أن يجعل من الأيسر علينا، معاقبة من ينتهكون القواعد السلوكية المتعارف عليها.
ورغم أن من اللطيف أن نشعر بأننا لن نؤذي شخصا ما إذا اعتبرناه إنسانا، فإن ذلك يمثل وهما خطيرا في الوقت نفسه أيضا. فحسبما يقول عالم النفس بول بلوم، قد تستند أسوأ أنواع القسوة إلى "عدم تجريدنا للآخرين من طابعهم الإنساني".
فقد يعمد البعض منّا إلى إيذاء الآخرين، تحديدا لأنهم يعلمون أن أولئك الأشخاص الذين سيتعرضون للأذى، بشر لا يرضون على أنفسهم الإيلام أو الإذلال أو التحقير.

ومن بين أمثلة ذلك، إقدام الحزب النازي في ألمانيا الربع الثاني من القرن العشرين، على الحط من مكانة ملايين اليهود واعتبارهم في مرتبة أدنى من البشر، عبر نعتهم بأنهم هوام وقمل.
لكن رغم ذلك، فقد أهان النازيون اليهود وعذبوهم وأزهقوا أرواحهم كذلك، تحديدا لأنهم رأوا أنهم بشر، سيعانون من التعرض لإهانة ومعاملة مزرية من هذا القبيل.
ازدراء فعل الخير
في بعض الأحيان، قد يلحق الناس الضرر بمن هم مفيدين لهم. وقد كان ذلك موضوعا لدراسة، تم من خلالها إشراك أفراد العينة في لعبة، تتيح لهم الفرصة لوضع أموال في صندوق جماعي؛ بحيث يحصلون جميعا على عائد أكبر كلما وُضِعَ في الصندوق مبالغ أكثر، بغض النظر عما دفعه كل منهم لهذا الغرض، أو ما إذا كان قد دفع نقودا من الأصل، من عدمه.
وبحسب الدراسة، مُنِحَ لكل شخص في نهاية اللعبة، الحق في التنازل عن جانب من أرباحه مقابل معاقبة لاعب آخر، على خلفية المبلغ الذي اختار استثماره في الصندوق. ويتمثل هذا العقاب في خصم جزء من ربح هذا اللاعب الآخر بدوره. ويعني ذلك باختصار، تمكين اللاعب الأول، من أن يكون "شخصا حاقدا".
ورغم أن الدراسة أظهرت أن بعض اللاعبين اختاروا معاقبة أقرانهم، ممن قرروا استثمار مبلغ محدود من المال في الصندوق، أو أحجموا عن تخصيص أي أموال لذلك على الإطلاق، فإنها كشفت أيضا عن أن هناك، من قَبِلَ أن يُخصم جزء من أرباحه، لمعاقبة من استثمروا أموالا أكثر منه. اللافت أن تصرفا من هذا القبيل بدا بلا معنى على الإطلاق. فاللاعبون الأسخياء يُفترض أنهم يمنحون زملاءهم الفرصة، للحصول على عائدات أكبر؛ فلِمَ يسعى الزملاء لثنيهم عن ذلك؟.
تُعرف هذه الظاهرة على أي حال باسم "ازدراء فعل الخير". ويمكن للمرء أن يراها في أنحاء مختلفة من العالم. ففي المجتمعات التي تعتمد على الصيد وجمع الثمار، يُنتقد الصيادون الناجحون، لأنهم اصطادوا حيوانا كبيرا، حتى وإن كانت غنيمتهم هذه، تعني حصول الجميع على أنصبة أكبر من اللحوم.
وقد تُعزى هذه الظاهرة إلى ميلنا لرفض الخضوع لهيمنة الآخرين. فاللاعب الذي استثمر مبالغ أقل في الصندوق الجماعي في إطار اللعبة التي تحدثنا عنها سابقا، ربما يتخوف من أن ينظر الآخرون لزميله الأكثر إسهاما بأمواله على أنه "شخص يفضلون التعاون معه أكثر من سواه".
ومن هنا قد ينشأ تهديد يتمثل في أن يصبح الشخص الأكثر كرما، هو الشخصية المُهيمنة أو المسيطرة على المجموعة. ولعلنا نتذكر هنا العبارة التي قالها يوما الكاتب الفرنسي الشهير فولتير، من أن "الأفضل هو عدو الخير".
رغم ذلك، لا تخلو ظاهرة "ازدراء فعل الخير" من جانب إيجابي غير ظاهر، يتمثل في أن انتقاد فاعلي الخير أو التقليل من قدرهم، يجعلنا أكثر تجاوبا مع أفكارهم. فقد كشفت إحدى الدراسات عن أن السماح للمبحوثين بإبداء بغضهم للنباتيين، يحدو بأفراد العينة لأن يصبحوا أقل تشجيعا لتناول اللحوم. وهكذا فقد يؤدي إطلاق النار على حامل رسالة ما أو صلبه، إلى أن تصبح رسالته أكثر تقبلا من جانب الجماهير.
قاسٍ بقدر يمنعك من أن تكون طيبا
في فيلم "ويبلاش" يستخدم مدرس للموسيقى أساليب قاسية، بهدف دفع أحد تلاميذه للوصول إلى ذروة التألق والتفوق في الأداء. لكننا ربما أصبحنا الآن أكثر نفورا من مثل هذه الأساليب. بل إن الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه، قال قبل عقود طويلة، إننا صرنا نبغض مثل هذه القسوة، بشكل أكبر من اللازم.
فبالنسبة لنيتشه، تصب قسوة معلم مثل هذا الذي يظهر في الفيلم في صالح تلميذه، من منطلق أنه يمكن للناس أن يتعاملوا بقسوة مع أنفسهم، لكي يتسنى لهم أن يصبحوا على الشاكلة، التي يريدون أن يكونوا عليها.
وسبق أن رأى نيتشه أن تعرض الإنسان لمعاملة قاسية، يساعده على اكتساب الشجاعة والقدرة على الاحتمال والابتكار معا. فهل يتعين علينا من هذا المنطلق، أن نصبح أكثر استعدادا لأن نُعرّض أنفسنا وغيرنا للمعاناة، كي نكتسب مثل هذه الصفات الإيجابية؟.
بوسعنا الإجابة بـ "كلا" على هذا السؤال. فنحن نعلم الآن ما هي التبعات المروعة بعيدة المدى، التي يمكن أن تترتب على معاملتنا بشكل قاسٍ من جانب الآخرين، بما في ذلك تعرضنا لأضرار صحية بدنية وعقلية. كما أننا نتعرف حاليا بشكل متزايد، على فوائد تعاطف المرء مع نفسه، لا معاملتها بقسوة.
فضلا عن ذلك، يمكن القول إن التصور الخاص بأن من الضروري أن يعاني المرء لكي يتطور، مشكوكٌ في صحتها. فمن الممكن أن يحدث الشي نفسه للإنسان، بفعل مروره بأحداث إيجابية في حياته، مثل وقوعه في الحب، أو إنجابه للأطفال، أو إنجازه أهدافا عزيزة على قلبه.
كما أن بوسعنا أن نقول إن التعليم باستخدام أساليب قاسية يفتح الباب أمام إساءة استغلال السلطة، والانخراط في ممارسات سادية ذات دوافع أنانية. ولحسن الحظ، لا يشكل ذلك الخيار الوحيد المتاح لدينا، على هذا المضمار.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2020 - جميع الحقوق محفوظة