- ما يُنسب للتصوف من ممارسات تخالف الشرع انحرافات فردية لا تمت للصحيح منه بصلة
- السنة والشيعة عاشا دون خلافات قرونًا.. والصراع ينشأ حين تتدخل الأجندات السياسية والمصالح الضيقة
- الأزهر سيظل بيتًا لكل طالب فلسطينى
- مائدة إفطار بالجامع الأزهر بـ7000 وجبة يوميًّا.. و3000 وجبة سحور خلال العشر الأواخر من رمضان
- نتوسع فى الحضور الرقمى والإعلامى لمخاطبة الشباب فى المساحات التى يتلقون منها أفكارهم
- الاستخدام الخاطئ للذكاء الاصطناعى يهدد بتفسيرات دينية آلية منزوعة من سياقاتها واستناد لمصادر غير موثوقة
- شيخ الأزهر يبذل جهودًا متواصلة لكسر الصور النمطية المغلوطة والتقليل من مظاهر التعصب والتحامل على المسلمين
أكد محمد عبدالرحمن الضوينى، وكيل الأزهر الشريف وعضو هيئة كبار العلماء، أن القضية الفلسطينية تتصدر أولويات الأزهر الإنسانية والتعليمية، انطلاقًا من رسالته التاريخية فى نصرة المظلومين ودعم قضايا الأمة، مشددًا على أن الأزهر سيظل بيتًا لكل طالب علم من فلسطين.
وأوضح الضوينى فى حواره لـ«الشروق»، أن استعدادات الأزهر لرمضان هذا العام قامت على خطة مؤسسية شاملة، حيث يشهد الجامع الأزهر استنفارًا دعويًّا واجتماعيًّا كبيرًا، لافتًا إلى أن الأزهر يتبنى مفهوم التصوف بوصفه مسارًا تربويًا وأخلاقيًا لتزكية النفس، وتهذيب السلوك، وتحقيق مقام الإحسان، مشيرًا إلى أن ما يُنسب إلى التصوف من ممارسات تخالف الشرع، فهى أمور دخيلة لا تمتّ إلى التصوف الصحيح بصلة، بل تمثل انحرافات فردية. وإلى نص الحوار..
< كيف استعد الأزهر لشهر رمضان هذا العام؟
- استعدادات الأزهر لرمضان هذا العام قامت على خطة مؤسسية شاملة أُعدَّت برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف؛ فالجامع الأزهر وحده يشهد استنفارًا دعويًّا واجتماعيًّا كبيرًا، يشمل إقامة شعائر التراويح بواقع 20 ركعة يوميًّا بالقراءات العشر الكبرى، وصلاة التهجد فى العشر الأواخر بواقع 8 ركعات كل ليلة، بالإضافة لـ137 درسًا ومحاضرة موزعة على مدى الشهر، كما تُعقد 1404 مقرآت طوال الشهر. وعلى الصعيد الاجتماعى، يجهز «بيت الزكاة والصدقات» أكبر مائدة إفطار بالجامع الأزهر لتقديم 7000 وجبة يوميًا، وكما يجهز لـ3000 وجبة سحور فى العشر الأواخر.
< ما المفهوم الذى يتبناه الأزهر للتصوف وممارسته بعد الجدل المثار حوله؟
- يتبنّى الأزهر الشريف مفهوم التصوف بوصفه مسارًا تربويًا وأخلاقيًا لتزكية النفس، وتهذيب السلوك، وتحقيق مقام الإحسان الذى أرشد إليه النبى ﷺ، فى إطار منضبط بالكتاب والسنة وأصول الشريعة، وليس طريقًا للانعزال أو الانفصال عن واقع الناس، وننظر إلى التصوف باعتباره مدرسة تربوية تُسهم فى بناء الإنسان المتوازن.
أما ما يُنسب إلى التصوف من ممارسات تخالف الشرع، فهى أمور دخيلة لا تمتّ إلى التصوف الصحيح بصلة، بل تمثل انحرافات فردية؛ ويحرص الأزهر على بيان هذا الفارق، تأكيدًا على أن التصوف السنى كان - ولا يزال - أحد الروافد الأساسية فى نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
< كيف ينظر الأزهر إلى مسار التقريب بين المذاهب الإسلامية؟
- الأزهر الشريف منبرٌ جامع، يعمل على ترسيخ وحدة الصف وتحصين الأمة من الانقسامات، وفى تعامله مع قضية التقريب بين المذاهب الإسلامية، ينطلق الأزهر من ثوابت شرعية وتاريخية راسخة، مؤمنًا بأن جناحى الأمة - السنة والشيعة - عاشا فى ظل الإسلام أكثر من 14 قرنًا، ولم تكن الخلافات الفقهية سببًا فى صراع أو اقتتال، وإنما تنشأ الأزمات حين تتدخل الأجندات السياسية والمصالح الضيقة، ومن هنا يركز الأزهر على ترسيخ وحدة الهدف والمصير.
ويحرص الأزهر على أن يكون التقريب عمليًا ومنضبطًا بالثوابت العقدية واحترام الاجتهادات المعتبرة، وإعلاء قيمة الحوار الهادئ عبر مؤتمرات ولقاءات علمية تُنتج توصيات تعزز العمل المشترك.
< ما أولويات الأزهر فى مكافحة الفكر المتطرف خلال المرحلة الراهنة؟
- المرحلة الراهنة تفرض على المؤسسات الدينية مسئولية مضاعفة فى مواجهة الانحرافات الفكرية التى تتستر برداء الدين، ويعتمد الأزهر استراتيجية شاملة تقوم على تفكيك الشبهات، وتجديد الخطاب الدينى، وتأهيل الأئمة والوعاظ علميا وفكريًا عبر أكاديمية الأزهر العالمية، وتفعيل دور مجمع البحوث الإسلامية ومرصد الأزهر، مع توسيع الحضور الرقمى لتعزيز المناعة الفكرية لدى الشباب.
< ما أخطر التحديات الفكرية التى يعتبرها الأزهرعاجلة وتتطلب مواجهة فورية؟
- خطاب الغلو والتكفير بما يحمله من نزعات إقصائية تهدد الأمن والاستقرار والسلم المجتمعى، وخطاب التفريغ من الثوابت والطعن فى السنة، القائم على التشكيك فى مصادر التشريع وحجية السنة النبوية، والساعى إلى قطع الصلة بين الأجيال وهويتها الدينية الراسخة، فضلًا عن الفوضى المعرفية فى الفضاء الرقمى، حيث تختلط الفتوى بالرأى العابر، والعلم بالادعاء غير المؤصل، فى ظل غياب المرجعية المنضبطة لدى قطاعات من الشباب.
< هل يتجه الأزهر إلى زيادة عدد المنح الدراسية المخصصة للطلاب الفلسطينيين؟
- يضع الأزهر الشريف القضية الفلسطينية فى صدارة أولوياته الإنسانية والتعليمية، انطلاقًا من رسالته التاريخية فى نصرة المظلومين ودعم قضايا الأمة العادلة؛ وقد وجّه الإمام الأكبر منذ اللحظات الأولى للأزمة بتقديم كل صور الدعم الممكنة لأبناء فلسطين، لا سيما طلاب العلم، إدراكًا لأهمية التعليم فى صون الهوية وبناء المستقبل.
ومع تفاقم الأزمة فى غزة، أصدر الإمام الأكبر قرارًا بمعاملة الطلاب الفلسطينيين غير الحاصلين على منح معاملة المصريين فى المصروفات، مع تيسير القبول والإقامة، وتقديم الدعم التعليمى والمعيشى والنفسى، ودمجهم فى الأنشطة العلمية والثقافية، ويؤكد الأزهر أنه سيظل بيتًا لكل طالب علم من فلسطين، يؤهله إلى العودة إلى وطنه عالمًا يسهم فى بنائه.
< كيف يعمل الأزهر على ترسيخ قيم تخفيف المهور والتوعية بأسباب الطلاق؟
- يعمل الأزهر على ترسيخ هذه القيم عبر مسارات متكاملة؛ تبدأ بالخطاب الدينى المنضبط فى المساجد والملتقيات الدعوية، كما تُدرج قضايا الأسرة واستقرارها ضمن القوافل الدعوية والندوات التوعوية التى تستهدف الجامعات ومراكز الشباب، لإعادة بناء الوعى بمفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا غليظًا قائمًا على المسئولية لا المظاهر.
كما يولى الأزهر اهتمامًا خاصًا بالشباب المقبلين على الزواج من خلال برامج توعوية ودورات إرشاد أسرى تنظمها «وحدة لمّ الشمل» التابعة لـ «مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية»، وغيرها.
< كيف ينظر الأزهر إلى استخدامات الذكاء الاصطناعى فى المجال الدينى؟
- تقنيات الذكاء الاصطناعى هى إحدى أدوات العصر التى لا يمكن تجاهلها، والموقف الشرعى الرشيد منها يقوم على مبدأ الاستفادة المنضبطة؛ حيث أنها يمكن أن تسهم فى خدمة الدعوة والتعليم الدينى، بتسهيل الوصول إلى المعرفة، وتنظيم المحتوى العلمى، وتقديم الشروح والمعلومات بلغة مبسطة، بجانب دعم العملية التعليمية، وتحليل احتياجات المتعلمين، وتطوير أساليب التدريس.
ويُنبّه الأزهر فى الوقت ذاته إلى المخاطر الشرعية والفكرية المترتبة على سوء استخدام هذه التقنيات؛ وفى مقدمتها الاعتماد على مصادر غير موثوقة، أو إنتاج تفسيرات دينية آلية منزوعة من سياقاتها، أو إسناد الفتوى إلى أنظمة تقنية تفتقر إلى أهلية الاجتهاد وإدراك مقاصد الشريعة ومآلات الأحكام؛ فالضبط المنشود يتحقق بإشراف علمى متخصص، وأطر أخلاقية واضحة، والتشديد على أن الذكاء الاصطناعى أداة مساعدة، لا مرجعية دينية مستقلة، ولا بديلًا عن العالم المؤهل والمسئولية العلمية المنضبطة.
< وكيف ترجم الأزهر مواكبته للتحولات الرقمية المتسارعة إلى خطواتٍ عملية للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
- تم استحداث كليات متخصصة فى هذا المجال داخل جامعة الأزهر، للبنين والبنات، وأسهم هذا التوجه فى إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مجالات البحث العلمى، وتحليل البيانات، وتطوير المحتوى التعليمى الرقمى، فضلًا عن دعم المبادرات الدعوية والإعلامية التى تستهدف مخاطبة الشباب بلغة العصر وأدواته.
كما أن استحداث هذه الكليات لا يهدف إلى مجرد مواكبة التطور التقنى، بل لبناء نموذج معرفى متوازن يضع الإنسان والقيم فى قلب العملية التقنية، ويضمن أن تظل الرسالة الدينية قائمة على الفهم والحكمة والمسئولية. وبهذا النهج، يسعى الأزهر إلى تقديم تجربة رائدة فى توظيف الذكاء الاصطناعى تخدم الدين والمجتمع، وتجنب الوقوع فى مخاطر فكرية أو شرعية قد تُفرغ التقنية من بعدها الإنسانى والأخلاقى.
< كيف يتعامل الأزهر مع محاولات توظيف الدين فى الصراعات الدولية وتنامى ظاهرة الإسلاموفوبيا؟
- يتبنى الأزهر الشريف منهجًا فكريًا راسخًا يقوم على تصحيح المفاهيم التى أسىء توظيفها سياسيًا بمعالجة علمية دقيقة تعيد هذه المفاهيم إلى أصولها الشرعية ومقاصدها الصحيحة؛ من خلال هيئاته العلمية، وفى مقدمتها هيئة كبار العلماء بالأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، ومرصد الأزهر العالمى لمكافحة التطرف، إلى جانب مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، وأكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والدعاة.
وتعمل هذه الجهات على تفكيك خطاب الغلو، وكشف زيف التأويلات المنحرفة للنصوص، وبيان الفهم المنضبط لمفاهيم مثل «الجهاد» و«الحاكمية» و «الخلافة» و«الدولة» فى الإسلام، مع ترسيخ فقه التعايش وقيم المواطنة والعيش المشترك.
وفى مواجهة ظاهرة «الإسلاموفوبيا» المتصاعدة، يبذل شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، جهودًا متواصلة على الصعيدين الدولى والإعلامى، لتعزيز صورة الإسلام السمحة، ويقود الأزهر مبادرات توعوية وحوارات مع المؤسسات الدينية والفكرية العالمية لتوضيح المبادئ الصحيحة للدين، وبيان الفروق بين حرية التعبير والإساءة للأديان وخطاب الكراهية الذى يستهدف المسلمين.
كما تقوم رؤية الأزهر على الحوار وبناء الجسور مع المؤسسات الدينية والفكرية حول العالم، وفى مقدمتها الفاتيكان وكنيسة كانتربرى وسائر الكنائس الأخرى فى الشرق والغرب، لترسيخ المبادئ التى أرستها «وثيقة الأخوة الإنسانية» بوصفها إطارًا عالميًا لتعزيز التعايش والسلام.
< ما أبرز الملفات المطروحة على أجندة مؤتمر الحوار الإسلامى-الإسلامى «أمة واحدة.. ومصير مشترك»؟
- المؤتمر ينطلق إبريل المقبل، وتتمحور أجندته حول ترسيخ وحدة الموقف الإسلامى وتجاوز الخلافات التاريخية والمذهبية.
كما تتضمن الأجندة بحث سبل مواجهة التحديات الكبرى التى تعترض الأمة الإسلامية، بآليات علمية مستدامة لتعزيز التقريب الفقهى والمعرفى بين المذاهب، وإرساء قاعدة راسخة للتعارف العلمى بين المدارس والمذاهب، وتصحيح الصور النمطية المتبادلة عبر تفكيك جذورها التاريخية والمعرفية.